نائب محافظ الدقهلية يترأس اجتماعا لمركز معلومات شبكات المرافق بالمحافظة    محافظ المنيا يهنئ البابا تواضروس الثاني بعيد القيامة المجيد    ضياء رشوان: دعوة وزراء الإعلام العرب لاجتماع لإقرار خطة لمواجهة الأزمات الإعلامية التي تواجه الدول العربية    جامعة المنصورة تُكرّم د. محمد عبد العظيم بمناسبة رئاسته «الأهلية»    تراجع سعر الريال السعودي في ختام تعاملات اليوم 9 إبريل 2026    أرتفاع ملحوظ فى أسعار الحديد وتراجع طفيف فى الأسمنت اليوم الخميس 9 أبريل 2026    10 آلاف ميجاوات من الشمس.. مشروع وطنى بلا أعباء على الدولة    تفاصيل تأسيس صندوق استثمار فى أفريقيا لزيادة التعاون التجاري والصادرات    قصف لبنان يهدد بانهيار وقف إطلاق النار بين واشنطن وإيران    عشرات الدول تدين الهجمات على قوات "اليونيفيل" في لبنان    المنظمة العربية لحقوق الانسان تطالب المجتمع الدولي بوقف جرائم الاحتلال    ألمانيا تعلن استئناف المفاوضات مع طهران بالتنسيق الكامل مع واشنطن    ريال مدريد يخطط للتعاقد مع لويس إنريكي    رئيس الوزراء: تعليق العمليات العسكرية بين إيران وأمريكا خطوة في الاتجاه الإيجابي    هشام نصر يزور سفير مصر بالجزائر ويهديه درع الزمالك قبل مواجهة شباب بلوزداد    تشكيل بتروجت لمواجهة زد في مجموعة الهبوط بالدوري    3 حكام من الإمارات يشاركون في كأس العالم 2026    طوارئ بالقطاع الصحي في شمال سيناء لتأمين احتفالات شم النسيم وعيد القيامة    ضبط مالك مخزن بأسوان لتجميع السولار وبيعه في السوق السوداء    استغل الجيرة وكرة القدم.. إحالة أوراق متهم بالتعدي على طفل في الإسكندرية للمفتي    الإعلاميين: منع علا شوشة من الظهور 15 يومًا بسبب مخالفة الميثاق المهني    مسلم يطرح أغنية "لم ينجح أحد إلا أنا" من فيلم برشامة (فيديو)    عبدالعزيز عبدالفتاح رئيسًا لقطاع القنوات الإقليمية بماسبيرو    النوم عن صلاة الفجر: هل تجوز قضاؤها بعد شروق الشمس؟    نقيب الأطباء: التنسيق بين المستشفيات مفتاح إنقاذ مرضى السكتة الدماغية    رئيس الوزراء : السلام خيار الجميع في الشرق الأوسط    عاجل تعطيل العمل بالبنوك يومي 12 و13 أبريل بمناسبة عيد القيامة وشم النسيم    بعد 60 يوم في وزارة الرياضة.. جوهر نبيل لم يلتق رئيس اللجنة الاولمبية    "المسرح المصري" يشارك فى فعاليات المهرجان الدولى بقرطاج بمسرحية "الست"    غداً .. السيناريست محمود حمدان يتلقى العزاء في والده بالحامدية الشاذلية    ضبط محطات وقود لتصرفها في 84 ألف لتر مواد بترولية بالبحيرة    وكيل أوقاف أسيوط يترأس لجنة التصفيات الأولية من المسابقة العالمية للقرآن الكريم    حريق يلتهم سيارة ملاكي في قنا| صور    صالون نفرتيتى يستعيد نكهة الهوية المصرية بالبصارة والعدس والرنجة والكحك    «تموين البحيرة» يضبط 38 ألف لتر وقود و293 أسطوانة غاز قبل بيعها بالسوق السوداء    طاقم حكام سعودي في مونديال 2026    الأنبا يواقيم يترأس قداس خميس العهد بدير الأنبا متاؤس الفاخوري في إسنا    تحرك حكومي جديد لدعم التوظيف، تشكيل لجنة دائمة