في الوقت الذي تكثر فيه النصائح والإرشادات الطبية لاختيار الولادة الطبيعية، كونها الخيار الأكثر أمانا في أغلب الأحيان، تجد العديد من الأمهات أنفسهن في رحلة معقدة؛ فسرعان ما تصطدم رغبتهن في اختيار طريقة الولادة بمخاوف شخصية وضغوط عائلية، وأحيانا بمواقف طبية لا تمنح الأم المساحة الكافية للتعبير عن قلقها أو مناقشة اختياراتها، لتتحول تجربة الولادة من قرار صحي تشارك فيه الأم إلى مسار تفرضه اعتبارات مختلفة. وفي هذا السياق، وبمناسبة شهر التوعية بالولادة القيصرية، حاورت "الشروق" عددا من الأمهات اللاتي روين لنا تجاربهن مع الرغبة في الولادة الطبيعية والصعوبات التي واجهنها لتحقيق ذلك. من القلق إلى الطمأنينة تقول "إيمان عوض" إنها كانت تميل إلى اختيار الولادة الطبيعية رغبة في اتباع الطريقة الفطرية طالما أن حالة الجنين تسمح، إلى جانب خوفها من القيصرية بسبب الجرح ومضاعفاتها، وتأثرها بتجربة والدتها التي لا تزال تعاني من آثارها. وأوضحت أنها شعرت بالارتياح مع طبيبتها في بداية الحمل، لكن مع الشهور الأخيرة لاحظت اتجاهها لتعجيل الولادة بالقيصرية أو الطلق الصناعي، على الرغم من اتفاقهما منذ البداية على رغبتها في الولادة الطبيعية، والانتظام على التمارين اللازمة لتسهيل الولادة، لكن الطبيبة بدأت في رفض خيار الولادة الطبيعية دون إبداء أسباب واضحة، مع إشعارها بوجود مشكلة في نمو الجنين، وهو ما أدخلها في حالة قلق ودفعها لاستشارة طبيبة أخرى. وأكدت أن هذه الخطوة كانت فارقة، إذ تلقت شرحا مطمئنا وتم السماح لها بالانتظار حتى نهاية الشهر التاسع لتخوض تجربة ولادة طبيعية ناجحة، لافتة إلى أن ما ساعدها على تجاوز تلك المرحلة هو حرصها على تجنب سماع التجارب السلبية خلال الحمل حتى لا تتأثر نفسيا، مؤكدة أن دعم زوجها المستمر كان عاملا أساسيا في تقليل خوفها ومساندتها طوال الرحلة، كما تنصح جميع السيدات بمناقشة كل تفاصيل الولادة جيدا مع الطبيب من بداية الحمل والاهتمام بالتغذية والرياضة المناسبة. من القيصرية إلى الطبيعية تتشابه تجربة "شروق رأفت" مع التجربة السابقة؛ حيث أكدت "شروق" أنها مع حملها الثاني بدأت في رحلة البحث عن طبيب يدعم الولادة الطبيعية، والتي كانت رحلة صعبة للغاية، مؤكدة أن العثور على طبيب يتحلى بالصبر ويستمع جيدا لأسئلة المريضة كان أمرا صعبا. وأضافت أن تمسكها بالولادة الطبيعية في تجربتها الثانية جاء نتيجة معاناتها الطويلة مع آثار الولادة القيصرية الأولى، مشيرة إلى أن الألم لم يكن مؤقتا بل استمر لفترة طويلة، مع وجود مشكلات في الجرح وصعوبة التعافي. وأشارت إلى أنه ما زاد الأمر سوءا هو نقص المعلومات الطبية وغياب الشرح الكافي من الطبيب، وهو ما تسبب لها في مضاعفات كادت تؤثر على صحتها، لافتة إلى أن الفارق الحقيقي في تجربتها الثانية كان اختيار طبيب داعم للولادة الطبيعية، يهتم بالشرح والتفاصيل ويتعامل مع المريضة باعتبارها شريكا في القرار. وشددت على أنها شعرت وكأنها تخوض تجربة الحمل لأول مرة بسبب حجم المعلومات التي حصلت عليها، كما أشادت بدور "الدولا"، مؤكدة أن وجودها كان فارقا كبيرا في تحسين تجربتها، سواء من خلال الدعم النفسي أو المساعدة الجسدية مثل التدليك وتهدئة الألم، إضافة إلى تدخلها في بعض التفاصيل الصغيرة التي كان من شأنها التأثير على راحتها أثناء الولادة. الحق في المعرفة هو ما يصنع الفارق وقالت "مها طه" إنها كانت تخطط للولادة الطبيعية منذ بداية الحمل، لكنها لم تحصل على المعلومات الكافية لاتخاذ قرار مستنير، إذ تعامل طبيبها مع رغبتها على أنها مبكرة، وهو ما اعتبرته لاحقا علامة سلبية كان يجب الانتباه لها. وأوضحت أنها بالفعل لجأت إلى الولادة القيصرية لأن طبيبها أفهمها أن حالتها صعبة، لكنها اكتشفت لاحقا إمكانية الانتظار وتجربة الولادة الطبيعية في الحالات المماثلة لها، لذا فهي ترى أن نقص المعلومات قد يدفع الأمهات إلى مسارات لم يكن يردنها، خاصة في ظل القلق النفسي في نهاية الحمل. وأشارت إلى أن كثيرا من الأمهات لا يُوضح لهن أن الولادة القيصرية عملية كبرى قد تحمل