هنا كلام عن عالم «الصييتة». فى هذا العالم التقت أصوات الأرض، والسماء على أرض مصر فى تناغمٍ، وتكاملٍ مُبدعٍ، فى بدايات القرن العشرين، وهى المرحلة التى شهدت تحوّلًا ثوريّا فى مسار الموسيقى العربية، وتجويد القرآن، على يد أئمة التلحين، والطرَب، جنبًا إلى جنب مع عمالقة المقرئين، الذين تركوا كنزًا من السمعيّات، أخرجت الموسيقى من مرحلة الارتجال، التى سادت طوال سنوات الخلافة العثمانية إلى النظم المنضبط، وأسست لمدارس التجويد الحديثة. قبل سنوات من الثورة الموسيقية أوائل القرن العشرين، وتحديدًا فى عصر محمد على باشا، اختزل استخدام الموسيقى فى حفلات الزفاف، وموكب المحمل، وحفلات الذّكر، والإنشاد فى الموالد الشعبية، فغُنّت القصائد على أصوات الدفوف، والمزامير، والطبل، حتى جاء الخديو إسماعيل، ومنح الموسيقى عناية خاصة، فقرر بناء دار الأوبرا.
سلامة حجازى
وقتها استجلب موسيقيين من خارج مصر مثل الموسيقار الإيطالى فيردى، مؤلف أوبرا عايدة، وغيره من الموسيقيين من أوروبا، والشام، والعالم العربى، وتركيا، الذين أحيوا العديد من الحفلات، والأمسيات الموسيقية داخل قصر الخديو. وفى تلك الفترة بزغ نجم الموسيقى المصرى محمد عبدالرحيم المسلوب، الذى درس فى الأزهر الشريف، قبل أن يتّجه إلى دراسة الموسيقى، والتلحين، فتتلمذ على يده اثنان من مُحدثى النهضة الموسيقية فى تاريخ مصر الحديث بنهاية القرن التاسع عشر، هما عبده الحامولى، ومحمد عثمان. ومنحت لهما حفلات قصر الخديو فرصة الظهور والتألّق، فأبدعا فى غناء، وتلحين القصائد، والأدوار، والمواويل، والطقطوقة، فتخرّج على يدهما أباطرة الموسيقى العربية، والطّرب ببدايات القرن العشرين، تزامنًا مع دخول شركات الاسطوانات الأوروبية للعمل فى السوق المصرية عام 1905، أبرزها شركتا أوديون، وبيضافون، فبدأ الاهتمام بكتابة النوتة الموسيقية، وخرجت الأغنية من الحوزة الخديوية إلى عموم الشعب، وحلّت سُلطة المُلحّن محل ارتجال المُطرب، وحمل روّاد الطرب الشُعلة، فكانت ألحانهم مصدر إلهام لأجيال تبعتهم بعد ذلك.
ياهاجرى وَحقك أَنت المُنى وَالطَلَب.. وَأَنتَ المُراد، وَأَنتَ الأرَب.. وَلى فيكَ يا هاجِرى صَبوة تحيّر فى وَصفِها كل صَبّ.. الكلمات السابقة هى مطلع قصيدة للشيخ عبدالله الشبراوى، لحّنها، وغنّاها أبوالعلا محمّد، فكانت من أكثر أغانيه شُهرة، قبل أن تتغنى بها أم كلثوم فيما بعد، وقيل إن قارئ القرآن الشهير الشيخ محمد رفعت أنشدها بلحن أبوالعلا نفسه. ولُقب أبوالعلا محمد، الذى وُلد عام 1878 بقرية بنى عدى التابعة لمركز منفلوط بمحافظة أسيوط، ب«أستاذ الأساتذة»، و«سيد المُلحّنين»، فهو من أوائل روّاد الطرب، والتلحين فى باكورة القرن العشرين. ودرس أبوالعلا أصول الموسيقى العربية، وحفظ الأوزان، والمقامات، واطّلع على القوالب التلحينية السائدة فى عصره، متأثّرًا بأسلوب الحامولى، حيث عمل فى بطانته لسنوات قبل وفاته، فتغنّى بأغانيه بأسلوبه الخاص.