لتنفيذ الاستراتيجية الوطنية للتشغيل    وزيرة الإسكان تبحث مع «أكوا باور» السعودية توطين صناعة محطات تحلية مياه البحر    سعيد خطيبي ل «البوابة نيوز»: أنا مدين للأدب المصري بالدرجة الأولى وجائزة «البوكر» احتفاء بجيل يبحث عن الجمال والصدق    ممثل الاتحاد الأوروبى لعملية السلام يؤكد من القاهرة دعم المرحلة الثانية لاتفاق غزة    إحالة إدارة مدرستين بالمنيا للتحقيق    الطقس غدا.. استمرار ارتفاع الحرارة وشبورة صباحا والعظمى بالقاهرة 27 درجة    الصحة توقع بروتوكول تعاون مع وزارة الأوقاف لتعزيز التوعية الصحية عبر منابر المساجد    3 مصريات في نصف نهائي بطولة الجونة الدولية للإسكواش    البيت الفني للمسرح يطلق برنامجا متنوعا لعروضه بشم النسيم وعيد القيامة.. الملك لير الأبرز    الصحة تستعد لإطلاق تطبيق ذكي لتعزيز الوعي المجتمعي    ما حكم استبدال الإطعام بالقيمة فى فدية الحج؟ دار الإفتاء تجيب    موعد وقفة عرفات وعيد الأضحى 2026 فى مصر فلكيًا    وزارة التضامن: التنسيق مع الأزهر والأوقاف ودار الإفتاء لتقديم خدمة الوعظ للحجاج    إنزاجي: سداسية الخلود خطوة مهمة.. وتركيزنا يتجه نحو التحدي الآسيوي    وزير الصحة يبحث تعزيز التعاون الطبى مع مستشفى «أدولف دى روتشيلد» بفرنسا    انطلاق تصفيات مسابقة «الأزهرى الصغير» بمنطقة سوهاج الأزهرية    الجريدة الرسمية تنشر موافقة الرئيس السيسي على اتفاق تمويلي بين مصر والاتحاد الأوروبي    مصر تدرب كوادر من 15 دولة أفريقية في الطاقة والاتصالات لأول مرة داخل الإنتاج الحربي    رئيس جامعة بنها يستعرض جهود منظومة الشكاوى الحكومية    4 صدامات نارية تشعل الجولة الثالثة في مجموعة البقاء بدوري نايل    الصحة تكثف جهودها مع منظمة الصحة العالمية لصياغة الاستراتيجية الوطنية للحروق وتطوير 53 مركزا    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



مراد وهبة: الديمقراطية الإلكترونية قادرة على كنس المحرمات الثقافية
نشر في الشروق الجديد يوم 25 - 03 - 2011

تجاهل من يختلف معك، إذا كان قوى الحجة».. مقولة خطيرة فى التراث العربى، يتم تطبيقها باتقان مع الدكتور مراد وهبة الفيلسوف، الذى دخل قائمة موسوعة الشخصيات العالمية، حيث يعتبر وهبة من بين ال500 شخصية الأكثر شهرة فى العالم. الشهرة هنا تعنى التأثير. لكن الواقع المصرى يعمل عكس ذلك، فمراد وهبه مستبعد بامتياز، مثل كل القامات الفكرية الجادة، بحجة أنه يحمل أفكارًا خطرة على المجتمع المصرى. هذه الأفكار الخطرة، تزعج الناس، بمن فيهم بعض المثقفين، الذين وصفهم وهبة بأنهم أكبر طائفة خائنة فى المجتمع. سبب الانزعاج من وهبة، ربما يأتى من أفكاره الجذرية، التى لا تقبل المساومة. لكن أغرب ما سمعته أن وهبة أفسد الفلسفة.
فى 17 نوفمبر 1997 كان من المقرر أن تعقد مكتبة مصر الجديدة، ندوة فكرية يلقيها الدكتور مراد وهبة عن الإبداع فى التعليم، وأشياء أخرى كثيرة يدعو إليها وهبة كالعلمانية والتنوير، وهذه الأشياء من شأنها، أن تحكم بالضرورة، إلى تغيير فكر المجتمع، تغييرا جذريا، ومن ثم تهدد عرش النظام.
