البورصات العربية تستقر في المنطقة الخضراء بنهاية تعاملات اليوم.. والبورصة المصرية تخالف الاتجاه    أردوغان يزور السعودية غدا للقاء ولي العهد لبحث الأوضاع في غزة والقضايا الإقليمية    محافظ شمال سيناء من معبر رفح: 1200 فلسطيني أنهوا علاجهم بالمستشفيات المصرية    مصابون باستهداف إسرائيلي لبيت عزاء وسط غزة    تقرير: اتحاد جدة يتوصل لاتفاق مع موناكو من أجل ضم مهاجمه الشاب    تشكيل النصر - غياب رونالدو أمام الرياض بعد غضبه من إدارة النادي    جوناثان الكاميروني ثاني صفقات كهرباء الإسماعيلية الشتوية    الزمالك يوضح حقيقة وجود لجنة الأموال العامة داخل النادي    الطب البيطري بجنوب سيناء: توفير ملاجئ آمنة للكلاب الضالة    رئيس الوزراء يتابع الموقف التنفيذي لمشروعات حماية الشواطئ    جامعة القاهرة تحصد الصدارة في المسابقات الرياضية والفنية والثقافية على مستوى الجامعات    قرار جمهوري بتعيين الدكتورة منال فريد عميدًا لكلية التمريض بجامعة المنوفية    عاجل- الأرصاد تحذر: رياح محملة بالأتربة تضرب القاهرة والمحافظات وتحجب الرؤية طوال اليوم    الإعدام شنقًا لربة منزل قتلت زوجها وأطفاله الستة في دلجا بعد تصديق المفتي    محافظ كفرالشيخ يتقدم الجنازة العسكرية لشهيد الواجب النقيب «عمر معاني» معاون مباحث مركز شرطة الحامول| صور    كيفية إحياء ليلة النصف من شعبان    العلاج مجانًا.. طب الإسكندرية توقع الكشف على 725 حالة وتحول الحالات الحرجة لمستشفى الجامعة ضمن قافلة طبية بالعامرية    رقابة أبوية وتصنيف عمري، تشريع حكومي جديد لحماية الأطفال من محتوى السوشيال ميديا    محافظ أسيوط يطلق المرحلة الثانية من مبادرة "وحشتنا أخلاقنا"    مفوضة الاتحاد الأوروبي: أوكرانيا مستعدة لتقديم تنازلات صعبة    القاهرة الإخبارية: السوداني يبحث الاستحقاقات الدستورية مع رئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني    رئيسة القومي للطفولة تشارك في جلسة حوارية بعنوان "حماية المرأة والفتاة من كافة أشكال العنف"    الهاتف يهدد الأطفال «8 - 10».. هل يمكن تقنين استخدام الصغار للأجهزة اللوحية؟    محمد حسن يكتب: وزارة الثقافة تعاني من غياب الرؤية وتجاهل المبدعين.. تحولت إلى عبء إداري لا مشروع تنويري.. وزير بلا استراتيجية ومؤسسات بلا روح    قبل عرض مسلسل مناعة.. كندة علوش تدعم هند صبرى فى سباق رمضان 2026    مديرية التضامن الاجتماعي بالقليوبية تعقد اجتماعا لاختيار الأم المثالية    المنتجة ماريان خوري تستقيل من مهرجان الجونة.. لهذا السبب    شريف مصطفى يفتتح معسكر التضامن الأوليمبي الدولي للكونغ فو استعداداً لأولمبياد الشباب    محمود عاشور يشارك في معسكر حكام الفيديو المرشحين لكأس العالم    وزارة الزراعة تطرح كرتونة البيض ب 110 جنيهات بمعرض المتحف الزراعى