تدخل مصر عام 2026 وهى محاطة بأزمات إقليمية تهدد الأمن القومى بشكل مباشر، ومن ثم فمن المتوقع أن يكون عنوان سياستها الخارجية فى العام الجديد هو «إدارة المخاطر والأزمات»، بدلا من إعادة صياغة معادلات الإقليم وتحقيق تحولات كبرى. هذا ليس نعتًا سلبيًا بالضرورة، لكنه وصف واقعى لطبيعة اللحظة فى الشرق الأوسط والمنطقة العربية، حيث الإقليم شديد السيولة، والاقتصاد الداخلى ما زال تحت ضغوط كبيرة، ومراكز صنع القرار فى المنطقة تتحرك سريعًا وبأسلوب الصدمات وبأولويات متغيرة. فى مثل هذه البيئة، يصبح الإنجاز الخارجى فى كثير من الأحيان هو تجنب الخسائر، وحماية الخطوط الحمراء المتعلقة بالأمن، وإبقاء البلاد خارج دوائر الاستنزاف، لا جمع مكاسب رمزية سريعة. من المتوقع أن تتحرك السياسة الخارجية المصرية فى 2026 على مستويين متزامنين. المستوى الأول هو مستوى «الأمن القومى» بمعناه المباشر، حيث قضايا الحدود، والنزوح، والتهريب، والإرهاب. أما المستوى الثانى فهو مستوى «الأمن الاقتصادى»، حيث ملفات محورية مثل قناة السويس، والاستثمارات الداخلية والخارجية، والسياحة، واستقرار العملة. هذا التداخل يجعل السياسة الخارجية المصرية أقل رومانسية وأكثر تقنية، أقل فى جرعة الخطابة وأكثر اهتمامًا بالتفاصيل. • • • غزة تلامس الأمن القومى بصورة مباشرة؛ ليس فقط عبر الحدود، بل عبر سؤال النزوح والتهجير القسرى، والأساليب الإسرائيلية الملتوية فى هذا الصدد، وهو الأمر الذى تعتبره مصر تهديدًا استراتيجيًا لا يمكن قبوله مهما كانت الضغوط أو المغريات. فى 2026، المعركة ليست فقط فى استمرار وقف إطلاق النار الهش، بل فى صناعة مرحلة ما بعد الحرب: من يحكم غزة؟ كيف سيتم إدارة المعابر؟ من يملك قرار الأمن الداخلى فى غزة؟ ما مصير الفصائل الفلسطينية وأسلحتها؟ وكيف تُصمَّم عملية إعادة الإعمار بحيث تحقق استقرارًا طويل الأمد؟ المأزق هنا أن كل الحلول المطروحة لها أثمان متفاوتة. فإدارة القطاع بترتيب دولى أو إقليمى قد توفر تمويلًا وغطاءً سياسيًا مطلوبًا، لكنها ستثير حساسيات تاريخية متعلقة بالقضية الفلسطينية، مثل السيادة ومعناها وحدودها ومن يمثل الفلسطينيين، ومن ثم تفتح بابًا واسعًا للاتهام بأن مستقبل غزة يتم خارج الإرادة الفلسطينية، وكما جرت العادة تكون مصر دائمًا فى دائرة الاتهام. لكن فى المقابل، فإن ترك مصر الأمر لتوازنات القوة على الأرض من دون ترتيب سياسى واضح يعنى أن الهدنة ستظل هشة، وأن الانفجار القادم هو مجرد مسألة وقت. لذلك تميل مصر إلى سياسة عملية تسعى إلى تثبيت الهدنة كأولوية قصوى، ثم التعامل مع قضية «الحوكمة» بوصفها مسارًا تدريجيًا يتم هندسته على عدة مراحل. تدير مصر هذا الملف وهى مدركة لتدهور الأوضاع الإنسانية فى القطاع، لأن مصر – على النقيض من إسرائيل والولاياتالمتحدة – تدرك بالخبرة أن البعد الإنسانى هنا ليس منفصلًا عن البعد السياسى، بل هو محور