سوزان مبارك، كانت وقتها، مسئولة عن تنمية خدمات حى مصر الجديدة، وبالتالى كانت تشرف على هذه المكتبة. قبل عقد الندوة، جاء قرار سيادى بمنع عقدها، فقرر رئيس المكتبة، طارق حجى، تقديم استقالته احتجاجا على المنع الذى جاء؛ لأن وهبة: «لديه أفكار خطرة». لذلك كان لاستبعاد وهبة من الالتحام بالشارع، شقين. الأول من جماعة المثقفين، والثانى من بعض رموز النظام السابق، فضلا عن التيار الأصولى.
فى بداية ثورة 25 يناير، اتصلت بالدكتور مراد وهبة لكى أعرف رأيه فيما يحدث، وجدته متحفظا قليلا. وقرأت له مقالا بالمصرى اليوم عن التعصب من السويس إلى الإسكندرية، يتحدث فيه عن حرق كنيسة، وحرق مصر بأكملها. ثم هاتفته بعد تنحى الرئيس السابق، فوجدته متخوفا من إحباط الثورة، المعنية بالطبع بنسف الوضع القائم، وخلق وضع قادم.
●سألته من بداية الثورة، كان للدكتور مراد وهبة رؤية تشاؤمية مما كان يحدث فى الشارع. وبدا عليك التحفظ من ثورة الشباب التى أطاحت بنظام الرئيس حسنى مبارك.. لماذا؟
تحفظى على الثورة كان يتمثل فى نقص «الرؤية المستقبلية» للثوار. ولدىّ مصطلحان، هما «الوضع القادم»، و«الوضع القائم».
الوضع القادم يمثل ما يمكن تسميته بالرؤية المستقبلية، هذا الوضع يتكون، فى البداية، بوجود أزمة فى الوضع القائم. وطبعا الأزمة فى الوضع القائم بالنسبة للشباب كان واضحا. النظام يقول إنه مهتم بالشباب، وبتطلعات الشباب، وفى الوقت نفسه الشباب محبط ومبتئس. هم عاطلون، صعب أن يجد واحدا منهم مسكنا، وبالتالى من الصعب أن يتزوج، وهذه أزمة.
أزمة أخرى، أن النظام كان يشكو من انفجار السكان، ويعتبر أن هذا الانفجار السكانى معوقا للتنمية، ومع ذلك لا يبتكر وسائل للحد من هذا الانفجار. وبالتالى كان النظام مجرد «راصد» لهذا الانفجار السكانى، وتجاهل كيف يتعامل مع هذه الظاهرة بطريقة عصرية، بطريقة تنويرية. أقصد بذلك تنوير رجل الشارع.
وهنا دخل النظام فى أزمة أخرى، أظن أنه لم يكن على وعى بها، وهى أن رجل الشارع المتسبب فى الانفجار السكانى، اقتنصته الأصوليات الدينية ومنعته من التفكير العقلانى، وأدخلته فى أوهام.
وكان على النظام، إذا كان يريد الخروج من الأزمة، أن يكرس البرامج الفضائية لتنوير رجل الشارع. والمأساة هنا أنه قام بعكس ذلك. وهنا أذكر ظاهرة مهمة حدثت فى عام 1982 عندما عقدت مؤتمرا دوليا فلسفيا عنوانه «الفلسفة ورجل الشارع». وقد تحمس الفلاسفة فى مختلف القارات للمشاركة فى هذا المؤتمر، لأنه كان الأول فى مجاله فلسفيا.
●وماذا حدث فى هذا المؤتمر؟
شنت علىّ جريدة الأهرام حملة استغرقت أكثر من شهر للهجوم علىّ، بدعوى أننى أريد تدمير تراث المجتمع، وهوية المجتمع إلى الحد الذى فيه، كتب زكى نجيب محمود صفحة بالأهرام، لكى يدلل على أننى ذبحت الفلسفة فى ذلك المؤتمر، فى حين أننى كنت أتصور فى عقد هذا المؤتمر فرصة للنظام لكى يخترق عقل رجل الشارع، ويخرجه من قبضة الأصولية، إلا أن شيئا من هذا القبيل لم يحدث.