بالدقى    علاء عز: تفعيل التعاون بين الغرف التجارية المصرية والتركية لإنشاء مناطق صناعية تركية    رئيس مجلس الشيوخ يهنئ رئيس الجمهورية بليلة النصف من شعبان    ب 15 مليون جنيه.. محافظ المنوفية يتفقد إنشاءات مدرسة مصطفى الربيعي الإعدادية بشبرا زنجي لتقليل الكثافة الطلابية    متفقهون في الدين.. المتسابقون ببورسعيد الدولية يتنافسون في فرع الحافظ المتفقه ولجان التحكيم تشيد بالمستوى    التخطيط تُطلق تقريرها السنوي لعام 2025 بعنوان "النمو والتشغيل والقدرة على الصمود.. تهيئة الاقتصاد المصري للمستقبل"    وزير المالية ومركز المعلومات يكرمان صاحب المبادرة المجتمعية الأعلى تقييمًا في «الإصلاح الضريبى»    الرقابة المالية ترفع الحد الأقصى لتمويل المشروعات متناهية الصغر إلى 292 ألف جنيه    «إكسترا نيوز» ترصد حجم الإقبال اليوم على معرض القاهرة الدولي للكتاب بمركز مصر للمعارض الدولية    وزير الثقافة ينعى الفنان التشكيلي حسام صقر    إصابة 23 عاملاً في انقلاب «ربع نقل» على طريق الإسماعيلية الصحراوي    حالة الطقس.. أتربة عالقة وأجواء مغبرة تغطى سماء القاهرة الكبرى والمحافظات    4397 مستوطنا يقتحمون باحات الأقصى خلال يناير 2026    بالورود ومساعدة كبار السن.. لقطات إنسانية من الهلال الأحمر مع الفلسطينيين.. صور    قوائم طويلة من الفلسطينيين تنتظر العبور عبر معبر رفح إلى مصر لتلقي العلاج    صوم يونان.. دعوة للقلب    فضل شهر شعبان.. دار الافتاء توضح فضل الصيام فى شهر شعبان    مواقيت الصلاه اليوم الإثنين 2فبراير 2026 فى المنيا.... اعرف مواعيد صلاتك بدقه    أسعار الدواجن البيضاء والبلدى بالأسواق والمحلات فى الأقصر اليوم الإثنين    تسليم نظارات طبية لأكثر من 5000 تلميذ بالمرحلة الابتدائية ضمن مبادرة «عيون أطفالنا مستقبلنا» في بني سويف    عمر كمال: رفضت 30 مليون جنيه من بيراميدز وهذا سبب رحيلي عن الأهلي    محافظ الأقصر يحضر احتفال العائلة الحجاجية بالليلة الختامية لمولد أبو الحجاج    حياة كريمة.. صحة دمياط تستهل فبراير بقافلة شاملة تخدم 1217 مواطنا بفارسكور    وزير الصحة: تفعيل الخطة القومية للخدمات الصحية الطارئة ورفع درجة الاستعداد بالتزامن مع فتح معبر رفح    لتجنب اضطرابات الهضم، طرق تهيئة المعدة لصيام رمضان    إبراهيم صلاح: فوز الزمالك على المصري مهم ويعكس جاهزية اللاعبين الشباب    جرامي ال68.. «الخطاة» يستحوذ على جائزة أفضل ألبوم موسيقي تصويري لأعمال مرئية    الجيش الإسرائيلي يعلن اغتيال رئيس قسم بدائرة الهندسة في حزب الله    دار الإفتاء: صيام يوم النصف من شعبان من جملة الأيام البِيض من كل شهر    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الميليشيات الإسلامية فى أسيوط.. آخر منتجات الوهم
نشر في الشروق الجديد يوم 19 - 03 - 2013

