هل هناك علاقة بين الجنس ونظام الحكم الإسلامى؟ السؤال انفجر مؤخرا فى وجه الإيرانيين، بعد أن ارتفعت أصوات جريئة تحذر من زيادة الجرائم الجنسية، وارتفاع معدلات العلاقات المحرمة خارج إطار الزواج. فى مايو الماضى فوجئ رواد مهرجان «كان» السينمائى فى فرنسا بفيلم إيرانى قصير عن قضية ممارسة الجنس خارج إطار الزواج، وأثار الفيلم الذى أخرجه الشاب على أصغر ضجة كبيرة، ورُشّح لإحدى الجوائز، وقد حرصت على مشاهدة الفيلم الذى يحمل عنوان «أكثر من ساعتين» ويحكى قصة شاب وصديقته فى ورطة، فالفتاة تعانى من نزيف نسوى حاد، فاصطحبها الشاب فى سيارته إلى المستشفى، لكن جميع المستشفيات التى ذهب إليها (خاصة وحكومية) رفصت استقبال الحالة طبقا للقانون، فالفتاة تعانى من نزيف بسبب علاقة جنسية، ولا بد من وجود وثيقة زواج أو حضور ولى الأمر الشرعى، واضطر الشاب للاتصال بأسرة حبيبته متحملا أى مخاطر فى سبيل إنقاذها، لكن الفتاة لم تستطع تحمل ذلك، وألقت بنفسها فى النهر تخلصًا من حياتها وخوفا من الفضيحة. الفيلم ركز على فاجعة موت فتاة بسبب خوفها من نظرة المجتمع المغلق، لكنه فتح الحديث عن ظاهرة العلاقات الجنسية خارج الزواج، مما دفع مجلة «إيكونوميست» البريطانية للاهتمام بالقضية، وفى التاسع من الشهر الجارى نشرت تقريرا خطيرا بشأن هذه الظاهرة قالت إنه صادر عن جهات رسمية إيرانية، ثم أوضحت أن التقرير الذى يتضمن 82 صحفة أعده قسم الدراسات والبحوث فى البرلمان الإيرانى، ويكشف أن 80% من النساء غير المتزوجات فى إيران يقمن علاقات مع رجال، وهذا لا يقتصر فقط على البالغات، إنما يشمل طالبات المدارس فى المرحلة الثانوية. ولا يقتصر الأمر على علاقات تجمع بين الرجال والنساء، بل 17% من أصل 142 ألف طالب، استطلع التقرير آراءهم، قالوا إنهم خاضوا تجربة جنسية مثلية. كان التقرير بمثابة قنبلة مدوية، لكن الجهات الحكومية حاولت التكتم عليه، لدرجة أن أحد المسؤولين رد بعصبية على الإعلام الغربى معتبرا أن ما يقوم به الأفراد خلف جدران بيوتهم متاح، ولا علاقة للحكومة به. تساءلت «إيكونوميست» عن موقف السياسيين الإيرانيين من هذه الظاهرة؟ كما تساءلت عن طريقتهم فى مواجهتها؟ وعبرت المجلة عن صدمتها من الإجابات التى اقتصرت تقريبا على فكرة توسيع نطاق زواج المتعة فى إيران، والذى يسمى «الصيغة»، إذ من الممكن أن يستمر الارتباط لمدة من بضع ساعات إلى عشرات السنين. وفى التقرير قالت زهراء (صيدلانية - 32 سنة) إنها لا تحتاج ترخيصًا لممارسة الجنس فهو حق لكل إنسان، وتضيف زهراء التى تعيش مع صديقها فى شمال طهران، لدى حياة واحدة، وعلى الرغم من أننى أحب بلدى، ولكن لا يمكن أن أنتظر حتى ينضج قادتها. وكانت مجلة «فورين بوليسى» الأمريكية نشرت فى يونيو من العام الماضى دراسة تحليلية تحت عنوان «إيران تعيش ثورة جنسية غير مسبوقة»، وتساءلت المجلة: هل تستطيع الثورة الجنسية أن تُسقط النظام المحافظ فى إيران؟ كانت الدراسة بقلم الدكتور أفشين شاهى أستاذ السياسة والعلاقات الدولية فى جامعة «إكستر» البريطانية، وعبر فيها عن عمق وخطورة الظاهرة الجنسية فى إيران، موضحا أنها تثير الاستغراب الحاد ليس لدى النظام السياسى والمعايير الثقافية والأيديولوجية المهيمنة على المجتمع الإيرانى وحسب، وإنما أيضًا لدى الإيرانيين أنفسهم، فقد تطرقت مواقع إعلامية إيرانية قليلة لتناول الظاهرة، وقالت فى خجل مستتر، إنه من الصعب جدا الحصول على معلومات مستقلة وموثَّقة حول عادات وسلوك الجنس فى إيران. لكن الإحصاءات الحكومية توضح انحسار نسبة المواليد خلال العقد الأخير، مما يؤكد الاستخدام الواسع لوسائل منع الحمل فى إيران. وقد بلغت نسبة النمو السكانى فى إيران نحو 4% عام 1988، بينما هبطت إلى 1.2% عام 2012. كما ارتفع معدل سن الزواج، ويشكل العزاب نحو 40 فى المئة من عدد الذين بلغوا سن الزواج، وقد تضاعفت نسبة الطلاق 3 مرات خلال الأعوام العشرة الأخيرة. وترتفع نسبة الطلاق أو استمرار حياة العزوبية فى المدن الكبرى كطهران. فعلى سبيل المثال تساوى نسبة الطلاق فى مدينة طهران تقريبا متوسط نسبة الطلاق فى بريطانيا، أى نحو 40 فى المئة. ولم تتوقف هذه العملية، إذ تؤكد إحصاءات العام الإيرانى الحالى (يبدأ 20 مارس 2013) أن نسبة الطلاق تتصاعد، ونسبة الزواج تنحسر. ويضيف أفشين شاهى فى دراسته أن التغيرات الملحوظة فى موضوع الزواج تتزامن والتحولات العميقة فى العادات والسلوك، ونظرة أبناء الطبقة الوسطى فى إيران إلى العلاقات الجنسية والحب. فوفقا لإحصاءات وزارة الشباب فى إيران اعترف معظم الذكور (فى استطلاع رسمى عام 2008) أنهم مارسوا الجنس مع نساء قبل الزواج. كما تتمثل إحدى تداعيات هذا التغيير فى تصاعد عدد حالات الحمل غير المرغوب فيه والإجهاض، إذ بلغ الإجهاض فى العام 2008 وفقا للإحصاءات الحكومية 13 فى المئة من العلاقات بين الجنسين قبل الزواج الرسمى. وبالتزامن مع هذه التطورات، تحولت الدعارة إلى قطاع خدمات واسع، وأصبحت العلاقات الجنسية إزاء المال سهلة جدا قياسا بالزمن الماضى. فقبل 10 سنوات أعلنت صحيفة «انتخاب» فى مقال تحليلى لها أن هناك 85 ألف عاهرة تعمل فى مدينة طهران فقط. ويعزو مقال أسبوعية «فورن بوليسى» أسباب تغير السلوك الجنسى للإيرانيين إلى الظروف الاقتصادية، وتوسع المدن وتطور تكنولوجيا الاتصالات وارتفاع معدل مستوى التعليم للنساء، ودخولهن إلى سوق العمل وإمكانياتهن لإعداد حياة مستقلة. وقياسًا بسائر الدول الإسلامية فى المنطقة، تكمن خصوصية إيران فى أن الشباب الإيرانيين باتوا بعد 35 عامًا من سلطة النظام الدينى، وفرض تقاليد مشددة على أجيال بعد الثورة يعتبرون التغيير فى حياتهم الخاصة، ومنها العادات الجنسية نوعًا من المقاومة السرية أمام هذا النظام، وهم يحاولون بعصيانهم هذا أن يشككوا فى شرعية الحكم الإيرانى. الذى يحاول قادته السياسيون والدينيون، بدءًا من آية الله الخمينى، مرورا بالحوزات الدينية، ووصولا إلى آية الله على خامنئى أن يظهروا أنهم نجحوا فى إقامة يوتوبيا دينية لا يوجد فيها أى انحراف جنسى، كما هو موجود فى الغرب، حسب تعبيرهم. يبقى أمامنا سؤال: هل ما يحدث فى إيران بعيد عما يحدث فى مصر، وبقية الدول العربية الإسلامية التى تعيش حياة انفصامية مزدوجة.. نصفها رسمى علنى فوق الأرض أمام مجتمع يتوهم أن انتشار غطاء الرأس، وزيادة الدروس الدينية مؤشر على العفة، والنصف الآخر تحت الأرض يخلط بين الحرية والجريمة، والعشوائية والقانون، يفاجئ الجميع بصدماته وأرقامه بعدما تتحول إلى واقع مخيف، يرتبك الجميع فى الرد على أسئلته التى تجاهلناها طويلا، وتكاسلنا فى الرد عليها. فهل آن الأوان لنواجه مشكلاتنا بصراحة، ونفتح كل الملفات السرية، أم نواصل الحياة بازدواجية دكتور جيكل ومستر هايد؟ السؤال للعقلاء فقط. EKTEBLY@HOTMAIL. COM