●نرجع مرة أخرى إلى ثورة 25 يناير، والمصطلح الوضع القائم؟
كان شباب 25 يناير، على وعى بأزمة المجتمع، فعمل على إنشاء عالم افتراضى. هذا العالم الافتراضى هو ما أسميه ب «الوضع القادم». لكن هذا العالم كان ينقصه رؤية مستقبلية إيجابية يحملها شباب 25 يناير. وكان من مهام هذه الرؤية المستقبلية، أن تقول لنا كيف نخرج من هذه الأزمة التى أصابت الوضع القائم.
ومع ذلك أظن أنهم معذورون فى هذه المسألة، لأن كان لابد من وجود مفكرين ملازمين لهؤلاء الشباب، وهم يعيشون فى عالمهم الافتراضى.
●لكن أين كان المفكرون المصريون، وفى أى عالم كان يعيشون؟
طرح هذا السؤال يمكن أن يوجه لتبرير جانب النقص فى الثورة. وأنا بدورى أطرح سؤالا: هل كان عالم المثقفين منفصلا عن عالم الشاب، أم ماذا؟.
●أريد إجابة..
رأيى أن معظم المثقفين أدوا دورهم فى تغييب الشباب، وتغييب عقل المجتمع. وأتوقف عند هذه الإجابة لكى أفسح المجال لفتح ملف المثقفين وملف المجلس الأعلى للثقافة.
●وهل تعتقد أن المثقفين فشلوا فى أدوارهم؟
نعم.. المثقفون فشلوا فى مواجهة التيار الأصولى الذى استولى على عقل رجل الشارع. وأنا لدىّ مصطلحان «تراكم بالتقدم وآخر بالتخلف»، ونحن من هواة التراكم بالتخلف.
●الدكتور مراد وهبة تأمل قليلا، وقال: «كان سارتر يؤكد أن لدى الإنسان أحيانا سوء نية، يعتمد فيه التعامل مع البشر على أنهم قطيع، على أنهم أشياء، على أنهم دمى». ثم سألته: هل تقصد أن المثقفين تعاملوا وفقا لمقولة سارتر؟
نعم، قل لى كيف تعلل غياب الجمعية المصرية الفلسفية عن المشاركة فى المؤتمرات، التى يعقدها الاتحاد الدولى للجمعيات الفلسفية. لقد اشتكى لى ذات يوم رئيس الاتحاد الدولى، قائلا: لماذا هذا الغياب من الجمعية المصرية؟ وطلب منى أن أسأل القائمين على هذه الجمعية، فكان الجواب: «إننا لسنا فى حاجة إلى مثل هذا الاتحاد، وإنما هم الذين يحتاجون إلى مساعدتنا. وسيأتى يوم يطلبون المساعدة منا».
وأرى أن الحل يتحدد فى حالتين، الأولى أن يظهر مفكرون يتمثلون أبعاد ثورة 25 يناير، ومن ثم يساهمون فى بلورة الوضع القادم أو ما يسمى بالعالم الافتراضى بحيث يتحقق فى الواقع، ويجهز على الوضع القائم، والثانية أنه مع الوقت يتحول شباب الثورة إلى مفكرين، أى هم أنفسهم يساهمون فى استكمال هذا البعد الناقص فى ثورتهم.
●قلت فى إحدى مقالاتك: «إذا كان فى الإمكان تحقيق رباعية الديمقراطية إلكترونيا، فمعنى ذلك أن السمة الإلكترونية ينبغى أن تسود مؤسسات الدولة والمجتمع. ومع ذلك فهذه السيادة لن تكون ممكنة من غير عقول إلكترونية.. ماذا تقصد بعقول إلكترونية؟!
العقل الإلكترونى هو العقل الإنسانى مطعما بالتكنولوجيا الإلكترونية، أى أن تدخل فيه ما يمكن تسميته بعضو إلكترونى داخل الدماغ. هذا العضو الإلكترونى هو تكثيف للثورة الإلكترونية، التى تتسم فى جوهرها بموت المسافة زمانيا ومكانيا، الأمر الذى يترتب عليه تسريع العقل الإنسانى فى تفكيره. وأقصد بالتسريع تكثيف جملة عبارات أو فترات زمانية، كان العقل الإنسانى يستغرقها بطريقة تقليدية، وإنما الآن يمكن تطبيقها بطريقة غير تقليدية.