فى مسجد «السوق» بمدينة أبنوب على مسافة 14 كيلومترا من مدينة أسيوط، كان ميعاد الدرس الأسبوعى للشيخ حمادة نصار عضو الجماعة الإسلامية الذى جلس أمام المحراب وأمامه نصف دائرة من أعضاء الجماعة بالمحافظة فى درسه الأسبوعى بالمسجد، مختتما حديثه معهم بانتقاد ما صاغه الاعلام عن «ميليشيا الجماعة الاسلامية « قائلا: «اتهمونا بأننا نعد شرطة إسلامية لاحتلال المدينة، واستندوا لبعض الحوادث كى يزيدوا من مساحة الانقسام فى المجتمع، هل هذا معقول؟ تسجيلات الفيديو التى أذيعت فى كل مكان كانت مجرد مسيرة لتطمين الشارع، وقد تم تصويرها على غير حقيقتها». القصة لم تبدأ هنا فى أبنوب، بل بدأت من مدينة أسيوط عاصمة المحافظة، وتحديدا فى مسجد أبو بكر الصديق الشهير، أهم مراكز تجمع الجماعة الاسلامية فى المحافظة، حين بادرت الجماعة فى بيان لها إلى تكوين لجان شعبية لسد الفراغ الأمنى الذى نتج عن إضراب الشرطة فى أقسام ومراكز المحافظة، ولم يطف ببال أحد وقتها أن تدور كرة الثلج ويتفجر الموقف تماما بعد انطلاق مسيرة فى شوارع أسيوط، تضم أبناء الجماعة وهم يرتدون قمصان اللجان الشعبية، فوق جلاليبهم البيضاء. هذا المشهد تحديدا قد تكرر عرضه على الانترنت وفى بعض الوسائل الاعلامية على أنها ميليشيات منظمة انطلقت لترهب المواطنين، وتحل محل الشرطة، وبدا الموقف خارج السيطرة مع استخدام بعض الحوادث التى تبعت هذه المبادرة كوسيلة للطعن فى أهداف الجماعة الاسلامية، هذا ما كان يوضحه الشيخ حمادة نصار فى جلسته ضاربا المثل بحادثة الاشتباه فى أحد الشباب وهو يعتدى على فتاة فى المدينة، فتم التحفظ عليه، وتبين فيما بعد أنه مسيحى الديانة، وحسب تعبير الشيخ حمادة نصار فلقد تم الاتصال بالشرطة كإجراء عادى، فما كان منها إلا أن تلكأت ووصلت لاستلام الشاب «عن طريق رأس الرجاء الصالح». أما ما زاد من حدة الأمور، هو نبرة التعنيف التى ظهرت فى تصريحات قيادات الداخلية ضد اللجان الشعبية واعتبارها محاولات لاختطاف دور الشرطة، بل انعكست نبرة الغضب على تصريحات ائتلافات أمناء وأفراد الشرطة الذين قاموا بالإضراب الأخير، وانتقل ذلك إلى صفحاتهم على الانترنت، إحدى تلك الصفحات تحت اسم «الائتلاف الرسمى لأمناء وأفراد الشرطة» كتب مديرها ما وصفه بالبيان ضد الجماعة الاسلامية، وذكر قائلا: «نتحدث لكل سفيه يتصور أنه بديل للأمن، بدلاً من أن تقحم نفسك فيما لا يعنيك، حتى لا تسمع ما لا يرضيك، عليك أن تتحلى بضبط النفس، وأن تقوم بعملك فقط وبذلك سينصلح الحال».

