لم تبدأ الحرب برصاصة، بل بدأت بصمت... صمتٍ طويلٍ عاشتْه الجبهة سنوات، حتى ظنَّ العدو أنه أحكم السيطرة على الضفة الأخرى، وأن الرجال الواقفين خلف الساتر الترابى مجرد أرقام فى تقارير الاستطلاع بينما كانت الحقيقة تُصاغ فى هدوء؛ تدريبات شاقة لا تتوقف، استعدادات تُدار فى سرية تامة وفق خطة خداع محكمة، وإرادة تُبنى يومًا بعد يوم انتظارًا للحظة الحسم. اقرأ أيضًا | مفتى الجمهورية يهنئ الرئيس والشعب بذكرى انتصارات العاشر من رمضان فى ظهر العاشر من رمضان، والجميع صائمون... تغيّر كل شىء. قبل الثانية ظهرًا بدقائق، كان الجنود ينهون رسائل قصيرة لم تُرسل، يربط أحدهم خوذته بإحكام، ويُخفى آخر صورة أطفاله داخل جيب بدلته العسكرية. تفاصيل إنسانية صغيرة بدت عادية، لكنها كانت تختزن ما هو أكبر من الكلمات؛ جندى يعيد ربط حذائه أكثر من مرة، آخر يمرر يده على صورة أمه، وثالث يطلب من زميله للمرة الأخيرة أن يطمئن أهله إذا لم يعد. لم يكن أحد منشغلًا إلا بالواجب. ثم جاء الصوت... لم يكن صوت المدفعية أولًا، بل صوت القرار الذى انتظرته أمة كاملة بعدها بدقائق، انفتحت السماء بالنيران، وتحول هدوء القناة إلى أعنف ضجيج عرفته المنطقة منذ سنوات. لم تعد المياه فاصلًا بين أرضين، بل طريقًا مفتوحًا لمن قرروا أن المستحيل مجرد فكرة. لم يكن الحديث عن الموت حاضرًا، لأن الاستعداد كان للشهادة أو للنصر وفى تلك اللحظة، دوّى الأذان بطريقة مختلفة؛ لم يكن أذان مغرب، بل أذان عبور. كل بيت فى مصر كان حاضرًا هناك دون أن يدرى؛ أمّ ترفع الدعاء قبل المغرب، أب يتابع الراديو بترقب، طفل لا يفهم لماذا يبتسم الكبار ودموعهم تسبق كلماتهم وعلى الجبهة، كان جنود صائمون يقاتلون فى توقيت لم يختره العدو، لا زمنًا ولا روحًا. ومع كل شبر يُحرَّر، لم تكن الأرض وحدها تعود، بل كان يعود معها الإحساس بأن القرار المصرى يُنفَّذ، وأن الجندى الذى يقاتل دفاعًا عن وطنه يملك ما هو أقوى من السلاح: يقين العودة أو الشهادة. هنا نتوقف أمام يوم لم يكن مجرد بداية عملية عسكرية فى السادس من أكتوبر 1973، الموافق العاشر من رمضان، بل بداية زمن جديد فى دقائق قليلة تحولت القناة من مانع مائى إلى طريق، ومن خط دفاع إلى خط رجعة للعدو، ومن انتظار طويل إلى فعل حاسم. عبرت القوارب أولًا، ثم الرجال... وبرفقتهم التاريخ نفسه، لتنطلق معركة كرامة امتد عمرها سنوات. لم يكن أبطالها أسماءً فى سجلات عسكرية فحسب، بل أبناء بيوت مصرية عادية: موظف، طالب، فلاح، عامل... قرروا فى لحظة واحدة أن الوطن يستحق أن يُسترد وهم صائمون. فى السطور التالية نحكى ما لم يُحكَ... عن رجال قاتلوا صائمين، فأفطروا على النصر، وأفطر وطن كامل على الكرامة. اللواء د. محمد الغبارى: العلم والتخطيط.. كلمة السر فى صناعة النصر أكد اللواء الدكتور محمد الغبارى، مدير كلية الدفاع الوطنى الأسبق بالأكاديمية العسكرية للدراسات العليا والاستراتيجية وأحد أبطال أكتوبر، أن انتصار العاشر من رمضان لم يكن وليد لحظة، بل ثمرة استراتيجية قومية متكاملة استفادت من دروس 1967، وأعادت توظيف قوى الدولة الشاملة سياسيًا واقتصاديًا وعسكريًا واجتماعيًا. وقال إن القيادة السياسية أعادت بناء الدولة وفق مفهوم الأمن القومى الشامل، معتمدة على تعبئة الكتلة الحيوية للشعب، وبناء اقتصاد قادر على دعم «اقتصاد حرب»، وتطوير القدرة العسكرية، وتهيئة الجبهة الداخلية نفسيًا ومعنويًا، وأضاف أن الإعداد للحرب جرى عبر ستة محاور رئيسية شملت: الإعداد السياسى، وبناء الاقتصاد الوطنى، وإعداد القوات المسلحة، وتجهيز مسرح العمليات، وتهيئة الشعب لقرار الحرب، ونشر الوعى الوطنى عبر مؤسسات التعليم والإعلام، بدعم وطنى واضح من الأزهر والكنيسة.