بريشة: نرمين بهاء
تدرّج فى فن الغناء شيئًا فشيئًا، ونبغ نبوغًا تامّا فى إلقاء القصائد على طريقة المرحوم عبده الحامولى، الذى عنى بتقليده فيها، وفى سائر أغانيه الساحرة، وتخرّجت عليه أم كلثوم فى القصائد مثل «وحقك أنت المُنى والطلب». سجّل أبوالعلا اسطوانات أخرى بصوته لشركات ميشيان، وبيضافون، وبوليفون، وغيرها من التسجيلات، التى أطلق بها أبوالعلا سراح القصيدة العربية المُغناة من سجن الخديوية، لينشرها بين عامّة الناس، وكان له فى الغناء أسلوبه الخاص، فيحدد المقام أولًا، ويشرع فى التلحين مباشرة بموهبة خارقة للعادة، وقدرة فريدة على الارتجال، أهّلته لتلحين القصائد على مقامات مختلفة، وتلحين القصيدة الواحدة فى قوالب متنوّعة. بدأ بالإنشاد الدينى، وانتقل إلى تلحين وغناء القصائد الصوفيّة من مؤلّفات أعلام التّصوّف المصرى فى العصر الأيّوبى أمثال ابن النّبيه المصرى، وابن الفارض، والبهاء زهير، كما لحّن، وغنّى قصائد لشيخ الأزهر فى نهايات القرن الثامن عشر عبدالله الشبراوى، مثل «والله لا أستطيع صدك»، و«وحقك أَنت المُنى والطَلَب»، وأغان أخرى لإسماعيل صبرى باشا، وأحمد رامى. الموسيقار السورى سامى الشوّا، مُدخل آلة الكمان لمصر، وأحد صُنّاع النهضة الموسيقية فى العالم العربى بالقرن العشرين، قال إن «أبوالعلا» لم يكن يتدرّب على الألحان الّتى يُسجّلها، فكان يطلب من أفراد التّخت أن يعزفوا مقدّمة من مقام معيّن، تاركًا العنان لبديهته وقريحته، فكانت له مدرسته الخاصة، التى مهّدت لألحان زكريا أحمد، ومحمد عبدالوهاب، فتخرّج فيها العديد من نجوم الطرب بعد ذلك مثل أم كلثوم، التى لعبت الصدفة دورًا كبيرًا فى لقائها الأول مع الشيخ «أبوالعلا».
عام 1919 التقى سيد الملحّنين صدفة بالطفلة أم كلثوم بمحطة سكة حديد السنبلاوين، أثناء انتظاره لقطار القاهرة، عقب انتهائه من إحياء إحدى الحفلات. واستمع أبوالعلا لصوتها واكتشف موهبتها الفريدة، فأقنع والدها الشيخ إبراهيم البلتاجى، بالانتقال إلى القاهرة، ولولا هذه النصيحة لاستمرت أم كلثوم مطربة ريفية مغمورة، تنشد فى الموالد، والأفراح. وبالفعل استجابت أسرة أم كلثوم للنصيحة، وأقامت فى القاهرة، وهناك تبنّاها أبوالعلا فنيّا، فحدد أولى خطواتها الفنية، وتعلّمت منه فن المقامات، ولحّن لها أغانيها الأولى مثل «الصب تفضحه عيونه»، كما أقنعها بالتخلّى عن ملابسها البدوية، والتخت البدائى المصاحب لها، وعرّفها على جاره، وصديقه الشاعر أحمد رامى، الذى رافقها مشوار النجاح، فكان شاعرها المُفضّل، ولحّن لها أبوالعلا 30 أغنية.
فى حضرة الإمام أما الشيخ يوسف خفاجى المنيلاوى فيعتبر أحد أهم روّاد الطرب فى عالم الصييتة بداية القرن العشرين. وتميّز بغناء الموشّحات، وتلاوة القرآن، وله العديد من الأدوار، والمواويل، والقصائد المُغنّاة، ولا يُعرف عنه استخدام قالب الطقطوقة، كما يعد من مطربى المدرسة الخديوية، الذين نقلوا أصول الطرب، ووزن النغم لمطربى، ومُلّحنى القرن العشرين. وُلد المنيلاوى عام 1850، وتوفى فى 1911، تاركًا أثرًا كبيرًا فى مطربى القرن العشرين، الذين تأثرّوا به بشدة، مثل الشيخ سيد الصفتى، وقيل إنه لُقب بالمنيلاوى، نسبة إلى مسقط رأسه بمنيل الروضة بالقاهرة. وبدأ المنيلاوى حياته بتلاوة القرآن، ثم الإنشاد الدينى، الذى أخذه عن الشيخ محمد عبدالرحيم المسلوب، وتعلّم فنون الطرب، والوزن، والمقامات من محمد عثمان، ومن شدة براعته اختير من الخديوى للسفر إلى الأستانة سنة 1888 للغناء أمام السلطان عبدالحميد فمنح له النيشان المجيدى، ومن أبرز أغانيه «جددى يا نفس حظك»، «قبل ما هوى الجمال»، «حامل الهوى تعب»، و«البلبل». من الناحية الأخرى تُعتبر أغانى «الليل أهو طال»، «أشكى لمين ذل الهوى»، و«أحب الحُسن خالص من المعايب»، من أكثر أعمال الشيخ سيد الصفتى شهرة.