لم يكن هناك حضور حقيقى لأفراد الجماعة الاسلامية فى الشارع الأسيوطى فى تلك الفترة، عدا ما قام به أفرادها من مسيرة فى شوارع أسيوط لبث الطمأنينة فى النفوس على حد قولهم، بعد تلك الحادثة، بدت الأمور فى أوضاعها الطبيعية، إلا أن الصخب الاعلامى الذى صاحب هذه المبادرة قد صوّر المشهد وكأن أسيوط قد سقطت فى قبضة الجماعة الاسلامية، على عكس حالة الشارع فى أسيوط، المزدحم بالسيارات وحركة البيع والشراء، ودوريات الشرطة فى حضورها التقليدى بعد فض الاضراب مباشرة، وكأن شيئا لم يكن، مع استمرار الذعر الاعلامى من «الميليشيات الاسلامية».

مسيرة العيد

فى الطريق إلى مدينة أبنوب، ينصب الحديث بين ركاب الميكروباص على حوادث السرقة والخطف التى تقع للمواطنين، منتقدين أداء الشرطة فى التواجد حول أماكن لا تفتقد الأمن، بينما يغيب الحديث تماما عن «ميليشات الجماعة الاسلامية»، ويبدو استخدام هذا اللفظ مضحكا لدى كثيرين فى الشارع الأسيوطى. أما الجماعة الاسلامية نفسها فقد أصدرت قياداتها بيانات وتصريحات تنفى حدوث أى محاولات لاحتكار الدور الأمنى فى المدينة، بل دعت القيادات نفسها القوى السياسية المختلفة إلى الانضمام إلى تلك اللجان الشعبية، حتى تكون معاونة للأمن، عدا ذلك، لم يكن هناك أى نشاط حقيقى لتلك اللجان سوى المسيرة الشهيرة التى لم تكن غريبة على أهالى مدينة أسيوط، ففى بعض المناسبات، مثل العيدين أو الحشد للتصويت بنعم، أو تأييد الرئيس مرسى كانت هناك مسيرات شبيهة، بالموتوسيكلات، مع الخيول أحيانا.

« مافيش حاجة، السنية خرجوا فى مسيرة، ولفوا شوية فى الشوارع، وخلاص على كده». مجرد تعليق مقتضب من أحد أصحاب المحال المجاورة لمسجد أبو بكر الصديق فى مدينة أسيوط، حيث تبدو الشوارع هادئة فى هذه الناحية، ولا يخلو الأمر من مرور دوريات الشرطة كل حين، ما يقلق البعض هنا فى هذه الناحية هو حسابات أخرى، كأن يحدث صدام لأى سبب، سواء بين الأمن والجماعة الاسلامية، أو لأسباب طائفية، وأن يتفجر الموقف فى لحظات، فما زال كبار المدينة يتذكرون ما كان قبل أكثر من ثلاثين سنة حين شهدت أسيوط صدامات وسقوط قتلى من الشرطة فى أعقاب مقتل السادات عام 1981، حين هاجم أفراد الجماعة الاسلامية مديرية أمن أسيوط. وعلى مدار فترة الثمانينيات والتسعينيات، كانت المدينة محكومة بالقبضة الحديدية الأمنية، حتى أصبح العمل فى أسيوط أمرا ضروريا فى السجل الوظيفى لأى وزير داخلية، بسبب ما كان من مشاحنات ضد أبناء الجماعة الاسلامية، حتى انتهت تلك الأوضاع تماما، وشهدت السنوات الماضية تنسيقا دائما وتعاونا بين أبناء الجماعة والشرطة.

لجان شعبية للأنابيب

كان لا بد من العودة إلى مدينة أبنوب لمعرفة حقيقة «الميليشيات المزعومة»، أو «اللجان الشعبية» حسب وصف الجماعة الاسلامية. بعد انتهائه من درسه الأسبوعى فى مسجد السوق بأبنوب، بدأ الشيخ حمادة نصار المتحدث الرسمى للجماعة الاسلامية فى أسيوط فى شرح بداية الأزمة، قائلا: «نحن لنا باع طويل فى إدارة اللجان الشعبية منذ بداية الثورة، يكفى أن أذكر أن هناك أخا لنا قد قتل وآخر قد فقئت عينه أثناء عملنا فى اللجان الشعبية لتنظيم توزيع أنابيب البوتاجاز، ولعل الجميع يتذكر كيف شكرتنا قيادات وزارة الداخلية بسبب موقفنا فى العام 2011 حين وقفنا نحمى مديرية أمن اسيوط حتى لا يهاجمها المتظاهرون.. كل هذا تم نسيانه فجأة، وأصبحنا فى أيام نسعى لإقامة شرطة بديلة !».

