الرئيس السيسي يوجه بتقديم مشروعات قوانين الأسرة للنواب    أسعار الذهب تهبط بأكثر من 1% مع ارتفاع الدولار    ثورة تكنولوجية في السكة الحديد.. تحديث نظم الإشارات لتعزيز الأمان وضمان السلامة    وزير التخطيط يبحث مع البنك الدولى تعزيز الشراكة الاستراتيجية    الفسيخ يبدأ من 360 جنيها.. إقبال كبير على محلات الأسماك المملحة تزامنا مع أعياد الربيع    النفط يقفز 7% وسط تحرك أمريكي للسيطرة على الموانئ الإيرانية ومضيق هرمز    إعلام عبري: حزب الله أطلق 400 صاروخ و40 مسيرة تجاه إسرائيل منذ وقف حرب إيران    وول ستريت جورنال: باب الدبلوماسية ما زال مفتوحا بين طهران وواشنطن    استشهاد 3 فلسطينيين فى قصف للاحتلال لدير البلح وسط قطاع غزة    مجموعة الهبوط.. البنك الأهلي في اختبار صعب أمام المقاولون العرب من أجل البقاء    فابريجاس: فخور بشجاعة كومو رغم السقوط أمام إنتر ميلان    تشكيل الهلال المتوقع لمواجهة السد بدوري أبطال آسيا    من أجل تعزيز موقعه فى الدورى الانجليزي.. مانشستر يونايتد يواجه ليدز    محمد عبدالجليل: الأهلي يعاني من "اللاعبين المعلمين".. وسيد عبدالحفيظ مخطئ    سموحة يتقدم بشكوى رسمية ضد حكام مباراة الأهلي في الدوري    عامر العمايرة: لوائح فيفا لا تمنح الأندية حق الاطلاع على الVAR    نيابة قليوب تنتدب المعمل الجنائي لمعاينة حريق معرض أجهزة كهربائية    النشرة المرورية.. سيولة وانتظام فى حركة السيارات بمحاور القاهرة والجيزة    إقبال جماهيري ملحوظ على "قطار النزهة" لقضاء عطلة شم النسيم بالإسكندرية    احتفالا بشم النسيم، شواطئ فايد بالإسماعيلية تفتح أبوابها للزائرين بالمجان    مشاركة مميزة للموهبين في إعادة إحياء فرق الموسيقى العربية بقصر ثقافة الإسماعيلية (صور)    دراما كوميدية داخل فندق.. تفاصيل مسلسل "لوبي الغرام" قبل عرضه    طارق العريان .. يغامر بجزء ثالث من « السلم والثعبان» رغم العاصفة    من بينها تجنب منتجات الألبان.. إرشادات هامة لتجنب المضاعفات الصحية بعد تناول الأسماك المملحة‬    سعر الدولار في البنوك المصرية اليوم الاثنين 13 أبريل 2026    انخفاض الأبيض والأحمر، سعر كرتونة البيض اليوم الاثنين في بورصة الدواجن    مديرية العمل بالأقصر تعلن عن وظائف لأبناء المحافظة.. اعرف التفاصيل    إعلام إسرائيلي: اعتراض طائرة مسيرة حلقت فوق الجليل الغربي.. وحزب الله: استهدفنا بسرب من المسيرات موقع المطلة شمال الأراضي المحتلة    مشاورات مصرية أوغندية لتعزيز التنمية والتكامل الاقتصادي    أبرزهم سيدة سموحة| النائب العام يأمر بحظر النشر في 3 قضايا    ماجدة خير الله عن مسلسل اللعبة 5: عمل يطبطب على روحك ويخليك مبتسم    الأرصاد تحذر المواطنين من الشبورة المائية.. تفاصيل    سعد الدين الهلالي: المنتحر مسلم ويُصلى عليه ويستحق الرحمة.. وبعض الصحابة انتحروا    الأوقاف تكشف حكم الانتحار في الشريعة الإسلامية    حملة ليلية مكثفة لترشيد الطاقة وضبط مخالفات الغلق في حي الهرم بالجيزة    ترامب: لا أهتم بعودة إيران إلى المفاوضات فهى فى حالة سيئة ويائسة    أخصائي تغذية يحذر من العصير الفريش: يزيد من خطر الإصابة بالسكر    الكهرباء تعزز قدراتها النظيفة.. مشروعات جديدة تدخل الخدمة وخطة موسعة لترشيد الاستهلاك    «الصحة» توجه رسائل هامة: خطوات بسيطة تعزز الصحة النفسية    فرص عمل متميزة بقطاع الصحة بالقليوبية.. اعرف التفاصيل    مواقيت الصلاة اليوم الإثنين 13 أبريل 2026 في القاهرة والمحافظات    رئيس لجنة الطاقة بالشيوخ: الحصار الأمريكي لمضيق هرمز عقاب جماعي.. وسيؤدي لنتائج أسوأ    رويترز: تراجع الذهب أكثر من 2% في المعاملات الفورية    العثور على جثمان شاب مشنوقًا داخل منزله بقرية صدقا بالدقهلية    صحة المنيا: تقديم خدمات طبية ل 3284 مواطنًا خلال إجازة عيد القيامة    د.