- الدكتور سامح سرور خلال تصريحات ل"الشروق": تقديم الحضارة المصرية في صيغة تفاعلية تناسب بيئة البحث الحديثة وتسمح بإعادة قراءة التاريخ والتراث في ضوء أدوات العصر - سرور: لن يتم إتاحة التراث المصري بوصفه مادة للاستهلاك الثقافي فقط بل مصدرًا أوليًا للبحث والتحليل والدراسة الأكاديمية كشف المستشار الثقافي المصري بألمانيا وهولندا وبولندا والدول الإسكندافية، الدكتور سامح سرور، طبيعة افتتاح سفارة المعرفة التابعة لمكتبة الإسكندرية داخل المكتب الثقافي المصري في برلين، موضحا أن الافتتاح ليس مجرد مكتبة إلكترونية بالمعنى الضيق، بل منظومة رقمية مركبة تضم مستودع الأصول الرقمية، وأرشيف وصف مصر، وذاكرة مصر المعاصرة، والأرشيفات الرئاسية الرقمية، وأرشيف الصحافة المصرية، والذاكرة الرقمية لقناة السويس، إلى جانب مجموعات ضخمة من الصور التاريخية، والخرائط النادرة، والكتب المسموعة، والفيديوهات الوثائقية. وأكد سرور خلال تصريحات ل"الشروق"، أن الحضور الثقافي للدول في الخارج لم يعد يُقاس بعدد الفعاليات أو المعارض التي تُنظم، بل بقدرتها على إنتاج المعرفة وإتاحتها، وربط التراث بالبحث العلمي والتكنولوجيا الحديثة، مشيرا إلى أن افتتاح سفارة المعرفة ببرلين تدخل في إطار تأسيس بنية معرفية مصرية داخل الفضاء الأوروبي. وأضاف المستشار الثقافي ببرلين أن سفارة المعرفة نموذجًا معاصرًا للدبلوماسية الثقافية، يقوم على نقل المكتبة من كونها مكانًا جغرافيًا إلى منظومة رقمية مفتوحة، فزائر المكتب الثقافي المصري في برلين لا يدخل اليوم إلى مقر إداري فحسب، بل إلى بوابة رقمية متصلة بمحتوى مكتبة الإسكندرية بكامل ثقلها التاريخي والعلمي، بما تحتويه من كتب رقمية، ورسائل جامعية، ودوريات، وخرائط، وصور نادرة، ومواد سمعية وبصرية، وقواعد بيانات بحثية متخصصة. وتابع: تقليديًا ارتبط العمل الثقافي الخارجي بعرض الفنون أو تنظيم الأنشطة التعريفية، لكن سفارة المعرفة تنقل هذا الدور إلى مستوى أعمق، يقوم على إتاحة أدوات البحث ذاتها، فبدل أن يُقدَّم التراث المصري بوصفه مادة للاستهلاك الثقافي فقط، يصبح مصدرًا أوليًا للبحث والتحليل والدراسة الأكاديمية. وذكر أن هذا التحول يضع الثقافة المصرية داخل دائرة إنتاج المعرفة العالمية، لا في هامشها، فالباحث الألماني وغيره في التاريخ أو الفلسفة أو الدراسات الدينية لم يعد مضطرًا للاعتماد على مراجع ثانوية، بل يمكنه الوصول إلى الوثيقة، والصورة، والمخطوط، والخرائط الأصلية عبر المنصات الرقمية لمكتبة الإسكندرية المتاحة من خلال سفارة المعرفة. ونوه أن هذا التنوع في الوسائط يعكس تحول المكتبة من فضاء نصي إلى فضاء معرفي متعدد الوسائط، يخاطب الباحث الأكاديمي، والطالب، والمهتم بالثقافة، بل وصانع المحتوى أيضًا. وقال إنه وبالنسبة للجالية المصرية والعربية في ألمانيا، تمثل سفارة المعرفة أداة لإعادة الاتصال بالهوية الثقافية واللغوية في سياق أوروبي متعدد الثقافات. فهي توفر مصادر باللغة العربية، وتعيد ربط الأجيال الجديدة بالإنتاج الفكري المصري بعيدًا عن الصورة النمطية المختزلة للثقافة. واستطرد: لكن الأهم هو البعد الأوروبي للمشروع فالسفارة ليست موجهة فقط للمصريين، بل صُممت لتكون جسرًا معرفيًا يخدم الباحثين الألمان في مجالات مثل التاريخ، واللغة العربية، والفلسفة، والدراسات الدينية، والآثار، والأنثروبولوجيا، والدراسات المقارنة، والعلاقات الحضارية بين الشرق والغرب. وأكد على أن إتاحة المصدر الأصلي تخلق بيئة بحثية أكثر توازنًا، حيث ينتقل الباحث من التلقي إلى التفاعل مع النص والوثيقة والصورة من داخل السياق المصري ذاته، مضيفا أن افتتاح سفارة المعرفة في برلين يعكس انتقال السياسة الثقافية المصرية من منطق التمثيل إلى منطق الشراكة المعرفية، فالمكتب الثقافي لم يعد وسيطًا إداريًا فقط، بل فاعلًا معرفيًا داخل البيئة الأكاديمية الأوروبية. واستطرد: هذا يتسق مع الاتجاهات العالمية التي تنظر إلى المعرفة كأداة للقوة الناعمة، ليس عبر الخطاب، بل عبر المشاركة في إنتاج العلم والثقافة عالميًا، فحين توفر دولة مصادرها الرقمية للباحثين الأجانب، فإنها تدخل في صياغة الأسئلة البحثية ذاتها، لا في الإجابة عنها فقط. وأن اللافت في تجربة سفارة المعرفة هو الجمع بين التحول الرقمي والهوية الثقافية فالمشروع لا يكتفي برقمنة المحتوى، بل يعيد تقديم الحضارة المصرية في صيغة تفاعلية تناسب بيئة البحث الحديثة، وتسمح بإعادة قراءة التاريخ والتراث في ضوء أدوات العصر، ومن هنا، تتحول الحضارة المصرية من مادة محفوظة إلى مادة حية قابلة لإعادة التفسير، والتوظيف الأكاديمي، والإبداعي. وأضاف: لا يمثل افتتاح سفارة المعرفة في برلين مجرد إضافة لمكتب ثقافي، بل تأسيس منصة معرفية مصرية داخل أوروبا، تضع مكتبة الإسكندرية في قلب الشبكات البحثية الدولية، وتحوّل الدبلوماسية الثقافية إلى ممارسة قائمة على المعرفة، لا العرض فقط، وهي تجربة يمكن أن تعيد تعريف علاقة الثقافة المصرية بالعالم، من خلال الانتقال من الترويج إلى الشراكة، ومن التلقي إلى الإنتاج، ومن الجغرافيا إلى الشبكة الرقمية المفتوحة.