فى الطرف الآخر، كان هناك من أبناء القوى السياسية فى أسيوط من يراقبون هذا الموقف باهتمام، خاصة نشطاء اتحاد شباب الثورة بأسيوط، إذ إنهم خاضوا من قبل تجربة إقامة «اللجان الشعبية» بعد قيام الثورة، وكانوا يدخلون أحيانا فى شراكة مع أبناء الجماعة الاسلامية فى إدارة هذه اللجان، باعتبارهم فصيلا سياسيا من أبناء المجتمع الأسيوطى. ثلاثة من اتحاد شباب الثورة هم «إسلام خشبة، عقيل اسماعيل، محمود النفادى» أبدوا عدم اهتمامهم بالضجة التى أثيرت إعلاميا وسياسيا حول «الميليشيات الاسلامية»، جلسوا حول طاولة فى أحد المقاهى الشهيرة، شارحين فكرة اللجان الشعبية بشكل عام. بدأ إسلام خشبة قائلا: «اللجان الشعبية هدفها الأساسى هو العمل الخدمى، وأحيانا ما تتخذ طابعا أمنيا، نحن قمنا بذلك فى يوليو 2011، حين أقمنا حواجز بشرية أمام مديرية الأمن خشية اقتحامها من الشباب الغاضب فى ذلك الوقت، ونحن الثلاثة ننتمى إلى حزب الوفد.. ورغم هذه التجربة، إلا أننا لم نطالب فى أى وقت بأن نكون بديلا عن الشرطة أو أن نستغل موقف إضراب رجال الشرطة بهذا الشكل، مثلما فعلت الجماعة الاسلامية».

ينهى اسلام خشبة حديثه كى يستلم زميله عقيل اسماعيل طرف الحديث بعد أن اجتهد فى الفترة الماضية بحثا عن لجان أمن الجماعة الاسلامية فى شوارع أسيوط، إذ أفزعته الضجة الاعلامية، بينما لم يجد لها صدى على أرض الواقع. إذاً.. ما الهدف من مبادرة اللجان الشعبية للجماعة الاسلامية ؟ يعلق عقيل قائلا: «ببساطة أصبحت هناك مناطق نفوذ للكيانات السياسية الكبرى، بحيث أصبحت القاهرة والاسكندرية للكيانات الثورية، ومدن القناة فى يد القوات المسلحة، ومحافظات أخرى مع الاخوان المسلمين، وهكذا.. فعلى ما يبدو أن الجماعة الاسلامية بدأت استعراضا للقوة مستغلة غياب الأمن، كى تعيد ذكرى الخوف إلى نفوس المواطنين، حين كانت الجماعة اسما يسبب القلق للجميع خلال فترة ارهاب الثمانينيات والتسعينيات».

كان هذا السيناريو قد نفاه المتحدث الرسمى للجماعة، مستندا فى ذلك إلى أن الجماعة الاسلامية لو أرادت استعراضا حقيقيا للقوة لكانت نفذت الفكرة نفسها فى المنيا وسوهاج حيث هناك حضور قوى لأفرادها، وكانت قد صنعت سمعة جيدة فى جنوب الصعيد. هل هى لعبة استعراضية تفيد رصيد الجماعة الاسلامية فى حالة انعقاد انتخابات مجلس الشعب فى الفترة المقبلة؟ يجيب محمود النفادى ثالث شباب اتحاد شباب الثورة فى أسيوط قائلا إنها مغامرة لن تفيد، حتى إن كان قد تبناها أى تيار سياسى آخر، شارحا طبيعة المجتمع فى أسيوط، إذ ينتمى محمود النفادى عائليا إلى مركز البدارى أحد معاقل القبلية وانتشار السلاح، ويقول: «دعنا نلاحظ أن الفترة الماضية قد شهدت قطعا للطرق بسبب أزمة السولار، وازداد كم الحوادث الثأرية، ولأننا هنا نتحدث عن مجتمع ذى طبيعة قبلية، فمن الصعب على أى أحد أن يراهن على السيطرة على هذا المجتمع، فهى مهمة أخفقت فيها وزارة الداخلية أمام مناطق مليئة بالأسلحة والتكتلات العائلية».

سلم سلاحك!

على النمط نفسه تبنى اتحاد شباب الثورة فى فترة سابقة مبادرة «سلم سلاحك» فى مركز البدارى بالتنسيق مع وزارة الداخلية المصرية، لكن ما زالت المشكلة قائمة. «لو اعتقدت الجماعة الاسلامية، أن لديها قدرة للقيام بدور الأمن، فهذا أشبه بانتحار كامل، ولا أعتقد أنهم يفكرون بهذا المنطق الساذج»، حسبما يقول عقيل اسماعيل، عضو اتحاد شباب الثورة فى أسيوط.

