رئيس جامعة العريش: خطط طموحة لتطوير المجالات الأكاديمية والبحثية    محافظ أسيوط يشارك عمال نظافة حى غرب إفطارًا جماعيًا.. صور    فورد تكشف عن برونكو RTR موديل 2027 بتجهيزات هجومية لعشاق الطرق الوعرة    هيونداي تكشف عن Ioniq 6 الكهربائية بتحديثات تصميمية وتقنية متقدمة    المهندس خالد عباس يصطحب رئيس الوزراء السوداني في جولة تفقدية بالعاصمة الجديدة    ترامب يوجه الوكالات الاتحادية بالتوقف عن استخدام تكنولوجيا أنثروبك    مران الأهلى.. محاضرة توروب وتدريبات متنوعة استعدادا لمواجهة زد    عبدالظاهر السقا: عقوبة الإيقاف 3 مباريات ظلم والاتحاد يركز على البقاء بالدورى    الترسانة يودع أسطورته مصطفى رياض: سيظل اسمك محفورًا فى تاريخ النادى.. صور    يد الزمالك تهزم سبورتنج في الدوري    هشام يكن: هدفي مع إرتريا الوصول لأمم أفريقيا    د. مدحت رشدي يفوز بجائزة التفوق الصحفي    لخلافات الجيرة.. سقوط المتهمين بإطلاق أعيرة نارية بشبرا الخيمة    محامٍ يوضح المسؤولية الجنائية على قائد سيارة كرداسة رافع علم كيان الاحتلال    نشوب حريق ضخم بمزرعة للدواجن بالغربية    "درش" الحلقة 10.. لقاء الخميسي تتقدم ببلاغ ضد سهر الصايغ    بعيداً عن البروتوكولات.. رئيسة بعثة الاتحاد الأوروبي معزومة علي فطير وعسل في بيت السفير    رمضان 2026| بعد وجبة خفيفة.. أفضل وقت لتناول دواء الكوليسترول خلال الصيام    رمضان 2026| أفضل توقيت لتناول البرقوق المجفف للرجيم    عزومات رمضان 2026.. بدائل اقتصادية سهلة التحضير بعيدًا عن «البانيه»    استطلاع جالوب: تحول تاريخي في الرأي العام الأمريكي تجاه فلسطين ودعم إسرائيل    وولفرهامبتون ضد أستون فيلا.. الفيلانز يتلقى هزيمة أمام متذيل البريميرليج    هانز فليك يوضح موقفه من تجديد عقده مع برشلونة    أجوستي بوش: لم نظهر بالمستوى المطلوب أمام مالي.. ونسعى لتصحيح الأخطاء قبل مواجهة أنجولا    مفوض الأمم المتحدة لحقوق الإنسان يحذر من" الصراع" في جنوب السودان    وزير خارجية إيران: مستعدون لتسهيل محادثات السلام بين أفغانستان وباكستان    وزير الخارجية الأمريكي يعلن تصنيف إيران دولة راعية للاحتجاز غير القانوني    القبض على المتهم بقتل شاب طعنا بسلاح أبيض في الجيزة    فيديو موقعة الأسلحة البيضاء ببني سويف.. الأمن يكشف كواليس معركة عامل التوصيل والطالب    مصرع وإصابة شخصين في حادث مروع بين موتسيكل وربع نقل بأبشواي    مباحثات قطرية إيرانية تتناول نتائج المفاوضات مع الولايات المتحدة    نقيب المهندسين بالسويس يحتفظ بمقعده في انتخابات التجديد النصفي    مسلسلات رمضان 2026، موعد عرض الحلقة 12 من الست موناليزا ل مي عمر    أحمد عبد الحميد: كزبرة عنده مواهب حقيقية وفى ناس مستكترة عليه البطولة    الأسطى مصطفى يوضح أسرار عمل الزلابية فى أسوان.. والقرطاس يبدأ من 5 جنيهات.. صور وفيديو    أنغام نورانية للإنشاد بمعهد الموسيقى والمواهب الواعدة تمزج روح الرجاء بجمال التراث    الحلقة 10 من صحاب الأرض ترصد استهداف معبر رفح من الجانب الفلسطيني وتمسك أهل غزة بالحياة والفرح    ضياء عبد الخالق يوجه رسالة لصناع "علي كلاي" لتجاهله بدعاية المسلسل    إعادة بين جيوشي وخير الله في انتخابات نقابة المهندسين بالفيوم بعد