الصفتى واحد من رموز دولة دنيا الصييتة ووُلد عام 1867، واشتهر بعذوبة صوته، وبدأ بتلاوة القرآن فى المآتم، والموالد، ثم إنشاد قصائد مدح الرسول، حتى انضمّ فى 1904 لتخت الشيخ إبراهيم المغربى، الذى لحّن له العديد من الموشّحات، وتعلّم من خلاله أصول المقامات، والأوزان، وبرع تحديدًا فى فن الموشّح، وتميّز به عن مطربى المدرسة الخديوية. جمع الصفتى فى البداية بين تلاوة القرآن، والإنشاد الدينى، والتغنّى بأغنيات عبده الحامولى، ومحمد عثمان بمصاحبة العود، حتى تخلّى عن التلاوة، والإنشاد، وتفرُّغ للغناء على تخته الموسيقى، فذاع صيته فى مصر، والوطن العربى، ولُقب بالمطرب الأمين، وإمام الدور، بسبب التزامه باللحن، والوزن.
بريشة: سماح الشامى
واعتاد الصفتى استعراض مهارات الارتجال من خلال غناء قالب الموال، فسُجّلت له العديد من المواويل مثل «بحب لكن حبيبى للعوازل، يا دايق النوم أوصف لى أماراته، يا حلو دارى عيونك، قُم فى دُجى الليل، يا بدر تم الجميل، الخال على الخد، الليل أهو طال، وعرف الجرح ميعاده، يا مالك الروح والقلب الشجى، أنا الجسد وأنت روحى»، وغيرها، ومن تسجيلاته فى قالب غناء القصائد «أراك عصى الدمع، ألا فى سبيل الله ما حل بى منك، غيرى على السلوان قادر، تذلل لمن تهوى، أيها الإخوان يا أهل الفطن».
دار الأوبرا القديمة
أما الشيخ سلامة حجازى فكان هو الرائد الفعلى فى دنيا الصييتة. الباحث عن بواكير النهضة الفنية العربية لا بُدَّ أن يمرّ على محطة الشيخ سلامة حجازى، فهو ليس فقط أحد روّاد الموسيقى العربية، والطرب فى أوائل القرن العشرين، ولكن هو أيضًا رائد المسرح الغنائى، فكان ملحنًا، ومطربًا، وممثلًا فريدًا من نوعه. وُلد حجازى بحى رأس التين بالإسكندرية عام 1852، وعكف جَدُّه على تربيته، بعد وفاة والده وهو فى الثالثة من عمره، فحفظ القرآن، وتعلّم فنون الإنشاد الدينى فى صباه، وأخذ طرق النظم، وعِلم المقامات، والأوزان عن الشيخ خليل مُحرّم، وبرع فيها، ثم شكّل تخته الخاص به من بعض العازفين، وتنقّل به بين محافظات عدة، وأخرى لإحياء حفلات الزفاف، والمناسبات المختلفة مثلما فعل مطربو القرن العشرين فى بدايتهم، فذاع صيته فى عالم الطرب.