على أرض الواقع، فإن العلاقات بين الجماعة الاسلامية ووزارة الداخلية تحمل شكلا من الشراكة فى كثير من الأوقات، أحد أبرز ملامح تلك الشراكة فى لجنة المصالحات التى تتم تحت أعين الشرطة، سواء قبل الثورة أو بعدها، لذا كان لا بد من العودة مرة أخرى إلى أبنوب، حيث الشيخ حمادة نصار المتحدث الرسمى للجماعة الاسلامية فى أسيوط وسط مدينة تعانى من أزمة فى السولار وتوفير رغيف الخبز. «البعض لا يدرك كيف كنا ننسق بشكل جيد مع وزارة الداخلية، سأذكر موقفا يوضح ذلك، وقد حدث هنا فى أبنوب، حين جاء اللواء محمد إبراهيم مدير أمن أسيوط وزير الداخلية الحالى لإزالة إشغالات من السوق، وطلب منا التواجد إلى جواره كى نعطى غطاء شعبيا لهذا الموقف، وقبلنا ذلك، وساندناه من أجل الحفاظ على النظام، رغم ما سببه هذا الموقف فيما بعد من مشاكل مع أهلنا هنا فى المدينة، كذلك لا أدرى لماذا لم يتذكر أحد مبادرتنا فى سد الفراغ الذى تركه عمال النظافة حين أضربوا فى فترة سابقة ؟ هذا هو منطقنا».

هل كان بالإمكان أن تتفكك العلاقات بين وزارة الداخلية والجماعة الاسلامية بهذه السهولة، وتعادى الجماعة الجهاز الأمنى فى أيام..؟ ينضم إلى الجلسة الشيخ محمود الضامر الرجل الثانى فى الجماعة الاسلامية بأسيوط حسبما قدمه الشيخ حمادة نصار.. وشرح كلاهما سبب طرح مبادرة اللجان الشعبية لمعاونة وزارة الداخلية، بحسب عبارتهما، فإن «الحفاظ على الأمن من أهم القضايا التى تشغل بال الجماعة طول الوقت». وذلك لسبب أكدا عليه، إذ كان هناك تخوف من أن تقع أى حادثة طائفية فى فترة إضراب الشرطة، ويتم إلصاق التهمة بأبناء الجماعة، وسط كل هذا الغموض تتصاغر فكرة الميليشيات تماما، بحيث تصبح وهمًا لا وجود له، ولم يعد هناك سوى سيناريو أخير حول ذلك الصخب الذى دار مؤخرا وانتهى بزيارة وفد من الجماعة الاسلامية لمدير أمن أسيوط اللواء أبو القاسم أبو ضيف، بهدف تصفية النفوس بين الطرفين، وتقديم توضيح للداخلية أن الجماعة لا تسعى للحلول محلها. ما زال هناك سيناريو أخير أدركه الشيخ حمادة نصار، وذكره ضاحكا : «أعلم ما قد يفكر فيه البعض فى أن نزول لجاننا الشعبية كان لعبة تهدف إلى إنهاء اضراب الشرطة، وإجبارها على العودة تحت ضغط فزاعة الميليشيات». يصمت قليلا، ثم يضيف: «كان نزولنا عن قناعة خاصة، نحن قضيتنا الحفاظ على الأمن، وأريد أن أؤكد بعد حالة الفزع التى أصابت الكثيرين.. انتهى زمن حمل السلاح فى وجه الدولة، لم يعد هذا محل حديث الآن».


اللجان الشعبية.. جدل متكرر

لم يكن حزب التنمية والبناء الواجهة السياسية للجماعة الاسلامية هو الأول فى طرح فكرة تقنين «اللجان الشعبية»، إذ تكشف صفحة الجهاز الاعلامى لوزارة الداخلية عن مبادرة تعود إلى الأشهر الأولى من الثورة تبناها النقيب مصطفى عبدالفتاح الضابط بقوات الأمن المركزى، حين طرح تصورا تحت عنوان : اللجان الشعبية وكيفية عملها، واصفا اللجان الشعبية فى تعريف مختصر بأنها: مجموعة من التشكيلات ذات الطابع شبه العسكرى، إذ يلجأ فيها الفرد للسعى إلى فرض النظام والأمن فى المنطقة، مع عدم الإخلال بحقوق المواطن المصرى. ويلخص خطة عملها فى عدة نقاط على رأسها معاونة رجال الأمن والمرور، وإخطار جهاز الشرطة بحدوث جرائم تقع فى دائرة عمل اللجنة الشعبية.

