- واجهت الحياة بالكتابة.. والأدب يطرح الأسئلة ولا يكتفى بإعادة إنتاج الواقع.. وتصنيف «الأدب النسوى» أداة عزل أكثر منه توصيفًا جماليًا - النقد لدينا يعانى من الأكاديمية المفرطة.. والترجمة اختبار حقيقى للنص الأدبى فى لحظة تتويج جديدة لمسيرتها الإبداعية الممتدة، فازت الكاتبة الكبيرة سلوى بكر بجائزة «البريكس» الأدبية، التى تهدف إلى إلقاء الضوء على آداب وثقافات بعيدة عن المركزية الأوروبية، وتسلمت الجائزة ضمن فعاليات الدورة السابقة من معرض القاهرة الدولى للكتاب. وبهذه المناسبة، تحدثت سلوى بكر ل«الشروق» فى حوار خاص عن رؤيتها لقيمة الجوائز فى حياة المبدع، ومكانة الأدب المصرى والعربى عالميًا، وأسئلتها الدائمة حول دور الأدب فى مساءلة الواقع، وحدود الكتابة الإنسانية فى زمن السرعة والتقنيات الحديثة. فى البداية نهنئك بالفوز بجائزة «البريكس» وتسلمك الجائزة خلال معرض الكتاب. كيف تنظرين إلى أهمية هذا التكريم، وهل الجوائز تمثل انتظارًا طبيعيًا فى مسيرة المبدع؟ جائزة «البريكس» قد لا يعرفها كثيرون، لأنها منبثقة عن مجموعة «البريكس» الاقتصادية، وهى ليست تكتلًا اقتصاديًا بالمعنى التقليدى، بقدر ما هى مجموعة دول ارتأت أن يكون بينها شكل خاص من التعاون. فكرة الجائزة جاءت باقتراح من الكاتبة المصرية ضحى عاصى بعد لقائها بالمجموعة البرلمانية لدول «البريكس»، ولاقت ترحيبًا كبيرًا. كنت ضمن القائمة الطويلة إلى جانب الأستاذ إبراهيم عبد المجيد والأستاذ فتحى إمبابى، ثم صعدت إلى القائمة القصيرة، وتم اختيارى للفوز بالجائزة. من وجهة نظرى، لهذه الجائزة قيمة خاصة؛ لأنها تعبّر عن ثقافات دول معظمها غير أوروبى، مثل الهند والصين والبرازيل وجنوب إفريقيا ومصر والإمارات وروسيا، وهى دول تمتلك تراثًا أدبيًا عظيمًا. لذلك اعتبرت فوزى بها انتصارًا للأدب المصرى والعربى، الذى يقدّم معاناة وأسئلة إنسانية مختلفة عن تلك المرتبطة بالمركزية الأوروبية. الجائزة لا تهدف لمنافسة «نوبل»، لكنها تسعى إلى تحقيق قدر من التوازن، خاصة أن كثيرًا من الجوائز الكبرى تحكمها اعتبارات سياسية. ما أتمناه أن تظل القيمة الأدبية والإنسانية هى الأساس. برأيك، هل ينتظر الأديب العربى الجوائز أم أنها مجرد نتيجة جانبية للمسيرة؟ أتحدث عن نفسى فقط. أرى أن الجائزة الكبرى لأى كاتب هى القارئ، ليس بالمعنى الكمى، بل الكيفى. حين أؤثر فى قارئ واحد، وأساهم فى تغيير نظرته لذاته أو للعالم، فهذا إنجاز حقيقى. الجوائز أو النقد لا يصيباننى بإحباط أو غرور. أفهم النقد وأقدّر الجهد المبذول فيه وأستفيد منه، لكنه لا يحكمنى. للجوائز شقان: مادى وأدبى. الشق المادى مفهوم فى واقع يعيش فيه كثير من الكُتاب ظروفًا صعبة تدفعهم للعمل فى مجالات أخرى. أما الشق الأدبى، فالجوائز تُلقى الضوء على أعمال قد لا تجد مساحة كافية فى الإعلام الثقافى. شخصيًا لا أتقدم للجوائز، ومعظم ما حصلت عليه جاء بمبادرات من آخرين. بطبيعتى لا أحب المنافسة أو الصراع، وأؤمن أن الجوائز ليست معيارًا مطلقًا للقيمة الإبداعية، لأنها تخضع لظروف وسياقات مختلفة، مع أهميتها وفائدتها. كيف ترين دور الكتابة المصرية، خاصة كتابة المرأة، فى المشهد الأدبى العالمى اليوم؟ منذ عقود، والكتابة المصرية تقدّم منجزًا روائيًا مهمًا، ازداد كمًّا وكيفًا فى السنوات الأخيرة، خاصة مع بروز عدد كبير من الكاتبات عبر أجيال مختلفة. هذه الكتابة تقدّم تجارب إنسانية وقدرات إبداعية عالية، وقادرة على المنافسة عالميًا. مشكلتنا الأساسية فى النقد؛ فمعظمه أكاديمى ويفتقد أحيانًا للرؤية الإبداعية، كما أن حجم الإنتاج الأدبى الكبير، خاصة مع انتشار النشر الخاص، يصعّب على النقاد مواكبته. لذلك تظل كثير من الأعمال، ومنها أعمال الكاتبات، غير مرئية بالقدر الكافى. فى النهاية، المعيار الحقيقى لبقاء النص هو الزمن، لا كاتبه ولا تصنيفه.