مضاعفات، وأن الولادة الطبيعية تساعد على تحفيز الرضاعة الطبيعية بشكل أفضل، مؤكدة أهمية أن تحصل المرأة على كل المعلومات لاتخاذ القرار المناسب. وعلى الجانب الآخر، أشارت "سماء علي" إلى أن طبيبها كان أفضل ما واجهته خلال رحلة الحمل والولادة، موضحة أنه كان يتمتع بالصبر ويحرص على الشرح المفصل، وهو ما منحها شعورا بالطمأنينة طوال المتابعة وجعلها تتقبل أن حالتها تحتاج إلى اللجوء للقيصرية، على الرغم من أنها كانت تميل للولادة الطبيعية بسبب ما كانت تسمعه عن سرعة التعافي بعدها مقارنة بالقيصرية. ولفتت إلى أنها في النهاية تركت القرار لما يراه الطبيب مناسبا بسبب ثقتها به من البداية وشعورها بأنه بالفعل يختار الأنسب لحالتها ولسلامة الجنين، ولذلك فهي ترى أن طريقة الولادة ليست هي الأهم، ولكن المهم هو مقدار ما تجده الأم من تفهم واحترام لمخاوفها. أزمة الثقة والعنف التوليدي يدفعان نحو القيصرية أكد الدكتور يحيى دوير، استشاري التوليد وأمراض النساء وعضو مجلس نقابة الأطباء، في حديثه ل"الشروق"، أن الصبر على الولادة الطبيعية لا يعتمد على قرار الطبيب وحده، بل هو نتاج تعاون بين الطبيب والأم والأسرة، موضحا أن الولادة الطبيعية تمثل عبئا كبيرا على المستشفيات، إذ قد تستمر من 24 إلى 48 ساعة وتحتاج متابعة دقيقة لحالة الأم والجنين. وأشار إلى وجود "أزمة ثقة" لدى بعض السيدات بسبب التجارب السلبية، وعلى رأسها العنف الذي تتعرض له بعض السيدات وقت الولادة الطبيعية، وهو ما يُعرف بالعنف التوليدي، إضافة إلى القلق من ألم الطلق، ما يجعلهن يدخلن الولادة بخوف واستعداد للفشل، ومع الألم يطلبن القيصرية. وأضاف أن تكرار الولادة القيصرية بعد القيصرية الأولى من أبرز أسباب ارتفاع نسبها، لافتا إلى عوامل أخرى مثل ضعف الإمكانيات، وعلى رأسها الحضانات، وتأخر سن الحمل الأول إلى ما بعد ال 35، وقلة النشاط البدني وضيق الحوض، إلى جانب مخاوف قانونية تدفع الأطباء لتفضيل القيصرية، إضافة إلى قلق بعض السيدات من تأثير الولادة الطبيعية على العلاقة الزوجية، على الرغم من وجود طرق كثيرة لتأهيل العضلات بعد الولادة. وشدد على أن تقليل القيصريات يتطلب توفير الولادة بدون ألم، خاصة مع دور "الإبيدورال" في تقليل الخوف من الألم، مؤكدا أهمية التوعية خلال متابعة الحمل وعدم الاقتصار على الفحوصات فحسب، بل أن تشمل المتابعة شرح مراحل الولادة وخياراتها والمضاعفات التي قد تحدث، كون الولادة جراحة ليست بالهينة. كما أوضح أن "شق العجان" الذي تخاف منه كل السيدات لم يعد إجراء روتينيا، ويمكن تقليل الحاجة إليه من خلال تمارين معينة واستعداد الأم، مؤكدا أهمية التواصل المفتوح بين الأم والطبيب لاتخاذ القرار المناسب. ضعف ثقة النساء بقدراتهن تشير الدكتورة ياسمين أبو العزم، أخصائية أمراض النساء والتوليد، ل"الشروق"، إلى أن ارتفاع نسب الولادة القيصرية يرجع لأسباب مجتمعية وثقافية، منها اعتقاد بعض الفتيات أنهن أضعف من تحمل ألم الولادة الطبيعية، ويغذي الأهل هذه الفكرة بداخلهن، وهو ما وصفته بغير الدقيق، مؤكدة أنها شهدت حالات لفتيات بدت عليهن الهشاشة للوهلة الأولى لكنهن خضن ولادة طبيعية ناجحة بشجاعة وقوة. ولفتت إلى أن ضعف الإمكانيات في بعض المستشفيات، مثل نقص أجهزة متابعة نبض الجنين، من أبرز العوائق التي يعاني منها الطبيب، لكن في الوقت نفسه، وعلى الرغم من أهمية تلك الأجهزة لزيادة الاطمئنان، إلا أنه يتم إجراء الولادة الطبيعية بنجاح عبر استخدام وسائل تقليدية كسماعة الطبيب لمتابعة النبض. وأوضحت أن نظام القابلة قد يساعد في دعم الولادة الطبيعية إذا طُبق بشكل صحيح، خاصة مع صعوبة تفرغ الأطباء وضعف العائد المادي مقارنة بالقيصرية، مشيرة إلى أن قلة خبرة الأطباء الجدد بالولادات الطبيعية بسبب انتشار القيصريات زادت من المشكلة. وشددت على أهمية التوعية بأن الولادة الطبيعية لا تحتاج إلى بنية جسدية خاصة، وأن ألمها مؤقت مقارنة بسرعة التعافي، وأن "شق العجان" أخف من فتح طبقات البطن في القيصرية، كما أن الولادة الطبيعية تفيد الجنين في تنفسه ونضوج رئتيه.