وشدد الغبارى على أن إدارة الأزمة بين 1967 و1973 تمت بأسلوب علمى حديث، من خلال إنشاء مجلس الدفاع الوطنى والمجلس الأعلى للقوات المسلحة، وتحديد واضح لاختصاصات القيادة والسيطرة، بما وفر آلية مؤسسية لاتخاذ قرار الحرب وفق دراسة دقيقة لعوامل القوة والضعف. اقرأ أيضًا | فى الذكرى ال53 لانتصار العاشر من رمضان ..حاربوا وهم صائمون وأفطروا على النصر واستعادة الكرامة تدريب وتأهيل وعن إعادة بناء القوات المسلحة، أوضح أن العمل بدأ فور توقف القتال فى يونيو 1967، بإعادة التنظيم وتشكيل الجيشين الثانى والثالث الميدانيين، وإنشاء قيادة مستقلة لقوات الدفاع الجوى، إلى جانب تشكيل مناطق عسكرية إقليمية، وتطوير شامل للتعليم والتدريب. وأضاف أن التدريب القتالى قام على مبدأين حاسمين: التدريب على كل ما هو ضرورى للحرب، والتدريب على مسارح مشابهة لمسرح العمليات. «كان لدينا مانع مائى وساتر ترابى يجب اقتحامهما، فتدربنا على العوم، وصعود الساتر، والقتال فور بلوغ القمة بأكبر قدر من الجهد المتبقى»، مؤكدًا أن قانونهم كان واضحًا: «العرق فى السلم يوفر الدم فى الحرب». وأشار إلى أن بعض المجندين استمروا فى الخدمة لسبع سنوات كاملة، إيمانًا بأن معركة التحرير قادمة لا محالة، وأن الصبر جزء من النصر. بطولات فى الميدان وكشف الغبارى عن وقائع بطولية تجسّد معدن الجندى المصرى، من بينها تكليف إحدى السرايا باقتحام نقطة حصينة كانت تطلق الصواريخ على الإسماعيلية خلال حرب الاستنزاف. «بفضل التخطيط السليم وبسالة الجنود، تم اقتحامها من اتجاه لم يتوقعه العدو، ففرّ جنودها رغم تحصيناتها القوية»، مؤكدًا أن الجندى المصرى لا يخشى الموت فى سبيل الوطن. وروى موقفًا آخر أثناء عبور القناة، حين تعرض جزء من كوبرى عبور الدبابات لعطل مفاجئ، فقفز أحد الجنود إلى المياه دون أوامر لإصلاح الخلل تحت النيران، معرضًا حياته للخطر. وبعد إنقاذه، بكى لأنه كان يتمنى الشهادة. «هذا هو الجندى المصرى.. التضحية عنده فعل تلقائى». «روح أكتوبر».. منهج عمل ويختتم اللواء الغبارى حديثه بالتأكيد على أن «روح أكتوبر» ليست شعارًا احتفاليًا، بل منهج علمى فى التخطيط والإدارة، قائم على وضوح الهدف، وحشد الإمكانات، وتكامل مؤسسات الدولة، والعمل بصبر حتى تحقيق النتائج. وأضاف أن ذكرى العاشر من رمضان تمنحه شعورًا بالفخر للانتماء إلى جيل حمل مسئولية الإعداد والتنفيذ، لكنه يختلط دومًا باستحضار الشهداء الذين قدموا أرواحهم ثمنًا للنصر. «كل احتفال بأكتوبر هو فى جوهره عهد جديد بالحفاظ على ما تحقق، واستلهام منهج النصر فى كل معركة تنمية وبناء». فى العاشر من رمضان لم يكن العبور مجرد عملية عسكرية ناجحة، بل إعلان بأن الإرادة حين تُدار بعلم، ويصطف خلفها شعب، تتحول إلى قوة تغير مجرى التاريخ. اللواء محمد هلال: صيام تحت دوى القذائف وأزيز الطائرات لم يكن العاشر من رمضان عام 1973 يومًا عاديًا فى تاريخ العسكرية المصرية، ولا فى وجدان الأمة. فى ذلك اليوم اجتمع الصيام والقتال، الإيمان والتخطيط، الروح والعلم. وبين جنود عبروا القناة تحت القصف، وقف رجال تخصصوا فى مواجهة أخطر أنواع التهديد: رجال سلاح الحرب الكيميائية. من بينهم اللواء محمد أحمد هلال، الذى كان وقتها برتبة رائد بسلاح الحرب الكيميائية وشهد بنفسه اللحظات الأولى للعبور. قبل العبور... معركة