مثلا الفكرة المحورية فى نظرية النسبية عند ألبرت أينشتاين، أن الطاقة تساوى الكتلة فى مربع سرعة الضوء، ومعنى هذه المعادلة أنه يوجد فى الطاقة ما يساوى وزنها فى مربع سرعة الضوء. نعلم أن سرعة الضوء تساوى 300 ألف كيلو متر فى الثانية، فإذا انطلق الإنسان بسرعة الضوء تخرج منه طاقة فكرية لا يمكن تخيلها. هذه الطاقة الفكرية هى طاقة إلكترونية، يمكن أن تنطلق منا إذا ما تحول العقل الإنسانى إلى عقل إلكترونى.
●أرجو توضيح ماذا تقصد؟
أقول هذا لأنتقل من هذه الرمزية العلمية إلى رمزية ثورة 25 يناير. فهى ثورة إلكترونية، لأنها اعتمدت على منتج إلكترونى يسمى «الفيس بوك»، هذا الفيس بوك، لا يخضع لأى رقابة سياسية أو رقابة دولة، هذا من جهة. ومن جهة أخرى تحول «الفيس بوك» على يد شباب 25 يناير من جهاز يستخدم فى النميمة إلى جهاز يستخدم لتغيير المجتمع، هذا هو إبداع ثورة 25 يناير.
والسؤال ماذا حدث فى ذلك اليوم؟ مطالبة بتحقيق سريع للغرض من الثورة، وهو تغيير جذرى للنظام القائم.
وهنا استرجع ثورة 1952، وأقارن بينها وبين ثورة 25 يناير. أرى أن ثورة 1952 كان فيها انقسام داخلى بين الضباط الأحرار. فيها ترنح بين إلغاء الأحزاب، وبين عدم إلغائها، وترنح فى كيفية التعامل مع الملك، وترنح فى رؤيتها لمستقبل الأحزاب.
أما ثورة 25 يناير فكانت حاسمة فى رؤيتها لم تقبل أى مساومة، ولم تدخل فى تفصيلات، وإنما دخلت مباشرة إلى الدعوة لإسقاط النظام. وهنا يمكن القول بتسريع الثورة، ما يمكن أن يحدث فى شهور أو سنوات حدث فى يوم. أظن أنه يمكن تفسير هذه الحالة الاستثنائية بأن عقل شباب ثورة 25 يناير دُرب على التعامل مع المنجز التكنولوجى المسمى ب«الفيس بوك»، تعاملا كان من شأنه أن يحدث تأثيرا فى عقلية هؤلاء الشباب.
والدليل على هذا التسريع أنه أحدث ارتباكا فى النظام القائم، بحيث إنه عجز عن التعامل مع هذه الثورة الإلكترونية، وتعامل معها بطريقة بدائية، وهى التى تعرف بموقعة الجمل. المأساة هنا، أن ثورة إلكترونية تقابل ليس فقط بأسلوب تقليدى، وإنما بأسلوب بدائى، الأمر الذى أحدث فوضى.
●يا دكتور مراد، كنت تؤكد مرارا أن مصر لابد أن تجتاز مكونات الديمقراطية الأربعة (العلمانية، التسامح، التنوير، والليبرالية)، والتى حققها الغرب فى 400 سنة على الأقل، ثم راجعت وقلت بموت المسافة زمانيا ومكانيا؟، فهل تقصد أن التكنولوجيا الحديثة قضت على شرط اجتياز هذه القرون؟
نعم، أنت تستطيع بعملية تسريع لهذه القرون الأربعة. أولا تستطيع كنس كل المحرمات الثقافية التى تقف أمامك.
●ماذا تقصد بالمحرمات الثقافية؟
أقصد الأوهام التى تأخذ طابع القداسة، والتى تمنعك عن التفكير، وتمنعك عن التسريع. التفكير الإلكترونى يجعلك تكنس كل معوق أمام مكونات الديمقراطية. العلمانية، مثلا، حتى الآن أمامها محرمات ثقافية، تصل مدتها إلى 7 آلاف سنة، التى كرست للحكم الإلهى للحاكم، الذى توارثنه منذ أيام الفراعنة وحتى الآن.