منافسة شرسة    وزير الزراعة يهنئ الرئيس السيسي بذكرى انتصارات العاشر من رمضان    وزير الخارجية العماني: نحتاج إلى مزيد من الوقت لتسوية بعض الملفات بين أمريكا وإيران    وفاة شاب وإصابة آخر في تصادم موتوسيكل وربع نقل بالفيوم    حملات مسائية مكبرة بأسواق وشوراع مدينة أسوان    وزير «التخطيط» يبحث مساهمات بنك الاستثمار القومي فى تمويل المشروعات التنموية    البابا تواضروس يجري اتصالا هاتفيا بفضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر للاطمئنان على صحته    كيف تحافظ على تركيزك في رمضان؟.. عادات يومية تعزز نشاطك الذهني    «الصحة» تفحص 9.3 مليون طفل ضمن مبادرة الكشف المبكر عن حديثي الولادة    أدعية ثاني جمعة من رمضان.. كلمات رجاء بالرحمة والمغفرة    التضامن تنظم حفل سحور للعاملين بالوزارة والهيئات التابعة    عمرو خالد: مهما كانت ذنوبك.. سورة التوبة تفتح لك أبواب العودة إلى الله    محاكمة عاطل بتهمة الاتجار في المواد المخدرة بالساحل| غداً    عيار 21 الآن فى مصر.. آخر تحديث لأسعار الذهب اليوم الجمعة    من كل الجنسيات إلى مائدة واحدة... الأزهر يرسم لوحة إنسانية في رمضان    السيد البدوي: صحيفة الوفد ملك المصريين ولن يقتصر دورها على نشرة حزبية    في ذكرى العاشر من رمضان.. رئيس جامعة المنوفية يحيي بطولات القوات المسلحة    موعد اذان العصر.... تعرف على مواقيت الصلاه اليوم الجمعه 27 فبراير 2026 فى المنيا    حرصا على سلامة المصلين.. أوقاف جنوب سيناء تكثف جهودها في نظافة المساجد    بث مباشر.. الرئيس السيسي يؤدي صلاة الجمعة بمسجد المشير طنطاوي    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



«صحاب الأرض» شهادة حية على الصمود فى مواجهة حرب الإبادة
نشر في بوابة أخبار اليوم يوم 27 - 02 - 2026

«منة شلبى جسّدت ببراعة صورة للأطباء الذين عبروا الحدود ليقاوموا الموت بأدوات شحيحة وإمكانات شبه معدومة».
«المسلسل أعاد تعريف العلاقة بين المشاهد والحدث، وجعلنا شهوداً على مأساة نحملها فى وعينا وذاكرتنا كجزء من التجربة الإنسانية الكبرى».
فى لحظة استثنائية تتقاطع فيها الدراما مع الواقع، يأتى مسلسل «صحاب الأرض» ليضعنا فى قلب المأساة، ويجرّنا إلى حياة تُسحق تحت القصف والإبادة. ينسج حكايات حب وصراع فى قلب الحرب، مستلهمًا الواقع، ومقدّمًا القضية الفلسطينية من زاوية وجدانية تركز على الإنسان المُمزّق بين الموت والصمود والأمل، وعلى أرواح تصارع لتبقى حاضرة وسط العتمة. هنا تتحوّل الدراما إلى فعل مقاومة، وسلاحٍ فنى يواجه التواطؤ والزيف بالصورة، ويقاوم النسيان بالذاكرة، ليصبح الفن وثيقة حيّة على زمن يقاوم الموت، وأحداث يراد محوهما من سجلّ التاريخ.
اقرأ أيضًا| مؤلف «صحاب الأرض» يكشف سر انزعاج الأوساط الإسرائيلية من المسلسل
لا يكتفى العمل بتصوير الواقع بكل بشاعته، بل يمنح الألم والفقد والوجع روحًا ووجهًا وصوتًا، ويكسوها إيقاع إنسانى يجعلنا نعيش داخل الحكايات، وترتجف قلوبنا وضمائرنا من هول ما نرى. ولا يقدّم مشاهد الصراع اليومى - من حصار وتجويع وقتل وسرقة للجثامين- بوصفها عناصر توثيقية فحسب، بل كجزء من سردية إنسانية تجعل الإصرار على البقاء فعلًا بطوليًا، والتمسّك بالأمل شكلًا من أشكال الانتصار..
