بعد أن تنازل مُعاوية بن يزيد عن المُلْك؛ لكراهيته تحول الخلافة من الشورى إلى التوريث، وبعد أن أعادها شورى مرة أخرى بين الناس؛ ليختاروا منهم من يحكمهم ويتولى أمرهم؛ بايع كثير من الناس عبد الله بن الزبير ليكون خليفتهم؛ رغبة منهم لا رهبة من ابن الزبير! وبعد وفاة معاوية بن يزيد، كان أغلب أنحاء الدولة قد بايع عبد الله بن الزبير؛ فأصبحت بيعته بذلك بيعة شرعية وبإجماع المسلمين! وأصبح هو الخليفة والحاكم الشرعى للدولة، ولُقِّبَ ونُودِى بأمير المؤمنين! حتى الشام بايعته إلا بعض جهات منها كالبلقاء وفيها حسان بن مالك بن بجدل الكلبى، والذى أوعز إلى مروان بن الحكم، كبير بنى أمية -بعد أن كان قد قرر مبايعة ابن الزبير- بأن لا يبايعه؛ لأنه يرى أن ابن الزبير لا حق له فى الخلافة، وأنه لا ينبغى أن يخرج أمر الحكم من بنى أمية! وبعد مشاورات عديدة جرت بين بنى أمية بقيادة مروان بن الحكم، ورجاله من الموالين له ولدولة بنى أمية، رأوا فيها أنهم هم أهل الشورى الذين يحق لهم وحدهم أن يختاروا ويقرروا مَن هو الخليفة الذى يحكمهم، لأن المُلْك قد استتبَّ من أيام معاوية بن أبى سفيان فى بنى أمية وفى أهل الشام! وأن ابن الزبير ليس من بنى أمية ولا من أهل الشام، وأنه قد جمع الناس من حوله ليبايعوه دون الرجوع إليهم؛ ومن أجل ذلك فلا تجوز مبايعته، بل ويجب قتاله من أجل استرداد مُلْك بنى أمية! ولأن مروان بن الحكم هو كبيرهم؛ فقد قرروا مبايعته خليفة للمسلمين، وقائدا فى قتالهم ضد عبد الله بن الزبير! وبالفعل خرج مروان بن الحكم ومن أيَّدَهُ من أهل الشام، وبدؤوا فى قتال ابن الزبير بما جَيَّشُوهُ من جيوش، واستطاعوا شيئا فشيئا أن ينتصروا عليه! وحدث نفس الأمر فى مصر؛ فضموها إلى حكمهم! وفى هذه الأثناء مرض مروان بن الحكم، ووافته مَنِيَّته؛ فتولى الأمر من بعده ابنه عبد الملك! ثم أرسل حملة عسكرية بقيادة الحجاج بن يوسف الثقفى إلى الحجاز مُستقرّ حكم وخلافة عبد الله بن الزبير؛ لقتال ذلك الأخير! وبعد هجمات خفيفة وأخرى عنيفة وحصار طويل، نجح الحجاج فى قتل ابن الزبير! وبمقتل عبد الله بن الزبير، سقطت دولته الزُّبَيْرِيَّة، وأصبح معقل دولته الحجاز فى قبضة الدولة المروانية الأموية! إلا أنه من اللافت للنظر أن نجد واحدًا من كبار الصحابة من أصحاب الشأن الدينى والسياسى، وممن هم يَغيرون على دين الله وعلى دماء المسلمين؛ نجده يبايع عبد الملك بن مروان، بل ويرسل إليه كتابا بذلك، بعد أن رفض أن يبايع له فى أثناء حربه ضد ابن الزبير! ذلك هو الصحابى الجليل عبد الله بن عمر بن الخطاب، رضى الله عنهما. بل ونراه يندم على عدم مشاركته مع من شاركوا فى القتال ضد الحجاج بن يوسف الثقفى حين حاصر مكة وقاتل أهلها؛ مجتهدًا حينذاك فى رأيه باعتزال الفتن وعدم مشاركته فى قتال المسلمين بعضهم بعضا، وسفك دمائهم؛ خصوصا داخل مكة والحرم الشريف، اللذين حرم الله القتال فيهما إلا بحق! وفى النهاية: لك أن تقبل صنيع وفعل عبد الله بن عمر بن الخطاب فى مبايعته عبد الملك أو ترفضه؛ فهذا اجتهاده ورأيه؛ وقد يكون اجتهاده مُصِيبًا وقد يكون مُخْطِئًا؛ خصوصا أنه قد ندم -كما أسلفنا- على عدم قتاله الحجاج بن يوسف، قاتِل عبد الله بن الزبير؛ فى أثناء الصراع بينهما، قبل استتباب واستقرار الأمر لعبد الملك بن مروان! *المرجع: بتصرف كبير.