منيرة المهدية
عُرف عن «حجازى» براعته فى تلحين القصائد القديمة فى قوالب جديدة، والتغنّى بها، ولم تتوقف موهبته عند هذا الحد، فانطلق إلى فن التمثيل المسرحى، ونجح فى تطوير المسرح الغنائى فى مصر، سائرًا على طريق سابقيه من روّاد النهضة المسرحية بمنتصف القرن التاسع عشر مثل يعقوب صنوع، ويوسف الخياط، ومارون نقاش، فقدّم سلامة حجازى رواية «مى وهوراس»، فانتقل بالأغنية من مجالس التخت إلى خشبة المسرح، وجعل منها جزءًا أصيلًا فى بناء العمل المسرحى، ممهدًا الطريق للنقلة الكبرى التى أحدثها من بعده تلميذه سيد درويش. ويُعتبر الشيخ سلامة حجازى رائد فن الأوبريت، فى بداياته حيث غناه بصوته، وهو أول من لحّن المارشات، والسلامات الخديوية، وتغنّى بها فى مطلع الروايات، التى كان يؤديها على خشبة المسرح. والأوبريت نوع من الغناء الحماسى، الذى يحث على المبادئ، والأخلاق، والولاء للوطن. ورُغم وفاة «حجازى» فى أكتوبر 1917، فإنه اعتبر الأب الروحى لأشهر مطربى بداية القرن العشرين سيد درويش، حيث شجّعه فى بدايته، ودعّم موهبته، وقدّمه على المسرح، كما كانت ألحان حجازى مصدر إلهام لتابعيه من المطربين، الذين تغنّوا بها مثل منيرة المهديّة، وبعدها محمد عبدالوهاب، ومن أبرز أغانيه «سحر العين تركت القلب هايم، سمحت بإرسال الدموع محاجرى، سلوا سمرة الخدين». مرحلة سيد درويش رُغم حياته الفنية القصيرة، فإن السيد درويش البحر، الذى وُلد بالإسكندرية عام 1892 يحسب له أنه صاحب النقلة الثورية فى عالم الموسيقى العربية محسوبا على قمة جبل «الصييتة»؛ لذا استحق بجدارة لقب «مجدد الموسيقى، وباعث النهضة الموسيقية». واعتبر اسمه الأبرز على المستوى الشعبى من بين روّاد الطرب، والتلحين فى عصره، فانتشرت ألحانه، وأغانيه بين العامّة كالنار فى الهشيم، ولا يزال صداها يتردد فى الحياة المعاصرة حتى الآن، ويتغنّى الطلاب، والجنود يوميّا، بالنشيد الوطنى «بلادى بلادى»، الذى لحّنه درويش.
أم كلثوم
وعمل «درويش» فى مجال البناء فى بداية حياته للإنفاق على أسرته، بعد أن يئس من التنقل على الفرق الموسيقية، التى لم تكن حينها مصدرًا سخيّا لكسب الرزق، واعتاد درويش أثناء العمل الغناء بصوتٍ مرتفع لإيقاظ حماس العمال، وهنا لعبت الصدفة دورها، حيث تصادف وجود اثنين من أهم المشتغلين بالفن حينها، وهما الأخوان أمين وسليم عطا الله، على مقهى قريب من موقع العمل، فجذبهما صوت درويش، فاتفقا معه على السفر برفقتهما إلى الشام فى 1908. استثمر «درويش» رحلته الفنية للشام فى إتقان أصول التلحين، والموسيقى، وتعلّم العزف على العود، وكتابة النوتة الموسيقية، فلحّن أول أدواره «يا فؤادى ليه بتعشق»، حتى لفت نبوغه الشيخ سلامة حجازى، الذى زاره فى الإسكندرية، وأقنعه بالانتقال إلى القاهرة فى عام 1917، ما مثّل خطًا فاصلًا فى مشوار درويش الفني، فلمع نجمه، وذاع صيته، فقدّم أول حفل فى مقهى الكونكورديا، وأخذت أغانيه تتردد بين العامّة فى المقاهى، والحفلات، التى اتصفت بالمرونة، والسهولة، ومعاصرتها للواقع، فتسابقت الفرق المسرحية فى التزوّد بألحانه مثل فرق نجيب الريحانى، وعلى الكسّار، وجورج أبيض، وسلامة حجازى. ساند درويش ثورة 1919، وأشعل حماس الجماهير بأغنيته «قوم يا مصرى»، كما لحّن نشيد «بلادى» قبلها، وتحايل على قرار الاحتلال الإنجليزى بعدم ذكر اسم الزعيم سعد زغلول، فغنّى درويش أغنيته «يا بلح زغلول»، لذا ألقى القبض عليه أكثر من مرّة. يحسب لدرويش أنه أدخل فى الموسيقى للمرّة الأولى فى مصر الغناء البوليفونى فى أوبريت العشرة الطيبة، وشهر زاد، والبروكة. ونجح