هل يُقرأ الأدب العربى عالميًا بوصفه أدبًا خالصًا أم بوصفه مدخلًا لفهم المجتمعات العربية؟ من واقع تجربتى، كثير من الأعمال العربية تُترجم بدافع معرفة الإنسان العربى، لا بوصفها أدبًا فحسب، على عكس ما يحدث عند قراءة آداب بلدان أخرى. النقد لدينا يعانى من الأكاديمية المفرطة وغياب القراءة متعددة المستويات. أذكر تجربة لبحث أمريكى تناول إحدى قصصى بقراءة مختلفة وعميقة، لم أصادف مثلها محليًا، وهو ما يرتبط بقضايا التعليم وغياب العقل النقدى. ما أبرز التحديات التى تواجه ترجمة أعمالك؟ وهل تتغير نظرتك للنص بعد الترجمة؟ الترجمة اختبار حقيقى للنص. لكل ثقافة ذائقتها الخاصة. بعض أعمالى لاقت احتفاءً كبيرًا فى أوروبا، بينما كان التفاعل مختلفًا فى كوريا الجنوبية. أحيانًا تُبرز الترجمة نصوصًا لم تحظَ باهتمام عربى واسع، ما يؤكد أهمية اختبار العمل الإبداعى فى لغات وثقافات أخرى. أتمنى أن تكون جائزة «البريكس» فرصة لترجمة أوسع للأدب المصرى والعربى. اشتغلتِ بالنقد المسرحى والسينمائى قبل الكتابة الروائية، كيف أثر ذلك فى حسك السردى؟ السينما والمسرح علّمانى أهمية بناء الشخصية من الداخل والخارج معًا. الشخصية غير المقنعة تُفقد العمل مصداقيته. انعكس ذلك على كتابتى، خاصة فى الرواية التاريخية؛ فلا يكفى تحديد الزمن، بل يجب فهم تفاصيل الحياة اليومية من ملبس وطعام وموسيقى وعلاقات، حتى يصبح العالم الروائى منطقيًا ومقنعًا. يُقال إن كتاباتك تكسر السائد وتمنح صوتًا للمهمشين، كيف ترين دور الأدب فى محاكاة الواقع الاجتماعى؟ للأدب أدوار ثابتة، أهمها كشف جوهر الإنسان، وأدوار متغيرة تتعلق بكل مجتمع. من هذه الأدوار كشف مواطن الضعف وفضح القيم البالية التى تنتج النفاق والفساد. الأدب يطرح أسئلة عن الحياة والسعادة وطرق العيش والتعبير عن المشاعر. لا ينبغى أن يكتفى بإعادة إنتاج الواقع، بل مساءلته. وماذا عن تصنيفك ككاتبة نسوية؟ التصنيف إشكالى فى حد ذاته. كثيرًا ما يُستخدم مصطلح «الأدب النسوى» كأداة عزل أو تمييز، لا كتحليل جمالى. الأدب الحقيقى يهتم بالإنسان، سواء كتبه رجل أو امرأة. الفارق فى الرؤية نابع من الخبرة الإنسانية، لا من النوع الاجتماعى، والمعيار الحقيقى هو النص. فى ختام الحوار، كيف تنظرين إلى فكرة «المرأة القوية» التى تُلصق بكِ دائمًا؟ أحيانًا أشعر أنها صورة غير دقيقة. أنا قوية فى أشياء وضعيفة فى أخرى، كأى إنسان. مسيرتى طويلة ومعقدة، فيها تمرد وسعادة وألم. ما يسعدنى أن هذه الحياة أفرزت كتابة. الكتابة وسيلة لمواجهة الحياة وفهم الذات والعالم. ما زلت أعتبر نفسى كاتبة تكتب حين يكون لديها ما تقوله، لا من أجل الجوائز أو الأضواء. أخيرًا، هل تؤثر سرعة العصر والتقنيات الحديثة فى مستقبل الأدب؟ سيظل الإنسان إنسانًا، وسيظل الإنتاج الإنسانى نابعًا من لغزه العميق. مهما تقدمت التقنيات، لن تكتب كما يكتب الإنسان، لأن سر الإنسان لا يُختزل فى معادلات.