وحسبما يستكمل النقيب مصطفى عبدالفتاح على صفحة الفيس بوك، تتسع دائرة عمل هذه اللجان لتقوم بتنظيم أماكن الازدحام، مثل المباريات والاختناقات المرورية، على أن يكون سن المتطوع بين 20-40 سنة. وتختلف هذه الرؤية عن المبادرة الأخيرة التى قدمها حزب البناء والتنمية التى اقترحت أن تكون اللجان الشعبية جهازا معاونا للشرطة وتابعا لمؤسسة الرئاسة، إذ تنوى الجماعة الاسلامية عبر واجهتها السياسية (الممثلة فى حزب البناء والتنمية) أن تتقدم بمشروع قانون لمجلس الشورى، يقنن أوضاع اللجان الشعبية التى ما زال بعضها يعمل حاليا بإيقاع أبطأ عن ذى قبل. أما المبادرة التى كان قد اقترحها النقيب مصطفى عبدالفتاح قبل عامين من الآن، فكانت تضع تصورا يعتمد كليا على وزارة الداخلية فى إصدار كارنيهات لهذه اللجان لضمان سلامة المتطوعين فيها، وأن يحصل هؤلاء الشباب على تدريب لمدة أسبوع فى كلية الشرطة يؤهلهم للقيام بواجبهم.


ثلاثة مشاهد يومية

السولار

«بقى لنا أسبوع مش عارفين نشتغل..!» لخصت الجملة حالة سائق الميكروباص المتجه إلى أسيوط من موقف رمسيس، بسبب أزمة السولار التى تفجرت مؤخرا، ورغم ذلك فقد اختار الكثير من المسافرين الابتعاد عن استقلال القطار، واستخدموا الميكروباصات وأتوبيسات النقل، خشية أن يتم قطع السكة الحديد فى أى وقت من الأهالى المحتجين على تلك الأزمة، خاصة وأن الأزمة لم تقتصر على نقص تموين سيارات الأجرة، بل انعكست أيضا على عمل المخابز، وتحكمت السوق السوداء فى حركة البيع.

الفقر

فى مواجهة مسجد أبوبكر الصديق التابع للجمعية الشرعية بمدينة أسيوط، سرادق لبيع اللحوم بأسعار مخفضة للمواطنين، وفى لوحة الاعلانات الملحقة بالمسجد إعلانات للوظائف، وطلب تعيين موظفين ضمن النشاط الخدمى الذى تقوم به إدارة المسجد الذى يستضيف لقاءات أبناء الجماعة الاسلامية بالمحافظة. تبدو مثل هذه المشاهد نجدة للبعض فى محافظة تقع على رأس قائمة المحافظات الأكثر فقرا، فبحسب أرقام الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء للعام 2011، فإن نسبة 69.3 % من سكان أسيوط يقعون تحت خط الفقر القومى، وتمثل نسبة البطالة 10.6 % من إجمالى قوة العمل بالمحافظة.

الجدران

فى عدد من شوارع المدينة يظهر شعار حزب البناء والتنمية على الجدران، ولا ينافسه فى احتكار الجدران سوى رسومات وشعارات ثورية لحركة 6 أبريل، وبعض المجموعات الثورية الأخرى. وعلى عكس حالة الصخب التى تظهر على جدران مدينتى القاهرة والاسكندرية عن فاعليات ومظاهرات متتالية، تبقى آخر محاولات الحشد الثورى التى ما زالت متواجدة بكثافة على جدران وسط المدينة، تحمل ذكرى 25 يناير الماضى. وعلى استحياء تظهر شعارات الألتراس فى بعض شوارع المدينة، بشكل أكثر تحفظا عن مثيلتها فى العاصمة.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.