في موسم رمضان 2026، يبرز مسلسل "صحاب الأرض" كواحد من الأعمال القليلة التي تحمل بعدًا إنسانيًا وسياسيًا في آن واحد، متجاوزًا حدود الترفيه التقليدي ليصبح شهادة درامية على المعاناة اليومية للشعب الفلسطيني في قطاع غزة. العمل، الذي تمتد أحداثه على 15 حلقة، لا يكتفي بسرد مأساة الحرب، بل يغوص في التفاصيل الإنسانية للنزاع، من خلال رحلة شخصيات تتقاطع حياتهم وسط أهوال القصف، لتكشف عن صمود غير مسبوق، وعن الأمل، وعن قيمة التضامن الإنساني. في قلب الأحداث، نجد سلمى شوقي- منة شلبى- ، طبيبة مصرية تعمل في قسم الحالات الحرجة، وتشارك ضمن قافلة الإغاثة المصرية، شخصيتها ليست مجرد نموذج للبطل النقي، بل تجسد التحدي النفسي والعاطفي الذي يواجه العاملين في مناطق النزاع: الصراع بين الواجب الإنساني والخطر الشخصي، والإحباط الناتج عن الخسائر المتكررة، والرغبة المستمرة في تقديم المساعدة رغم محدودية الموارد. على الجانب الآخر، يجسد إياد نصار شخصية "ناصر" رجل فلسطيني يعيش صراعًا وجوديًا يوميًا، محاولًا حماية عائلته والبقاء على قيد الحياة في بيئة دموية مليئة بالخطر. هنا يظهر العمل كدراسة حية لعلم النفس في أوقات الحرب:الخوف، الغضب، الرغبة في البقاء، والتمسك بالكرامة، كلها عناصر تجتمع لتخلق شخصية معقدة وواقعية، تتجاوز الصورة النمطية للشخصية الفلسطينية في الإعلام. تقاطع مسار سلمى مع رحلة الرجل الفلسطيني لإنقاذ ابن شقيقه تحت القصف يخلق نقطة محورية في العمل، حيث تنشأ علاقة إنسانية عميقة تحمل رسائل عن التضامن بين الشعوب، وعن الدور المصري الإنساني في دعم القضية الفلسطينية. هذه العلاقة لا تقتصر على الرومانسية، بل تصبح رمزًا للإنسانية المشتركة والالتزام الأخلاقي أمام مآسي الحرب. ما يميز "صحاب الأرض" عن أعمال سابقة تناولت الصراع الفلسطيني هو دمجه بين الحس الوثائقي والتصوير الإنساني المكثف. المسلسل لا يقدم القصف كخلفية فقط، بل يجعله محركًا أساسيًا للأحداث، مع التركيز على صمود المدنيين والمقاومة اليومية للحياة وسط الركام. شخصيات أخرى مثل كامل الباشا، عصام السقا، تارا عبود، ريم رأفت، وآدم البكري تضيف طبقات إنسانية متنوعة، حيث تتشابك المصالح والخوف والأمل، ما يمنح العمل ثراءً دراميًا يبتعد عن التبسيط أو الخطابية. المخرج بيتر ميمي يبرز قدرته على تحويل الحرب إلى تجربة سينمائية واقعية دون تهويل، استخدام الكاميرا المتحركة، واللقطات القريبة، والإضاءة الطبيعية، يجعل المشاهد يعيش التجربة كما لو كان داخل الحدث، الموسيقى التصويرية بدورها لا تعمل كخلفية فقط، بل كأداة نفسية تعمّق الإحساس بالتوتر أو تمنح لحظات الأمل مساحتها الهادئة. ولا يمكن النظر إلى "صحاب الأرض" بمعزل عن الدور الذي تلعبه الدراما في كتابة التاريخ، خاصة بعد أحداث السابع من أكتوبر وما تبعها من تصعيد غير مسبوق في غزة، ففي أزمنة الحروب، لا يُكتب التاريخ فقط عبر البيانات الرسمية أو التقارير الإخبارية، بل عبر الحكايات الإنسانية التي تحفظ تفاصيل الحياة اليومية تحت القصف: طبيب يحاول إنقاذ ما يمكن إنقاذه، طفل يبحث عن والده، أم تتمسك بأمل النجاة، هنا تتحول الدراما إلى ذاكرة موازية، تسجل ما قد يُهمل في السرد السياسي، وتمنح الضحايا أسماء ووجوهًا بدل أن يكونوا أرقامًا في نشرات الأخبار. إن تناول غزة بعد 7 أكتوبر دراميًا لا يعني إعادة إنتاج الحدث، بل إعادة صياغته إنسانيًا، ووضع المشاهد أمام مسؤوليته الأخلاقية، وبهذا المعنى، تصبح الدراما أداة مقاومة ثقافية، تحافظ على الرواية الإنسانية من الاختزال أو النسيان، وتؤكد أن الفن قادر على أن يكون شاهدًا على العصر، لا مجرد انعكاس عابر له. "صحاب الأرض" ليس مجرد مسلسل رمضاني، بل تجربة درامية توثيقية، تتقاطع فيها السياسة بالحياة اليومية، والحرب بالتفاصيل الصغيرة، ليقدم نموذجًا متقدمًا للدراما الإنسانية. عمل يجعل المشاهد لا يكتفي بالمشاهدة، بل يعيش الألم، ويتأمل الصمود، ويدرك أن وراء كل مشهد حرب حكاية إنسان تستحق أن تُروى وتُحفظ في ذاكرة الزمن.