هناك حساسية شديدة للعلمانية، العقل الإلكترونى ممكن يكنسها، لأن فى تكوينه التسريع، ونسف فترة ال 7 آلاف سنة. كما أن التراث عائق زمنى يمكن أن تجتازه.
●بمناسبة حديثك عن التراث. ألم تخف من القول إن ما تدعو إليه هو تراث أيضا يجب كنسه. وأقصد هنا دعوتك لفلسفة ابن رشد؟
تحمس الدكتور مراد وهبة، وانتبه، وقال:
ابن رشد ليس تراثا؛ لأننا الآن نعيش فى القرن الثانى عشر، وأتساءل: متى يصبح ابن رشد تراثا؟ الإجابة تقول إذا كنا نعيش فى القرن الحادى والعشرين. ابن رشد حى وليس تراثا. وإذا رغبنا العيش فى القرن 21، فلابد أن نتجاوز ابن رشد، ونحقق ما قاله.
●الكلام يأخذنا إلى الحديث عن المادة الثانية من الدستور، وكذلك الحزب السياسى لجماعة الإخوان المسلمين المزمع تأسيسه، وأيضا الحديث المنتشر عن الحضارة الإسلامية التى سمحت بحرية الإبداع والاختلاف.
هذه النقطة تحتاج إلى شرح طويل. وأظن أن الأزمة التى يواجهها الإخوان المسلمين الآن، أن المعتقد الدينى مطلق وغير قابل للتطور. وتطبيق المطلق على واقع نسبى من شأنه أن يحدث أحد أمرين: أما أن المعتقد يصيبه التطور أو التغيير، وأما أن المعتقد يمنع الواقع النسبى من التطور.
وحيث إننا الآن فى ثورة إلكترونية فى تكوينها عملية التسريع. تسريع نسبى فى تطوره، يشكل خطرا على المعتقد، عندما يتلامس مع هذا التسريع. وأظن أن هذا التفسير يمكن أن يوضح لنا لماذا يدعو بعض الإخوان إلى الفصل بين الحزب السياسى، والدعوة.
ورغم هذه الدعوة إلى الفصل بينهما، ستظل الأزمة قائمة؛ لأن الحزب شاء أم لم يشئ سيكون موجها من المعتقد. وسيدخل الحزب فى أزمة مع ظاهرة تسريع التطور، أو تسريع الواقع النسبى.
ولهذا أظن من أجل سلامة المعتقد أن يبتعد الإخوان بمعتقداتهم عن التعامل مع واقع فى حالة تسريع الآن. وإذا رغبوا الانخراط فى العمل السياسى، فعليهم أن ينخرطوا فى أحزاب خالية من المعتقد الدينى. وتكون مهمتهم فى هذه الحالة، صبغ العمل السياسى بالصبغة الإنسانية التى تلاشى أى تفرقة بين أفراد الشعب المصرى.
أما إشكالية المادة الثانية، هى كالآتى: الإسلام دين ودولة، والشريعة الإسلامية هى المصدر الرئيسى للتشريع. أولا هل للدولة دين؟، وإذا كان للدولة دين هل ستحاسب فى الآخرة، وهل ستحاسب فى جميع فتراتها أم فى فترة معينة. أما إشكالية الجزء الثانى من المادة الثانية، هى أن مبادئ الشريعة مطلقة، وبالتالى هى تخضع الواقع النسبى، فتمنعه من التطور، أو أن الواقع النسبى فى المطلقية الكامنة فى مبادئ الشريعة.
والمادة الثانية فى جملتها منطقيا، وألح على لفظ منطقيا تلزم الدولة، بعدم التصريح لأى حزب إلا إذا كان حزبا دينيا بوجه عام، وإسلاميا بوجه خاص. وفى عبارة أخرى أن هذه المادة تلزم الدولة بعدم التصريح لأى حزب يخلو من الشعارات الدينية.