الأخير. فكل تشدد فى دخول المساعدات من الطرف الإسرائيلى يزيد الغضب، ومن ثم يزيد من احتمالات الانفجار والفوضى، ويضغط على مصر بوصفها بوابة أساسية للقطاع. فى 2026 ستظل سياسة القاهرة واضحة، حيث لا تهدئة مستقرة، ولا بناء أمنى أو سياسى فى القطاع ممكن من دون تدفق مساعدات كافية لأهل القطاع، ولا إعادة إعمار قابلة للحياة من دون معبر يعمل وفق قواعد تمنع الفوضى وفى الوقت نفسه لا تخنق المجتمع. • • • فى البحر الأحمر وقناة السويس، هناك تحدٍّ آخر، ألا وهو أمن الملاحة. فالأمر مسألة دخل قومى واستقرار ميزان مدفوعات، أى إنه أمن قومى اقتصادى فى المقام الأول. حين تضطرب الملاحة، تخسر القناة، ومن ثم تخسر مصر دخلًا معتبرًا، ويتأثر الاقتصاد الداخلى. لذلك تتعامل مصر مع ملف البحر الأحمر على أنه ملف سيادة وموارد فى آن واحد. فى 2026 ستعمل القاهرة على هدف محدد: استعادة ثقة شركات الشحن، لا مجرد خفض عدد الحوادث. ومن ثم على مصر أن تدير هذا الملف بسياسة متوازنة تسعى إلى التهدئة وتقليل المخاطر وإعادة الملاحة تدريجيًا من ناحية، ومن ناحية أخرى تجنب أى تصعيد – تسعى إليه أطراف باتت معلومة – يحول البحر الأحمر إلى ساحة حرب مفتوحة. ومن ناحية ثالثة، تحتاج القاهرة إلى تنسيق عملى مع قوى دولية وإقليمية لضمان المرور، لكن من دون أن تُسلم أمن الممرات الحيوية بالكامل للآخرين. لذلك ستبدو السياسة الخارجية المصرية هنا شديدة الحساسية، بين تنسيق أمنى عند الضرورة، ودفع دبلوماسى نحو التهدئة، وتجنب أى انزلاق إلى مواجهة مباشرة لن تكون فى صالحنا. • • • أما فيما يتعلق بملف السودان، فتعتبر القاهرة – وهى محقة فى ذلك – أن هذا الملف يمثل تهديدًا مباشرًا للأمن القومى بمعناه الأوسع (اجتماعيًا وأمنيًا وسياسيًا واقتصاديًا). فكل تصعيد فى السودان يعنى موجات نزوح، وضغوطًا على الخدمات، وتوترات اجتماعية فى بعض المناطق السكنية، ومخاوف أمنية مرتبطة بالسلاح والتهريب والجريمة المنظمة. لذلك تميل القاهرة فى هذا الملف إلى دعم فكرة «الدولة» والمؤسسات، لا دعم الفوضى. لكن الملف السودانى أكثر تعقيدًا من ذى قبل، فهو لم يعد مجرد صراع داخلى. فتعدد الوسطاء والداعمين الخارجيين للأطراف المتصارعة يجعل الأمر أكثر حساسية للقاهرة. فبينما تسعى الأخيرة إلى تسوية شاملة فى هذا الملف، يدرك صانع القرار المصرى أن هذه التسوية ليست سهلة، وربما لا تتحقق فى 2026، ومن ثم من المرجح أن تكون سياسة مصر هى «تقليل الضرر»، بمعنى تقليل التكلفة السياسية والأمنية والاقتصادية بأقصى درجة ممكنة. ومن ثم، فى العام الجديد يمكن توقع استمرار تحرك مصر عبر قنوات متعددة: دبلوماسية رسمية، تنسيق مع أطراف عربية وإفريقية، ومحاولة دفع صيغ تمنع التقسيم وتحد من امتداد الحرب. وفى الوقت نفسه، ستظل القاهرة مضطرة لإدارة ملف اللاجئين السودانيين، لأن الضغوط الداخلية تجعل أى ملف لجوء عرضة للنقاش العام وللتسييس، خصوصًا حين