فى تغيير مسار الموسيقى العربية، بعد أن ثار على قوالب التلحين المألوفة، مُقدّمًا موسيقى جديدة تميّزت بطابع خاص، حتى بلغ إنتاجه فى مشواره الفنى القصير العشرات من الأدوار، ونحو 40 موشّحًا، و100 طقطوقة، و30 رواية مسرحية وأوبريت، وطغى على أبرز مُلحنى عصره مثل كامل الخلعى، وداود حسنى، وفى ذروة مجده، رحل درويش دون سابق إنذار عن الدنيا فى 1923، أثناء تجهيزه عملا جديدا بمناسبة عودة سعد زغلول من النفى، بعد مشوار فنى لم يكتمل، وثّقه بعد ذلك فيلم سينمائى من بطولة الممثل كرم مطاوع. قدوم عبدالحى كغيره من رفقاء التلحين فى عصره، تشرّب المُلحّن، والمطرب عبدالحى حلمى أصول الطرب من أباطرة الغناء بالقرن التاسع عشر، مثل الحامولى، ومحمد عثمان، والمسلوب، فتعرّف على فنونهم، ونهم من إبداعاتهم من خلال حضوره صالون إسماعيل باشا حافظ، أحد أعيان الإسكندرية، الذى اعتاد إحياء الأمسيات، والحفلات الموسيقية فى قصره، ما أهّله للالتحاق بتخت الحامولى، فبدأ مشواره الفنى. وعكف «حلمى» المولود بمدينة بنى سويف عام 1857، على إقامة الحفلات العامة بالمقاهى، والملاهى الليلية، وفى حديقة الأزبكية، وخرج بالأغنية من حوزة المدرسة الخديوية، ولكنه سافر فى رحلات فنية لإحياء الحفلات أمام أمراء الخلافة العثمانية فى 1910. ومن أبرز أعماله «على روحى أنا الجانى»، و«بستان جمالك»، و«قدك أمير الأغصان»، و«يا حادى العيس»، «الفجر أهو لاح»، و«قاضى الغرام»، التى سجلها بصوته فى اسطوانات عبر الشركات العالمية المعروفة حينها. فى هذا العالم، عالم الصييتة يُعدُّ زكريا أحمد من أهم مُلحّنى القرن العشرين، بعد أن سلك طريق الفن على عكس رغبة والده الشيخ أحمد حسن، الذى عمل بالجامع الأزهر، وحفظ القرآن الكريم، فرغب الوالد أن يصبح نجله من علماء الأزهر، فألحقه بالكُتّاب فى طفولته، والأزهر الشريف فى صباه لدراسة علوم الدين، فحفظ زكريا القرآن الكريم، وبرع فى الإنشاد الدينى، وتلاوة القرآن، ومن ثم عكف على تعلُّم فنون التلحين، والنظم، والأوزان، متأثّرًا بألحان الحامولى، وسلامة حجازى، وغيّر مسار حياته لتنمية مداركه الموسيقية، رُغم رفض والده. ورُغم عذوبة صوت زكريا أحمد، الذى وُلد عام 1896، فإنه اهتمّ بتلحين الأغانى، خصوصًا لأم كلثوم، فلّحن لها 60 أغنية بدأها «حبك يا هناه» حتى لحنه الأشهر «هو صحيح الهوى غلّاب». بعدها جاء الشيخ على محمود الذى كان يقال يصدح بصوته من آيات الله، يصمت كل من حوله، فهو سيد قُرّاء مصر، الذى تتلمذ على يده العديد من القراء، فتفرّد بموهبة خاصة فى تلاوة القرآن، والإنشاد الدينى، فامتلك صوتًا ساحرًا وهبه له الرحمن، يُنزل السكينة، والهدوء النفسى على كل من يسمعه، فعشق مريدوه تلاوته، واحتفوا به فى مجالس الذّكر. تقول سيرة الشيخ على محمود إنه وُلد عام 1878 والتحق بالكُتّاب، وحفظ القرآن الكريم بكُتّاب مسجد فاطمة أم الغلام بالجمالية ثم عشق الموسيقى، فتعلّم فنونها على يد الشيخ إبراهيم المغربى، فأتقن المقامات الصوتية، وأوزان النغمات، وفنون التلحين، والعزف، وحفظ الموشحات، كما درسها أيضًا على يد شيخ أرباب المغانى محمد عبدالرحيم المسلوب، ثم اطلع على أساليب الموسيقى التركية من خلال الشيخ عثمان الموصلى. نجح الشيخ محمود فى تنمية موهبته فعكف على تعلّم كل جديد، فصقلت موهبته، التى ساعدته فى الانتشار كمقرئ، وملحن، ومطرب، فأصبح القارئ الأساسى لمسجد الحسين، وتخرّج على يديه العديد من القراء، مثل الشيوخ: محمد رفعت، وطه الفشنى، وكامل يوسف البهتيمى، ومن تلامذته الملحنان: محمد عبدالوهّاب، وزكريا أحمد.