حماد عبدالله يكتب: فاقد الشىء لا يعطيه !!    الأنبا بولا: عيد القيامة رسالة حب وسلام وتجديد للرجاء في قلوب المصريين    مركز الأزهر العالمي للفتوى يطلق رسالة دعم نفسي عاجلة وخطا ساخنا للوقاية من الانتحار    الداخلية تكشف زيف "إضراب محجوز الشرقية": أكاذيب إخوانية لإثارة البلبلة    أحمد عيد: محمود حميدة وزينة معايا في محطتى السينمائية المقبلة    شعبة الأجهزة الكهربائية تنصح: لا تشتروا إلا فى هذا التوقيت    منظور متطور للتعامل مع ذوي الإعاقة    قلة التركيز والحركة وانخفاض الصوت.. استشاري طب نفسي يوضح علامات مريض الاكتئاب    حين يتحول الألم إلى عرض مباشر: قراءة نفسية وأخلاقية في ظاهرة الانتحار العلني    رئيس الوفد يزور الكاتدرائية لتهنئة البابا تواضروس بمناسبة عيد القيامة    بعد واقعة سيدة الإسكندرية، هل المنتحر خارج من رحمة الله؟ رد حاسم من عالم أزهري    «الصحة» ترفع الجاهزية بالمنشآت الطبية تزامنًا مع احتفالات عيد القيامة وشم النسيم    شاهد الآن بث مباشر مباراة مانشستر سيتي ضد تشيلسي اليوم في الدوري الإنجليزي لحظة بلحظة HD    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



عن الحرب الإسرائيلية على غزة
نشر في الشروق الجديد يوم 23 - 07 - 2014

داهمت الامتحانات الصعبة السلطة الجديدة فى مصر فور استقرارها فى قصور الحكم.. بل إن بعض هذه التحديات قد سبقتها لتفرض عليها قرارات سريعة، كان أن يخشى أن تصدر بردات فعل غاضبة نتيجة سوء الفهم أو سوء التقدير أو الأحكام المسبقة.
لقد تعودت القاهرة أن تكون مركز القرار.. وحتى فى أيام ضعف السلطة أو تهافتها، أو فى أيام تحزب السلطة فيها أو عصبيتها، ظلت القاهرة تطالب بهذا الحق، بالرغم من تزايد أعداد المعترضين إما لأسباب مبدئية وإما لشعور البعض بتناقص قدرة القاهرة على التأثير عربيا، ومن ثم دوليا، وإما نتيجة لافتراق العرب عن بعضهم البعض وتبعثرهم أيدى سبا.
لكن الحرب الإسرائيلية الجديدة على غزة أخطر بما لا يقاس من الاختلاف السياسى مع حماس، ولأسباب شديدة الوضوح: فهى بداية حرب ضد الشعب، كل الشعب الفلسطينى فى غزة، وهو هو الشعب الفلسطينى فى الضفة الغربية كما أنه هو هو الشعب الفلسطينى فى الداخل (1948).. وبالتالى فهى حرب ضد هوية هذا الشعب بقدر ما هى ضد عروبته.
ثم إن إسرائيل تحاول أن تستفيد من الخلافات المستعرة بين السلطة فى مصر وبين تنظيم الإخوان المسلمين الذى خلعه المصريون قبل عام ونيف، فتحاول تصوير غزة بالمليون ومائتى ألف فلسطينى فيها، نساء ورجالا وشيوخا وأطفالا، وكأنهم جميعا من «الإخوان»، وبالتالى فهم «خصوم» لمصر وسلطتها بالحد الأدنى و«أعداء» بالحد الأقصى.. وبالتالى فإن إسرائيل تحاول إيهام السلطة فى مصر أنها إنما «تحارب لحسابها»، وتكمل معركتها داخل مصر فى الساحة القريبة منها، والتى طالما صورت وكأنها «قاعدة خلفية» للإخوان، ومصدر إزعاج للسلطة فى مصر بأنفاقها التى لا تنتهى، والتى كانت تستخدم لتهريب السلاح و«الإخوان» إلى داخل غزة ثم تحولت إلى تهريب السلاح و«الإخوان» المسلمين إلى داخل مصر.