تتراجع قدرة المنظمات الدولية أو الإقليمية على تقديم الدعم، أو حين تتزايد الشكاوى الشعبية من كلفة الاستضافة. ورغم اختلاف التفاصيل، فإن طريقة مصر فى إدارة الملف الليبى ستكون شديدة التشابه مع طريقة إدارتها للملف السودانى، أى إدراك صعوبة التوصل إلى تسوية شاملة، ومن ثم السعى إلى تهدئة الصراع أو تجميده فى الأجلين القصير والمتوسط. فما يهم مصر هنا ليس شكل الحكومة الليبية بقدر ما أن تبقى الحدود الغربية تحت السيطرة، وأن يتم الحد من كلفة التهريب والسلاح، بحيث لا تُفتح جبهة استنزاف جديدة. • • • أما فيما يتعلق بملف الولاياتالمتحدة، فيبقى أحد أكثر ملفات السياسة الخارجية المصرية حساسية وتعقيدًا، ليس لأنه يشهد قطيعة، بل لأنه يُدار بقدر عالٍ من الحسابات المعقدة والتفاصيل الدقيقة. العلاقة بين القاهرةوواشنطن لم تنكسر، لكنها لم تعد تُقاس بالزيارات الرئاسية أو الصور الرمزية، بقدر ما تُقاس بقدرة الطرفين على إدارة الخلافات والحفاظ على خطوط التواصل المفتوحة فى الملفات الحيوية. مصر تحتاج الولاياتالمتحدة بوصفها فاعلًا دوليًا وشريكًا استراتيجيًا لا يمكن تجاوزه فى قضايا الأمن الإقليمى، من غزة وترتيبات التهدئة، إلى البحر الأحمر، مرورًا بملفات التعاون العسكرى والأمنى الممتدة منذ عقود. وفى المقابل، تدرك القاهرة أن واشنطن تنظر إليها باعتبارها شريكًا ضروريًا لمنع انفجار أوسع فى الإقليم، لا باعتبارها حليفًا أيديولوجيًا. ومن هنا، ففى العام الجديد من المتوقع أن تسعى القاهرة إلى الحفاظ على هذه الشراكة لا إعادة تعريفها. فى هذا السياق يبرز سؤال عدم زيارة الرئيس السيسى إلى واشنطن حتى الآن. هذا الغياب لا يعكس فتورًا فى العلاقة بقدر ما يعكس حسابًا سياسيًا دقيقًا. فالزيارة الرئاسية فى لحظة إقليمية مشحونة، خصوصًا مع استمرار تداعيات الحرب فى غزة، ومع تحول شخصية الرئيس الأمريكى من أداة دبلوماسية إلى رسالة سياسية كاملة. ومن منظور القاهرة، فإن أى زيارة قد تُقرأ باعتبارها غطاءً أو قبولًا لمسارات لا تتوافق مع الخطوط الحمراء المصرية، وعلى رأسها أى سيناريوهات تتعلق بتهجير الفلسطينيين أو إعادة هندسة غزة على حساب الأمن المصرى. كذلك، فهناك تفضيل مصرى واضح لإدارة العلاقة مع واشنطن عبر القنوات الدبلوماسية التقليدية اليومية، بدلا من الرهان على لقاء ثنائى على مستوى القمة. الاتصالات الرئاسية، والتنسيق الدبلوماسى، والحوار الاستراتيجى، والتعاون الأمنى والعسكرى، كلها أدوات قائمة ومستخدمة عند الحاجة، خصوصًا فى ملفات التهدئة والوساطة. بهذا المعنى، ترى القاهرة أن غياب الزيارة – رغم عدم ممانعة واشنطن بأى حال من الأحوال – لا يعنى غياب التأثير، بل يعكس اختيارًا واعيًا لصانع القرار المصرى يسعى إلى تقليل التكلفة السياسية والإعلامية فى لحظة حساسة وشديدة الاستقطاب. أستاذ مشارك العلاقات الدولية، والمدير المشارك لمركز دراسات الشرق الأوسط بجامعة دنفر