غير مرئية يقول اللواء هلال إن المعركة لم تبدأ بإطلاق قذائف اللهب او المدافع، بل بدأت فى غرف التخطيط، حين وضعت القيادة العسكرية كل الاحتمالات، بما فيها لجوء العدو إلى إشعال سطح قناة السويس لمنع القوات المصرية من العبور. كانت إسرائيل قد أعدت شبكة أنابيب من غاز النابالم أسفل المياه لضخ مواد بترولية وإشعال القناة . الهدف كان واضحًا: تحويل المانع المائى إلى جدار من اللهب. "مهمتنا فى سلاح الحرب الكيميائية كانت أن نُفشل هذا السيناريو بالكامل"، هكذا يروى هلال. تم تطوير وسائل مقاومة للحريق لتأمين قوارب العبور، كما تم التعامل مع فتحات الأنابيب وسدها بطرق هندسية دقيقة. ويؤكد أن نجاح هذه المهمة كان حاسمًا؛ لأن إشعال القناة لو تم، لأثر بشكل مباشر على موجات العبور الأولى. لحظة فاصلة فى تمام الساعة الثانية والثلث ظهرًا، انطلقت الضربة الجوية، وبدأت المدفعية تمهد الطريق. كان هلال ورفاقه فى مواقعهم بسيناء يؤدون دورهم فى تأمين مسرح العمليات من أى مفاجآت كيميائية أو حرارية.. ويصف المشهد قائلاً: "كنا نرى القناة أمامنا، ونعلم أن خلف كل موجة قادمة آلاف الجنود ينتظرون طريقًا آمنًا للعبور. لم يكن مسموحًا أن نفشل". صيام تحت أزيز القذائف رغم صدور فتوى تجيز الإفطار للمقاتلين، نظرًا لمشقة القتال والسفر، تمسك كثير من الضباط والجنود بالصيام. يقول هلال إن الأمر لم يكن استعراضًا، بل قناعة داخلية بأن الصيام يمنح صفاءً نفسيًا وتركيزًا أعلى. "لم يكن أحد يلوم من أفطر، فالرخصة الشرعية كانت واضحة، لكن كثيرين اختاروا أن يجمعوا بين الجهادين؛ جهاد النفس وجهاد العدو"، والمفاجأة ان الضباط والجنود المسيحيين كانوا صائمين رافضين الإفطار أيضا. ويضيف أن لحظة أذان المغرب فى مواقع القتال كانت مختلفة؛ تمر دقائق قصيرة يتناول فيها الجندى تمرات أو جرعة ماء، ثم يعود فورًا إلى موقعه. "لم يكن الإفطار نهاية اليوم، بل استراحة قصيرة فى قلب المعركة". حماية العبور لم يقتصر دور رجال الحرب الكيميائية على إبطال خطة إشعال القناة، بل امتد إلى تأمين قوات العبور من أى استخدام محتمل لأسلحة غير تقليدية، ومتابعة القياسات والتحاليل الميدانية، وضمان سلامة الأفراد والمعدات. ويشير هلال إلى أن نجاح هذه المهام أسهم فى أن تعبر أولى تشكيلات المشاة دون خسائر تُذكر أثناء لحظة العبور، لترتفع الاعلام المصرية على الضفة الشرقية. روح لا تعرف الهزيمة يستعيد اللواء هلال القيم التى صاغت شخصيته العسكرية، قائلاً إن الجيش علّمه ألا يعرف اليأس، وألا يضع كلمة "هزيمة" فى قاموسه، وأن القوة لا تواجه إلا بالقوة، وأن مصر أمانة فى أعناق أبنائها.. ويؤكد أن المقاتلين كانوا يشعرون بأنهم على موعد مع لحظة تاريخية، بدليل الرسائل التى تركها بعضهم لأسرهم قبل بدء العمليات. "كانوا يقبلون على المعركة بحب حقيقى لمصر، لا بحثًا عن بطولة فردية". النصر لم يكن مصادفة يشدد هلال على أن ما تحقق فى أكتوبر لم يكن ضربة حظ، بل نتيجة إعداد علمى دقيق، ودراسة لكل تفصيلة مهما بدت صغيرة. "لم يُترك شىء للصدفة، كل احتمال تم وضعه فى الحساب، والحمد لله كان التوفيق حليفنا".. ويضيف أن العالم ما زال يدرس حرب أكتوبر كنموذج لإدارة معركة مركبة، جمعت بين المفاجأة والتخطيط، وبين الجرأة والانضباط.. فى ذكرى العاشر من رمضان، تبقى شهادة اللواء محمد هلال تذكيرًا بأن النصر لم يصنعه السلاح وحده، بل صنعته قلوب مؤمنة، وعقول مدبرة، وأيادٍ صائمة حملت البنادق، وانتظرت أذان المغرب.. على ضفةٍ أصبحت عنوانًا للكرامة.