هذه المقاربة تمنح العمل خصوصيته، وتجعله مغامرة درامية وأخلاقية تشكّل منعطفًا فى الدراما العربية، كأحد أوائل الأعمال التى تناولت الغزو الإسرائيلى والمجازر بعد السابع من أكتوبر، لا بوصفها مادة سياسية مباشرة، بل باعتبارها مأساة إنسانية تمسّ الضمير الجمعي، وتتجاوز حدود النزاع الجغرافى.
الحياة تحت الحصار
يعيد «صحاب الأرض» تعريف العلاقة بين المشاهد والأحداث؛ ويجعلنا شهودًا على مأساة نحملها فى وعينا وذاكرتنا كجزء من التجربة الإنسانية الكبرى. ذلك من خلال نص متماسك للكاتب عمار صبري، يراهن على العمق ويتجنّب فخ الخطابة المباشرة، ويعتمد على بناء شخصياتٍ ذات عمق نفسي، تتنفس داخل سياقها، فى بناء درامى لا يتعامل مع الحدث السياسى كخلفية صاخبة، بل كبيئة تصوغ مصائر الشخوص وتختبر خياراتها الأخلاقية.
اقرأ أيضًا| الناقد الفني عصام زكريا يشيد ب«صحاب الأرض»: تجربة جريئة ومميزة
هكذا تتحول المأساة من حدث عام إلى حكايات فردية تعكس، فى مجموعها، صورة جماعية أكثر تأثيرًا. وتصبح التجربة الإنسانية نفسها محور السرد، لا مجرد وقائع خلال الحرب.
تكمن قوة السيناريو فى قدرته على التوازن بين السرد الإنسانى والتوثيق الواقعي، ومنح الأحداث إيقاعًا داخليًا متدرجًا يتيح للمشاهد التورّط وجدانيًا فى التجربة. كما يركّز على التفاصيل اليومية تحت الحصار، محولًا إياها إلى لحظاتٍ مشحونة بالمعنى، دون الوقوع فى التقريرية أو فقدان البعد الجمالي.
تكامل بصرى وسمعى
يضع المخرج بيتر ميمى بصمته عبر لغة بصرية متوترة، لكنها منضبطة ومحسوبة. تتجاور الكاميرا المحمولة وسط الركام مع لقطات شاعرية خاطفة تسمح للضوء بالتسلّل من بين شقوق العتمة. هذا التداخل بين القسوة الواقعية والحس الجمالى يمنح العمل توازنًا دقيقًا، فلا يترك المتلقى أسير الدمار وحده، ولا يندفع نحو ابتزاز عاطفى مباشر.
تعتمد اللغة البصرية على استخدام الإضاءة والظلال كأدوات دلالية تعكس ثنائية الحياة والموت، الركام والوجوه، الظلام والضوء، لتجعل الصورة نفسها خطابًا إنسانيًا يتجاوز حدود المكان والزمان. ولا يطغى الإيقاع البصرى على النص، بل يتحاور معه فى علاقة تكامل؛ فالصورة لا تشرح الكلمات، بل توسّعها وتحولها إلى تجربة حسّية. ولا يكتفى بتأملها من الخارج. فيما تتسلل الموسيقى بهدوء لتضاعف الإحساس بالحصار والانتظار، من دون أن تصادر حق الصمت فى التعبير.
اقرأ أيضًا| ناقد فني: «صحاب الأرض» يعكس الواقع الفلسطيني بدقة ويعزز القوة الناعمة المصرية
وتبلغ هذه اللغة ذروتها فى تكامل عناصر العمل الفنية. تتجلى براعة مدير التصوير حسين عسر فى تحويل الكاميرا إلى شاهد حيّ، يتحرك بين الركام ويقترب من الوجوه المُرهقة، فيجعل المشاهد شريكًا لا متفرجًا. ويعزّز هذا الإحساس مهندس الديكور على حسام، الذى نقل تفاصيل الواقع الإنسانى لسكان غزة بصدق لافت؛ فالبيوت المُدمّرة، والمستشفيات المُنهكة، ومدارس الإيواء، والخيام المتلاصقة، لم تكن مجرد خلفيات، بل فضاءات تختزن ذاكرة الألم.
