كان قرار الرئيس محمد أنور السادات، باختيار يوم العاشر من رمضان، لحظة عبقرية فارقة فى تاريخ الحروب، ولم يكن مجرد مصادفة، بل نتيجة رؤية استراتيجية عميقة جمعت بين العلم العسكرى، والحسابات السياسية، واستثمار الروح المعنوية للشعب والجيش معًا، وأدرك أن الحرب ليست أسلحة وجبهة فقط، بل معنويات وإرادة وإيمان بالحق. كان التوقيت محسوبًا بدقة علمية غير مسبوقة، واعتمد على دراسات دقيقة لحركة المد والجزر فى قناة السويس، وعلى حسابات ضوء القمر التى تتيح تنفيذ العبور ليلًا مع توفير غطاء من الظلام لتحركات القوات، ودراسة الظروف الجوية وطبيعة الأرض، لضمان أعلى نسبة نجاح فى عملية العبور وتحطيم خط بارليف، وهو ما جَسَّد عبقرية التخطيط العسكرى المصرى. وكان عنصر المفاجأة سلاحًا نفسيًا حاسمًا، وتزامن مع عيد الغفران فى إسرائيل، وهو أقدس أعيادها، حيث تتوقف الحياة العامة وتتراجع جاهزية الجيش بسبب العطلة، وهذا التوقيت أربك القيادة الإسرائيلية وأبطأ استدعاء قوات الاحتياط، مما منح الجيش المصرى فرصة ذهبية لتحقيق اختراق استراتيجى مبكر قلب موازين المعركة. وكان شهر رمضان المبارك، مصدر قوة روحية استثنائية للجندى المصرى، ولم يكن المقاتل يخوض المعركة بالسلاح فقط، بل بالإيمان والصبر واليقين، وتَحَوَّل الصيام إلى تدريب عملى على التحمل والانضباط وضبط النفس، وهى قيم جوهرية فى ساحات القتال، وشعر الجنود بأنهم يؤدون واجبًا مُقدسًا، وارتفعت الروح المعنوية إلى مستويات غير مسبوقة. وكان التاريخ الإسلامى حاضرًا فى وجدان المقاتلين، فزادهم ثقة بالنصر، واستلهم الجنود ذكرى غزوة بدر وغيرها من انتصارات رمضان وشعروا بأنهم امتداد لمسيرة طويلة من البطولات، وارتبط شعار «الله أكبر» بعبور القناة وتحطيم التحصينات، فصار رمزًا للإرادة التى لا تُقهر، وزلزل حصون العدو نفسيًا قبل أن يهزمه عسكريًا. وكانت وحدة الصف المصرى والعربى أحد أسرار النجاح، وعززت الصلاة والإفطار الجماعى روح الإخوة بين الجنود، فتحولوا إلى جسد واحد يقاتل بعقيدة واحدة، هذا التلاحم جعل التضحية شرفًا، والموت فى سبيل الوطن طريقًا إلى الخلود، فكانت الجُرأة والإقدام سمة أساسية فى أداء القوات. كانت حرب العاشر من رمضان، استعادة للكرامة قبل الأرض، وأعادت الحرب سيناء إلى حضن الوطن، لكنها قبل ذلك أعادت لمصر والعرب الثقة فى القدرة على الانتصار، وأثبتت أن الإرادة الشعبية إذا اقترنت بالتخطيط العلمى والقيادة الواعية تستطيع أن تصنع المعجزات، وأن الأمة التى تؤمن بحقها لا يمكن أن تُهزم. ويظل العاشر من رمضان، شاهدًا على عبقرية القيادة وقوة الإرادة الشعبية، وكتب السادات والجيش المصرى، صفحة خالدة فى التاريخ، ليبقى النصر العظيم رسالة للأجيال القادمة بأن التخطيط والإيمان والوحدة، مفاتيح القوة الحقيقية، وأن مصر حين تغضب وتتوحد، فإنها تصنع التاريخ وترفع رأس الأمة عاليًا.