أيا كان اسمك أو مسقط رأسك، محمد أو أحمد أو ميلاد أو جرجس. من الشرقية أو قنا أو الدقهلية أو سوهاج، أنت بعضٌ منِّى، إكليل رأسى. بفضل الله وفضلك أنت وكل رفاقك، عشت أنا، تزوجت وصار لى بيت وأولاد، أحلام وأشواق، مَنَحْتَنى البقاء برحيلك النبيل، دون انتظار لشكر أو عرفان: صرت شهيدا حيًّا عند مَن لا يضيع عنده حق، أعطيتنا الحياة، واكتفينا «بموسمية» الاحتفاء بذكراك. رحت أتأمل ملامحك وأتساءل عن اللحظة التى توسَّدَتْ رأسك فيها تراب «الأرض» عند مجرى القناة. بينما فكرت وكيف شعرت وأين كنا وماذا كنا نفعل؟ من كان بانتظارك؟ أم وزوجة، أب، ابنة، أشقاء، أصدقاء، أحلام وحكايات؟ مَن آخر مَن لاح فى مخيّلتك؟ مَن مرق على قلبك قبل أن تغمض عينيك إلى الأبد؟ مَن افتقدت ومَن خاطبته فى سرِّك؟ كيف راقبتْ روحُك ما جرى لنا وللأرض التى افتديتها بروحك؟ صدقنى، أشعر بالخجل من مواجهتك، نحن قصَّرنا، لم نتعلم من درسك، صحيح لست الأول ولن تكون الأخير، صحيح أيضا أن أغلبنا لن يتردد أن يتوسد «الأرض» طائعا مختارا، مستشهدا، ليحفظ لهذا الوطن أرضه وعرضه، لكن النسيان آفة «آفة حارتنا النسيان». هكذا التقطها عمك نجيب محفوظ، واحدة من جواهر بلدك الذى توسَّدْت التراب لأجله، والذى ربما لم تعرفه لا كاتبا، ولا حتى اسمًا، لكنه ولا شك يعرفك حتى لو لم يلتقِكَ. النسيان نعمة إلا فى ما يتعلق بذاكرة الأوطان، هنا يصير «نقمة». ناسك فى أغلبهم طيبون، لكنهم فى أغلبهم لا يتذكرون، وقد لا يتفقهون. كان من المفروض أن تنبت من استشهادك أزاهير أكثر ل«العدل»، وأن يكون أهلك وأمثالك من المعطائين النبلاء فى مقدمة القاطفين، على الأقل، لطول ما عانوا وفداحة ما دفعوه من ثمن، وصِدْق ما عاهدوا الله عليه، لكن ما جرى بعد استشهادك كان فى أغلبه مناقضا، محبطا، تولى أمرنا من أَنْستهم مقاعدهم أوجاعنا، مع أنهم لم يفوّتوا الفرص الموسمية، ليلوكوا المعانى التى لأجلها استشهدت أنت وأنبل الخلق. كل مرة كانوا يفتتحون الكلام باسم الله، ويقرؤون لك الفاتحة، ويسبحون وهم يذكروننا «إنهم زاهدين وإن الكفن مالوش جيوب»، وكان الناس من أهلك وأهلى فى البداية يفترضون النيات الطيبة، ومع ذلك لم يكونوا يصدقون، لأن ما كان يبدو بعدها، وكان يلوح من تباشير كان يدل على المال، على النهاية أيضا. ما انت عارف.. الجواب يبان من عنوانه، كفنهم طلع إنه غير كفننا، طلع إن له جيوب، أو كان متهيأ لهم كده. سنة جابت سنة، وسنة جابت عشرة. انقضَّت حزمة «الملاعين» على الأخضر واليابس، أربعين سنة وسنة، واحنا من حزمة لحزمة، من نُقرة لحفرة، والحزمة هى هى، تتغير الوشوش، و«الكروش» هى «الكروش»، مرة بحجة إنهم «أشطر الشطار» القادرين على تحويل التراب إلى ذهب، ومرة لأنهم «يعرفوا اللى مانعرفوش»، أو لأنهم ولاد «ناس» وشبعانين... ربك والحق، طلعوا مش طماعين وبس، دول ياكلوا مال النبى. يمكن فى كل بداية كان فى ضربة فاس هنا، أو شغلانة هناك، لكن القعدة لما طوّلت، حساباتنا عندهم: قصرت! المهم وقعونا فى «بير»، «بير» كان بلا قرار، أو تقدر تقول، إن احنا اللى كنا حاسين إنه مالوش قرار، لكن ربك كان كبير، واللى نجّى «يونس» من بطن الحوت، كان قادر ينجينا. جيت إنت وظهرت فى الميعاد، فعلا كان هو الميعاد، كفك والسلاح، الخوذة ورقمك العسكرى، حاولت أقرا من الصور، «رقدتك»، وفتّشت، وخمّنت، وعرفت إنك إنت النور اللى بيه نهتدى، مصمم تعلمنا، كأنك عاوز تفكرنا، إن اللى جرى بعد ما رويت الأرض بدمك، ماينفعش يجرى تانى اللى جرى أولانى، وإن المرة دى «مافيش» ملحق للامتحان. عشان كده انت: الآن وهنا «ظهرت»، ونبّهت، جاى تقول لنا: مش كل مرة تسلم الجرة، حاسبوا من اللئام اللى بيتظاهروا بالسلام، بره وجوه، حاسبوا من نسيان أصحاب الفضل وضياع العدل، وصحبة الندل، والكدابين البياعين، بتوع الشمال واليمين، وحول مرقدى، إن كنت أحمد أو مينا، ابن مارى أو سكينة، وبطول مصر وعرضها: أقيموا الحياة.