أما موسيقى أمين بوحافة فجاءت مشحونة بعاطفة وطنية هادئة وغير مباشرة، تتنفس مع الإيقاع الدرامى وتضاعف أثر المشهد فى الوجدان. وتمتد أغنية التتر بصوت أمير عيد وبمشاركة ناى برغوثى كخيط عاطفى يرافق العمل، لتتحوّل الموسيقى إلى مساحة مقاومة ناعمة توازى الصورة فى تأثيرها.
طبيبة تصافح الموت
منة شلبى فى شخصية «سلمي» تقدم أداءً داخليًا متماسكًا يقوم على الاقتصاد فى الانفعال، كاشفةً التصدّع النفسى لطبيبة تصافح الموت كل يوم. إنسانة تؤجّل انكسارها كى تنقذ آخرين، وتخاطر بحياتها فى ظروف قاسية. تبنى حضورها من تفاصيل دقيقة: ملامح مُنهكة، صوت متهدّج، عينان تراقبان الخراب بدهشة ممزوجة بالخوف.. قوة أدائها لا تكمن فى تمثيل الألم، بل فى كبحه؛ فى تلك المسافة الحرجة بين الواجب المهنى والجرح الشخصي. بذلك تتحول الشخصية إلى رمز للأمل وسط الخراب، بعيدًا عن التمجيد الزائف أو التنميط.
المقاومة فى وجه الانكسار
يجسد إياد نصار شخصية «ناصر» نموذجًا يختزل مأساة الحصار. شاب يسعى لإنقاذ ابن أخيه، وكأن إنقاذ روح واحدة يعادل إنقاذ العالم. تتحول رحلته إلى مرآة مكثفة لمعاناة عائلات كاملة، حيث يصبح الوصول إلى دواء أو ممر آمن فعلًا أقرب إلى المعجزة.
يحمل الأداء ثنائية المقاومة واليأس، ويجمع بين الانكسار الداخلى والقوة الظاهرة، بلغة جسد متوترة ونبرات صوتية صادقة تمنح الشخصية مصداقيتها. وتحوّلها إلى رمز للصراع الإنسانى بين الرغبة فى الاستمرار والخوف من الفناء.. التفاعل بين «سلمى» و«ناصر» يشكّل العمود الفقرى للسرد؛ فهى تمثل ضمير الواجب الإنسانى فى أقصى تجلياته، وهو يجسد إرادة البقاء حين تصبح الحياة هدفًا نهائيًا. وتتسع الدائرة مع حضور كامل الباشا وآدم بكرى وتارا عبود، الذين يضيفون تنوعًا وصدقًا إلى النسيج الدرامي، حيث تتكامل الشخصيات لتشكّل لوحة إنسانية متكاملة.
الانتصار على الأرقام
لا يمنح «صحاب الأرض» انتصارًا عسكريًا، ولا يعد بخلاص قريب، لكنه يحقق انتصارًا للإنسان. فلا يقدّمه رقمًا فى نشرة أخبار، ولا صورة عابرة فى مشهد دمار، بل يقدمه ككائن حى له ملامح وصوت، ذاكرة وخوف وأمل. يعيد للضحايا أسماءهم، ويمنحهم مساحة للسرد، كاسرًا منطق الإحصاء الذى يختزل المأساة فى أرقام متصاعدة. حيث يصبح وراء كل رقم قصة حياة، وخلف كل روح حكاية تستحق أن تُروى. فلا يكون الموت رقمًا يُضاف إلى قائمة، بل يُعد غيابًا موجعًا لحياة كانت تنبض.
بهذا المعنى، ينجح المسلسل فى إعادة الاعتبار للإنسان داخل الكارثة الجماعية، ويؤكد أن القيمة الحقيقية لأى دراما لا تكمن فى ضخامة الحدث، بل فى قدرتها على حماية المعنى الإنسانى من الاختزال. إنه ليس عملًا موسميًا عابرًا، بل تجربة اقتحمت منطقة ظلّت مغيّبة طويلًا فى الدراما العربية.
إذا كان البقاء على قيد الحياة فى غزة شكلًا من أشكال الانتصار، فإن رواية هذه الحكاية فنيًا هى أيضًا انتصار للفن، الذى يثبت أنه قادر على أن يكون شاهدًا وفاعلًا فى آنٍ واحد.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.