«منة شلبى جسّدت ببراعة صورة للأطباء الذين عبروا الحدود ليقاوموا الموت بأدوات شحيحة وإمكانات شبه معدومة». «المسلسل أعاد تعريف العلاقة بين المشاهد والحدث، وجعلنا شهوداً على مأساة نحملها فى وعينا وذاكرتنا كجزء من التجربة الإنسانية الكبرى». فى لحظة استثنائية تتقاطع فيها الدراما مع الواقع، يأتى مسلسل «صحاب الأرض» ليضعنا فى قلب المأساة، ويجرّنا إلى حياة تُسحق تحت القصف والإبادة. ينسج حكايات حب وصراع فى قلب الحرب، مستلهمًا الواقع، ومقدّمًا القضية الفلسطينية من زاوية وجدانية تركز على الإنسان المُمزّق بين الموت والصمود والأمل، وعلى أرواح تصارع لتبقى حاضرة وسط العتمة. هنا تتحوّل الدراما إلى فعل مقاومة، وسلاحٍ فنى يواجه التواطؤ والزيف بالصورة، ويقاوم النسيان بالذاكرة، ليصبح الفن وثيقة حيّة على زمن يقاوم الموت، وأحداث يراد محوهما من سجلّ التاريخ. اقرأ أيضًا| مؤلف «صحاب الأرض» يكشف سر انزعاج الأوساط الإسرائيلية من المسلسل لا يكتفى العمل بتصوير الواقع بكل بشاعته، بل يمنح الألم والفقد والوجع روحًا ووجهًا وصوتًا، ويكسوها إيقاع إنسانى يجعلنا نعيش داخل الحكايات، وترتجف قلوبنا وضمائرنا من هول ما نرى. ولا يقدّم مشاهد الصراع اليومى - من حصار وتجويع وقتل وسرقة للجثامين- بوصفها عناصر توثيقية فحسب، بل كجزء من سردية إنسانية تجعل الإصرار على البقاء فعلًا بطوليًا، والتمسّك بالأمل شكلًا من أشكال الانتصار.. هذه المقاربة تمنح العمل خصوصيته، وتجعله مغامرة درامية وأخلاقية تشكّل منعطفًا فى الدراما العربية، كأحد أوائل الأعمال التى تناولت الغزو الإسرائيلى والمجازر بعد السابع من أكتوبر، لا بوصفها مادة سياسية مباشرة، بل باعتبارها مأساة إنسانية تمسّ الضمير الجمعي، وتتجاوز حدود النزاع الجغرافى. الحياة تحت الحصار يعيد «صحاب الأرض» تعريف العلاقة بين المشاهد والأحداث؛ ويجعلنا شهودًا على مأساة نحملها فى وعينا وذاكرتنا كجزء من التجربة الإنسانية الكبرى. ذلك من خلال نص متماسك للكاتب عمار صبري، يراهن على العمق ويتجنّب فخ الخطابة المباشرة، ويعتمد على بناء شخصياتٍ ذات عمق نفسي، تتنفس داخل سياقها، فى بناء درامى لا يتعامل مع الحدث السياسى كخلفية صاخبة، بل كبيئة تصوغ مصائر الشخوص وتختبر خياراتها الأخلاقية. اقرأ أيضًا| الناقد الفني عصام زكريا يشيد ب«صحاب الأرض»: تجربة جريئة ومميزة هكذا تتحول المأساة من حدث عام إلى حكايات فردية تعكس، فى مجموعها، صورة جماعية أكثر تأثيرًا. وتصبح التجربة الإنسانية نفسها محور السرد، لا مجرد وقائع خلال الحرب. تكمن قوة السيناريو فى قدرته على التوازن بين السرد الإنسانى والتوثيق الواقعي، ومنح الأحداث إيقاعًا داخليًا متدرجًا يتيح للمشاهد التورّط وجدانيًا فى التجربة. كما يركّز على التفاصيل اليومية تحت الحصار، محولًا إياها إلى لحظاتٍ مشحونة بالمعنى، دون الوقوع فى التقريرية أو فقدان البعد الجمالي. تكامل بصرى وسمعى يضع المخرج بيتر ميمى بصمته عبر لغة بصرية متوترة، لكنها منضبطة ومحسوبة. تتجاور الكاميرا المحمولة وسط الركام مع لقطات شاعرية خاطفة تسمح للضوء بالتسلّل من بين شقوق العتمة. هذا التداخل بين القسوة الواقعية والحس الجمالى يمنح العمل توازنًا دقيقًا، فلا يترك المتلقى أسير الدمار وحده، ولا يندفع نحو ابتزاز عاطفى مباشر. تعتمد اللغة البصرية على استخدام الإضاءة والظلال كأدوات دلالية تعكس ثنائية الحياة والموت، الركام والوجوه، الظلام والضوء، لتجعل الصورة نفسها خطابًا إنسانيًا يتجاوز حدود المكان والزمان. ولا يطغى الإيقاع البصرى على النص، بل يتحاور معه فى علاقة تكامل؛ فالصورة لا تشرح الكلمات، بل توسّعها وتحولها إلى تجربة حسّية. ولا يكتفى بتأملها