لا أعتقد أن كاتبًا أو مثقفا أو باحثا، مصريًّا كان أو عربيا أو أجنبيا، لم يعرف مكتبة الحاج مدبولى، والذين عاشوا فى عقود الستينيات والسبعينيات والثمانينيات والتسعينيات، حتما سيكون حالفهم الحظ، والتقوا هذا الرجل البسيط، والذى يهيمن على أكبر وأشمل وأوسع مكتبة فى مصر والعالم العربى. والحاج محمد مدبولى (1938 - 2008) رجل بسيط، يرتدى الجلباب البلدى، يستقبل كل الناس بلا تفريق، ويبتسم لمعظم المثقفين الذين يرتادون مكتبته، والمدهش أنه يملك إجابات عديدة حول الكتاب وأشكال توزيعه ودار النشر التى طبعته، وككل أولاد البلد الحقيقيين، فهو يقوم بخدمة المثقف بكل ما يملك من طاقة، بداية من طباعة الكتاب، ثم نشره، ثم توزيعه، ثم تسويقه والتعريف به لدى الكتاب والصحفيين الكبار الذين يزورونه بشكل دائم، ونادرًا ما كان يمر المرء على المكتبة وتكون خالية من هؤلاء الكتاب، إنها كانت ملتقى ثقافيا، قبل أن تكون مكانا لتوزيع وبيع الكتب. فى 16 نوفمبر 1972 كتب الكاتب الصحفى الكبير منير عامر فى مجلة «صباح الخير» مقالًا تحت عنوان: «أشهر رجل بجلباب يعرفه كل المثقفين»، وجاء هذا المقال عندما كان مدبولى صاحب (كشك) يقع أمام مقهى ريش، ولم يكن قد اشترى المكتبة الشهيرة فى ميدان طلعت حرب، وكانت الأكشاك فى ذلك الوقت مهددة بالإزالة، وكان مقال الكاتب الكبير بمثابة صرخة مدوّية فى عالم البيروقراطية والظلم. «رجل يسعى إليه أنيس منصور، يلتقى به مصطفى محمود، يسأل عنه الدكتور بشير الداعوق.. يراسله الدكتور سهيل إدريس.. يقف عنده توفيق الحكيم!!» هذا هومطلع المقال الذى لفت الأنظار آنذاك، وأتاح لظاهرة الحاج مدبولى أن تخرج من نطاق الكتّاب والمثقفين لتدخل فى النطاق الشعبى، ويستطرد: «الكشك يكسوه اللونان الأصفر والأخضر، وتمتد حوله الزهور الرائعة التى تتيح للعقل أن يفكر، وللقلب أن يؤمن، إن كل شىء موجود هنا.. بداية من فستان المرأة فى مجلة الموضة، إلى آخر كتاب فى السياسة، إلى أهم كتاب فى الحب أو فن تربية الأطفال». ويحكى الحاج محمد مدبولى حكايته مع الكتاب، منذ أن بدأ العمل مع والده فى بيع الصحف، هذا الوالد الذى جاء من محافظة سوهاج، واختار هذه المهنة الشاقة، فهو يستيقظ من الفجر حتى يستقبل الصحف، ويدور بها فى الشوارع، هذا قبل أن يأخذ ركنًا ما فى حى الدقى فى سنوات الخمسينيات، الحاج محمد مدبولى عاش زمن الناصرية بكل تفاصيله، واستنشق هواء تأميم القناة، والقوانين الاشتراكية، وفى أواخر الخمسينيات سمع عن شىء اسمه «القومية»، واكتشف أن هذه المفردة تتردد كثيرا، وكان هناك كاتب اسمه ساطع الحصرى قد كتب كتابًا عن مفهوم القومية، وقرر محمد مدبولى أن يسهم فى توزيع هذا الكتاب، ووجد الكتاب سوقًا لتوزيعه، واتجه نحو قارئ جديد غير قارئ الصحف، وبدأ مدبولى لعبة الكتب، فسمع به الدكتور سهيل إدريس، فاتفق معه