ولقد سقطت بعض أجهزة الإعلام المصرية فى هذا الفخ، وتورط إعلاميون مفتوح لهم الهواء فى حملات عنصرية ضد الفلسطينيين عموما، واندفعوا إلى أبعد مما وصل إليه الإسرائيليون، فانحدروا إلى الشتيمة والإهانات والتجريح المباشر بالشعب الفلسطينى جميعا.. ولم يتورع بعض هؤلاء عن التحدث بحذائه، متخطيا الانحياز إلى العدو الإسرائيلى إلى شن حرب عنصرية جاهلية ضد أى فلسطينى وكل فلسطينى.
أما الدول العربية الأخرى، فى المشرق أساسا، ثم فى بعض المغرب، فمعظمها غارق حتى أذنيه فى حروب داخلية، معظمها ضد حركات إسلامية لا يحتل الإخوان موقع الصدارة فيها، بل هى تتجاوزهم بكثير وصولا إلى المناداة بالخلافة.
•••
على هذا فإن الأكثرية الساحقة من الأنظمة العربية مشغولة عن غزة وما يجرى فيها ولها بمعاركها المباشرة والعسكرية غالبا ضد تنظيمات إسلامية أعظم تشددا من الإخوان المسلمين وأخطر بمنطلقاتها الفكرية وباستهدافاتها السياسية من أقصى طموحات الإخوان ومفتيهم القرضاوى.
هكذا وجدت إسرائيل أنها، بمدافعها وطيرانها ودباباتها والصواريخ، حرة فى قرارها بشأن غزة وأهلها، تقصفها من الجو والبحر والبر، تقتحم أحياءها الفقيرة المبعثرة مدنا صغيرة وقرى هى فى حقيقة الأمر مخيمات لجوء متكرر: 1948، 1967، 1973، إلخ.
بالمقابل فقد أساء أصحاب القرار فى القاهرة تقدير الموقف، ولعلهم افترضوا أن الاعتداء سيقتصر على بضع غارات جوية، أو على «عملية عسكرية محدودة» تأتى إليهم ب«حماس» تائبة، مستغفرة، تصالحهم بشروطهم لكى يتدخلوا لوقف العدوان الإسرائيلى. كما قد تأتى إليهم بإسرائيل طالبة وساطتهم لوقف الحرب.. وهكذا تربح السلطة فى مصر على الضفتين.
لكن العدوان الإسرائيلى تطور إلى حرب فعلية، فى البر والبحر والجو، استهدفت أهالى غزة جميعا، بالنساء والشيوخ والأطفال، لاسيما الأطفال، وبالبيوت والمستشفيات والمنشآت القليلة القائمة فى هذا القطاع المحاصر.
صار العدوان حربا شاملة ضد كل ما وكل من فى غزة و«المدن» الأخرى من حولها، التى هى فى حقيقة الأمر مخيمات لجوء نفخها تزايد أعداد اللاجئين إليها من أنحاء فلسطين الأخرى، عبر الحروب المتكررة عليها جميعا.
وبالتالى لم تعد ذريعة الخصومة كافية للتستر بها والامتناع عن نجدة أهل غزه، بكل من فيها.. خصوصا أن مقاتلى «حماس» ومعهم رفاقهم فى «الجهاد الإسلامى» خصوصا ثم فى الجبهات الفلسطينية المختلفة (والجبهة الشعبية بشكل خاص) كانوا شركاء فى مواجهة الحرب، كل بحسب إمكاناته.
•••
هى حرب إسرائيلية على فلسطين فى غزة. وهى بالتالى حرب إسرائيلية على مصر، كما على لبنان الذى لم تجف بعد دماء شهدائه فى الحرب الإسرائيلية عليه فى مثل هذه الأيام من العام 2006، كما على سوريا التى لم تمنع الحروب فيها وعليها إسرائيل من شن الغارات المتكررة على بعض المنشآت العسكرية ذات الأهمية الإستراتيجية خلال السنوات الثلاث الماضية.. وهى حرب على العراق المشغول بالفتن التى تكاد تذهب بدولته، كما على سائر الدول العربية فى المشرق والمغرب.
وفى أى حرب إسرائيلية على أى بلد عربى، لا يمكن أن تكون مصر هى الوسيط.. فإذا ما تعذر عليها أن تكون «القائد»، فلا يمكن أن تتدرج نزولا فى شروط «المساعى الحميدة»، بحيث تقارب الشروط الإسرائيلية، بالرغبة فى الثأر من «الإخوان».