من الخارج. فيما تتسلل الموسيقى بهدوء لتضاعف الإحساس بالحصار والانتظار، من دون أن تصادر حق الصمت فى التعبير. اقرأ أيضًا| ناقد فني: «صحاب الأرض» يعكس الواقع الفلسطيني بدقة ويعزز القوة الناعمة المصرية وتبلغ هذه اللغة ذروتها فى تكامل عناصر العمل الفنية. تتجلى براعة مدير التصوير حسين عسر فى تحويل الكاميرا إلى شاهد حيّ، يتحرك بين الركام ويقترب من الوجوه المُرهقة، فيجعل المشاهد شريكًا لا متفرجًا. ويعزّز هذا الإحساس مهندس الديكور على حسام، الذى نقل تفاصيل الواقع الإنسانى لسكان غزة بصدق لافت؛ فالبيوت المُدمّرة، والمستشفيات المُنهكة، ومدارس الإيواء، والخيام المتلاصقة، لم تكن مجرد خلفيات، بل فضاءات تختزن ذاكرة الألم. أما موسيقى أمين بوحافة فجاءت مشحونة بعاطفة وطنية هادئة وغير مباشرة، تتنفس مع الإيقاع الدرامى وتضاعف أثر المشهد فى الوجدان. وتمتد أغنية التتر بصوت أمير عيد وبمشاركة ناى برغوثى كخيط عاطفى يرافق العمل، لتتحوّل الموسيقى إلى مساحة مقاومة ناعمة توازى الصورة فى تأثيرها. طبيبة تصافح الموت منة شلبى فى شخصية «سلمي» تقدم أداءً داخليًا متماسكًا يقوم على الاقتصاد فى الانفعال، كاشفةً التصدّع النفسى لطبيبة تصافح الموت كل يوم. إنسانة تؤجّل انكسارها كى تنقذ آخرين، وتخاطر بحياتها فى ظروف قاسية. تبنى حضورها من تفاصيل دقيقة: ملامح مُنهكة، صوت متهدّج، عينان تراقبان الخراب بدهشة ممزوجة بالخوف.. قوة أدائها لا تكمن فى تمثيل الألم، بل فى كبحه؛ فى تلك المسافة الحرجة بين الواجب المهنى والجرح الشخصي. بذلك تتحول الشخصية إلى رمز للأمل وسط الخراب، بعيدًا عن التمجيد الزائف أو التنميط. المقاومة فى وجه الانكسار يجسد إياد نصار شخصية «ناصر» نموذجًا يختزل مأساة الحصار. شاب يسعى لإنقاذ ابن أخيه، وكأن إنقاذ روح واحدة يعادل إنقاذ العالم. تتحول رحلته إلى مرآة مكثفة لمعاناة عائلات كاملة، حيث يصبح الوصول إلى دواء أو ممر آمن فعلًا أقرب إلى المعجزة. يحمل الأداء ثنائية المقاومة واليأس، ويجمع بين الانكسار الداخلى والقوة الظاهرة، بلغة جسد متوترة ونبرات صوتية صادقة تمنح الشخصية مصداقيتها. وتحوّلها إلى رمز للصراع الإنسانى بين الرغبة فى الاستمرار والخوف من الفناء.. التفاعل بين «سلمى» و«ناصر» يشكّل العمود الفقرى للسرد؛ فهى تمثل ضمير الواجب الإنسانى فى أقصى تجلياته، وهو يجسد إرادة البقاء حين تصبح الحياة هدفًا نهائيًا. وتتسع الدائرة مع حضور كامل الباشا وآدم بكرى وتارا عبود، الذين يضيفون تنوعًا وصدقًا إلى النسيج الدرامي، حيث تتكامل الشخصيات لتشكّل لوحة إنسانية متكاملة. الانتصار على الأرقام لا يمنح «صحاب الأرض» انتصارًا عسكريًا، ولا يعد بخلاص قريب، لكنه يحقق انتصارًا للإنسان. فلا يقدّمه رقمًا فى نشرة أخبار، ولا صورة عابرة فى مشهد دمار، بل يقدمه ككائن حى له ملامح وصوت، ذاكرة وخوف وأمل. يعيد للضحايا أسماءهم، ويمنحهم مساحة للسرد، كاسرًا منطق الإحصاء الذى يختزل المأساة فى أرقام متصاعدة. حيث يصبح وراء كل رقم قصة حياة، وخلف كل روح حكاية تستحق أن تُروى. فلا يكون الموت رقمًا يُضاف إلى قائمة، بل يُعد غيابًا موجعًا لحياة كانت تنبض. بهذا المعنى، ينجح المسلسل فى إعادة الاعتبار للإنسان داخل الكارثة الجماعية، ويؤكد أن القيمة الحقيقية لأى دراما لا تكمن فى ضخامة الحدث، بل فى قدرتها على حماية المعنى الإنسانى من الاختزال. إنه ليس عملًا موسميًا عابرًا، بل تجربة اقتحمت منطقة ظلّت مغيّبة طويلًا فى الدراما العربية. إذا كان البقاء على قيد الحياة فى غزة شكلًا من أشكال الانتصار، فإن رواية هذه الحكاية فنيًا هى أيضًا انتصار للفن، الذى يثبت أنه قادر على أن يكون شاهدًا وفاعلًا فى آنٍ واحد.