على إرسال مطبوعات دار الآداب، بداية من المجلة الرائدة والرائعة «الآداب»، مرورًا بالروايات والقصص القصيرة ودواوين الشعر. والحاج مدبولى الذى لا يهدأ له بال، انهالت عليه عروض التوزيع من كل دور النشر فى بيروت، فكان المرء يذهب إلى مكتبته حتى يعثر على أى كتاب صدر فى بيروت، وكان مدبولى يجيب عن أى سؤال، فلو كان الكتاب غير موجود، فكانت إجابته التقليدية «جاى فى السكة»، وإذا لم يكن «جاى فى السكة، أو فى خلال أسبوع مثلا»، كان مدبولى يسأل عنه الناشرين فى بيروت، وبالفعل يحضر الكتاب بجهد ومثابرة الحاج مدبولى. فهو الوحيد فى ذلك الوقت الذى كان يوزع رواية «أولاد حارتنا» لنجيب محفوظ، وكتاب «نقد الفكر الدينى» لصادق جلال العظم، ودواوين أحمد فؤاد نجم التى طبعها ونشرها، ورغم أنه يعتبر نفسه ناصريا حتى النخاع، فإنه كان يوزع قصيدة نزار قبانى «هوامش على دفتر النكسة»، إنه رجل يعشق الكتاب فى معظم صوره، وتاريخه وتاريخ علاقته بالكتاب، يدلّ على أنه لم يستسلم لقوانين ولوائح المؤسسة الرقابية الفاشلة، وكان اليساريون يذهبون إلى المخزن الذى يقع فى العمارة التى تقع فيها المكتبة، ليجدوا هناك مطبوعات الحزب الشيوعى المصرى مثل مجلة «كتابات مصرية» التى كانت تصدر فى بيروت، وكان يشرف عليها محمود أمين العالم وميشيل كامل، الذى كان يكتب باسم «ط ث شاكر»، وكذلك ردود صالح محمد صالح عليها، وهذا هو الاسم الحركى للكاتب والمترجم الكبير خليل كلفت، والذى له عشرات الدراسات والأبحاث الفكرية والسياسية بهذا الاسم، وكذلك كانت مطبوعات «دليل المناضل» التى كانت تصدر عن دار ابن خلدون فى بيروت حاضرة دومًا فى المكتبة، التى تجاوزت أن تكون مكتبة، إنها مركز ثقافى يعرفه القاصى والدانى فى مصر والعالم العربى، ويحصل من خلال هذا المركز، على كل ما تمنعه وتحجبه المؤسسات التى كانت تمثل عبئًا أكثر من أنها تلعب دورا ثقافيا. وبالطبع كان الحاج مدبولى يعانى من الدولة ومن المتطرفين فى آن واحد، ووضعوه على قائمة المستهدفين، لأنه كان يطبع وينشر أو يوزع كتب العلمانيين مثل حسن حنفى، ونصر حامد أبو زيد، وفؤاد زكريا وغيرهم، وبالفعل رفعت عليه 24 دعوى فى هذا المجال، وحكم عليه عام 1991 بالحبس سنة، لأنه أسهم فى توزيع رواية «مسافة فى عقل رجل» للكاتب علاء حامد، ولكن المثقفين والكتاب أصدروا بيانا للتضامن مع الحاج مدبولى، ووافقت الرئاسة على عدم حبس مدبولى. الحاج محمد مدبولى تاريخ طويل فى خدمة الثقافة، دون ادعاءات ودون بيروقراطية، ودون أكاذيب، إنه رجل عاش بصدق فى خدمة الكاتب والكتاب والحركة الوطنية المصرية والعربية، ولا أبالغ حين أقول ذلك، فالذين يعرفون قدر ودور الحاج محمد مدبولى، يدركون كل هذه المعانى، وليت اتحاد الناشرين يلتفت إلى تكريم هذا الرجل المحترم بجدارة، والذى لم يسعَ إلى أحد، بل كلنا كنا نسعى نحوه.