أما الذى قيل على نحو ما سمعت من الدكتور محمد البرادعى فإن المادة الثانية تعبر عن الحضارة الإسلامية، فهذه مسألة لا علاقة لها بالنص الوارد فى المادة الثانية، لأن النص الوارد فى المادة الثانية، هو نص خاص بالمعتقد، وبمعتقد معين، أما مسألة الحضارة الإسلامية فهى مسألة تخرجنا خارج نص المادة الثانية، وتدخلنا فى نصوص أخرى، خاصة بالحضارات الإنسانية، خاصة بالبحث عن مكانة الحضارة الإسلامية فى الحضارة الإنسانية، وبذلك نخرج خارج نص المادة الثانية. وهذا فى رأيى أمر آخر، يستلزم نصا آخر لا يقتصر على الدستور المصرى وإنما يمتد إلى الدساتير الأخرى فى الدول الأخرى لبيان كيف يمكن أن تتعامل الدساتير الأخرى مع الحضارة الإسلامية.
●أعرف أن لك رأيا مختلفا فيما يخص رموز الحضارة الإسلامية؟
نعم، رموز الحضارة الإسلامية أوجزها فى رمزين، هما ابن سينا، وابن رشد الذى كان له الفاعلية فى تطوير المجتمع الأوربى، والثقافة الأوروبية. ابن سينا أحدث تأثيرا فى مجال الطب، ولكنه لم يحدث تأثيرا فى المجال الفلسفى بسبب نظريته عن الفيض الإلهى، وهى عبارة نظرية تقول إنه صدر عن الله عشرة عقول، والعقل العاشر يسمى العقل الفعال، وهو المسئول العالم المخلوق. أما ابن رشد، فكان أكثر عقلانية من ابن سينا إذ رفض نظرية الفيض، ورفض العقول العشرة، لأنها مسألة خرافية، وقال بالتأويل، وهو يعنى إعمال العقل فى النص الدينى باعتبار أن النص الدينى لها معنيان. معنى ظاهر وباطن. وعلى العقل أن يؤول المعنى الظاهر حتى يكتشف المعنى الباطن الذى يتفق مع العقل. وقال إنه مع التأويل يمتنع التكفير، ومع التأويل يمتنع الإجماع، فلا إجماع مع التأويل، ولا تكفير مع التأويل.
وبسبب هذه الأقوال كُفر ابن رشد فى العالم الإسلامى، وتم نفيه إلى قرية «اليوسانا» بإسبانيا، أما فى أوروبا فكان فرديدريك الثانى مقاوما للنظام الإقطاعى المتلاحم مع السلطة الدينية؛ لأنه كان منحازا للطبقة الصاعدة «طبقة التجار»، فقيل له إن أردت الانتصار فعليك إصدار قرار سياسى بترجمة مؤلفات ابن رشد. وقام بالترجمة المسيحيون واليهود إلى اللاتينية والعبرية. وبعد الترجمة ظهر تيار يسمى الرشدية اللاتينية، نسبة إلى ابن رشد وإلى اللغة التى كان يتحدث بها الأوروبيون. وحدث صراع مرير بين النظام الإقطاعى والسلطة الدينية وبين الرشدية اللاتينية، التى قُتل زعيمها بخنجر من سكرتيرته. وقد تسببت الرشدية اللاتينية فى تغذية الإصلاح الدينى، وإصلاح التنوير. ولذلك أنصح الإخوان، إذا جاز لى ذلك، أن يتوجهوا إلى ابن رشد بدلا من الانغماس فى آراء ابن تيمية المقاوم العنيف لابن رشد.
●متى يحتاج المجتمع إلى الفلسفة والفلاسفة؟
اندهش د. مراد من السؤال، وقال باستمرار يحتاج الناس إلى الفلسفة. أما مشكلة الفلسفة فى العالم الإسلامى، تأتى لأنه يستند إلى فكرة الإجماع، ومع الإجماع لا تفلسف. العالم الإسلامى ينص على الإجماع، والتفلسف ضد الإجماع، وبالتالى توجد حساسية فى وجود فلاسفة. وهذه النقطة أشار إليها عبدالرحمن بدوى، فى أحد مؤلفاته عن الحضارة الإسلامية. وأكد فيه أن العالم الإسلامى لا يمكن أن يخلق فيلسوفا.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.