ليست هذه اللحظة المناسبة للحساب. وليس لحساب العدو يكون الثأر، إن كان لابد منه.
•••
ومنذ زمن ليس بقليل، خسر العرب ما كان تبقى من أسباب تضامنهم فى مواجهة عدوهم المشترك، إسرائيل، وانقسموا معسكرات تقاتل بعضها بعضا، موفرين للعدو فرصة ذهبية لقتال كل دولة منهم على حدة وإلحاق الهزيمة بها، تمهيدا «للصلح» بشروطها القاسية.
صار العرب معسكرين، ثم ثلاثة معسكرات، فأربعة، فخمسة.. ثم انقسم كل معسكر على نفسه، قبل أن تشتعل نيران الحروب بين العرب والعرب، بينما الاحتلال الإسرائيلى يذوِّب فلسطين التى شرخت ثلاثة أجزاء: «الداخل أى أراضى 1948 التى ضمنها الإسرائيليون إلى كيانهم السياسى»، و«الضفة الغربية» التى تحولت منظمة التحرير الفلسطينية إلى «سلطة» فيها بعد اتفاق أوسلو، وقطاع غزة الذى انفصل عن «السلطة» ذات يوم، نتيجة الاختلاف بين حماس ومنظمة التحرير، وكان على وشك العودة أو فى الطريق إليها عشية الحرب الإسرائيلية الجديدة.. ولعل هذا بين أسباب الاستعجال الإسرائيلى لهذه الحرب.
من زمان، كان الحكام العرب كثيرا ما يختلفون فى ما بينهم، ولأسباب شتى فيها الشخصى وفيها السياسى، فيها المحلى، وفيها ما هو بإيعاز من الخارج ولحسابه، لكن الشعوب العربية ظلت، وإلى حد كبير، تتحصن بوحدة مشاعرها الوطنية والقومية، مبتعدة عن صراع الأنظمة، معززة وحدة موقفها بفلسطين، كل فلسطين، بغض النظر عن تشطيرها المفروض بالأمر.
أما اليوم فالأمر مختلف جدا، ذلك أن الأنظمة قد نجحت فى «تحريض» الشعوب العربية ضد فلسطين عموما، وضد غزة خصوصا، إما بسبب خلافاتها السياسية مع «السلطة»، أو بسبب صدامات بعضها مع تنظيم الإخوان المسلمين والذى بلغ ذروته فى ظل «الحرب» بينهم وبين النظام الجديد فى مصر، وحربهم على النظام فى سوريا، وعلى النظام فى العراق، وحول النظام فى ليبيا الخ..
•••
وها أن الحرب الإسرائيلية الرابعة أو الخامسة على الشعب الفلسطينى تدور رحاها تحت غطاء من الصمت العربى الرسمى شبه الكامل.. بل أن جهات عربية عديدة، رسمية وإعلامية تكاد تتبنى المنطق الإسرائيلى فى تبرير هذه الحرب، هذا إذا ما تجاهلنا نبرة «الشماتة» وسحب الموقف من حماس على الشعب الفلسطينى جميعا، والذى يتجاوز فى قسوته أحيانا مواقف جنرالات الحرب الإسرائيلية بالذات.
هذا لا يعنى تجاهل أو تناسى مواقف الإخوان المسلمين التى كثيرا ما جاءت متعارضة مع الوجهة العامة للرأى العام العربى بمختلف تلاوينه الفكرية والسياسية. ولقد بلغ هذا التعارض ذروته عندما أتيح للإخوان فى غفلة من قوى الميدان فى مصر أن يستولوا على السلطة فى القاهرة، وان يكشفوا عن برنامجهم المتناقض مع الإرادة الشعبية داخل مصر، كما فى سائر أنحاء الوطن العربي.
لقد كانت تلك سقطة خطيرة للإخوان المسلمين فضحت تلهفهم للاستيلاء على السلطة بأى ثمن، واندفاعهم إلى التحالف المخالف للطبيعة مع أنظمة غير عربية (تركيا) تربطها علاقة وثيقة تقارب التوحد فى الموقف مع إسرائيل.
لكن اللحظة غير مناسبة الآن للمحاسبة عما كان من مواقف قبل الحرب الإسرائيلية بنتائجها المدمرة.
والأمل فى القاهرة، بسلطتها الجديدة، أن تبقى المرجع والمعين والمرشد للمخطئ كما للمصيب من أهلها العرب، فى فلسطين وخارجها.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.