ناقشت الكاتبة البريطانية نعومي ألدرمان، أزمة المعلومات في عصرنا الرقمي، عبر كتابها الجديد بعنوان «لا توجه اللوم لأحد اليوم» الذي طرحت من خلاله رؤية تاريخية لثلاث أزمات معلوماتية كبرى شهدتها البشرية: الأولى مع اختراع الكتابة، والثانية مع ظهور الطباعة، والثالثة مع انتشار الإنترنت ووسائل الإعلام الرقمية، مستعرضة كيف غيّرت هذه التحولات الكبرى العلاقات الاجتماعية والسياسية وطريقة فهم الإنسان للعالم. في البداية، قالت "ألدرمان" إن من أهم ما يحتاجه الإنسان لفهم واقعه الحالي أن يعرف الاسم الحقيقي للحقبة التي يعيشها، ولذا اقترحت أن يُطلق على عصرنا الراهن اسم "عصر أزمة المعلومات"؛ فظهور الإعلام الرقمي – في رأيها – لا يقف منفردًا، بل يأتي امتدادًا لأزمتين معلوماتيتين كبيرتين سبق أن عرفتهما البشرية؛ الأولى مع اختراع الكتابة، والثانية مع انتشار الطباعة. وكما أحدثت تلك المراحل تحولات اجتماعية وفكرية عميقة، فإن مرحلتنا الراهنة تبدو محملة بالتحديات ذاتها؛ إذ غيّرت تلك الثورات شكل العلاقات السياسية والاجتماعية، وأعادت صياغة الطريقة التي نفهم بها العالم، نقلًا عن صحيفة الجارديان. وأوضحت الكاتبة أن الكتابة أسهمت في انبلاج العصر المحوري بين القرنين الثامن والثالث قبل الميلاد، وهو زمن ظهور كبار المفكرين والأنبياء؛ على غرار الفيلسوف الصيني مؤسس فلسفة الطاوية "لاوتسه"، والفيلسوف الهندي بوذا، والفيلسوف الفارسي "زرادشت"، والأنبياء الإبراهيميين، وفلاسفة اليونان، وكانت مطبعة "جوتنبرج" إحدى الشرارات الكبرى للإصلاح الديني؛ حيث سمحت بطباعة الكتب بسرعة أكبر من النسخ اليدوي، وسهلت نشر المعرفة، وكانت السبب الرئيسي وراء انتشار الكتب، وقيام حركة الإصلاح الديني في أوروبا. وأشارت "ألدرمان" في كتابها الجديد إلى ما وصفته ب "المشروع التاريخي التخيلي"؛ وذلك لأن الماضي يحمل مفاتيح مهمة لفهم هذا التحوّل الذي طرأ على البشرية في الأزمنة الأخيرة، حتى وإن ظل المستقبل الرقمي غير واضح المعالم. واستعرضت المؤلفة عبر صفحات الكتاب أفكار باحثين مؤثرين؛ مثل الباحث والأستاذ الجامعي الأمريكي، وولتر أونج ، الذي درس تحولات الثقافة بعد انتشار الكتابة، والباحثة الأكاديمية الأمريكية، إليزابيث آيزنشتاين، التي بحثت في أثر الطباعة على علاقتنا بالعالم الواقعي. وقد بيّن "أونج" أن المجتمعات الإنسانية قبل مرحلة الكتابة والتدوين اعتمدت على الشفاهة، وكان العلماء يقضون معظم وقتهم في الحفظ، بينما أطلقت الكتابة طاقات التفكير التأملي المركّب بداخل الإنسان. ورأت "ألدرمان" أن الإنترنت يمارس اليوم فعلًا مشابهًا من إعادة التشكيل؛ فقد أتاح تفكيرًا جماعيًا على نطاق أوسع، وفتح أمام كل فرد سيلًا لم يكن يتخيله أحد من المعلومات، وحرر عملية النشر من قبضة المؤسسات القديمة، كما أدى إلى "إلغاء الوسيط"؛ إذ بات الأفراد يقومون بما كان المختصون يتولونه سابقًا، مثل حجز الرحلات أو البحث في الشؤون الطبية. وأفادت أيضًا أنه أضعف المؤسسات التقليدية التي كانت تمثل "بوابات الحقيقة" في عصر الطباعة، وأكدت أن البشرية ستبتكر لاحقًا مؤسسات جديدة تنظم هذا الفيض المعلوماتي الضخم، لكنها دعت في الوقت الحاضر إلى دعم المؤسسات الراسخة مثل الإعلام العام والمكتبات. وناقشت "ألدرمان" بوعي شديد التحولات النفسية التي أحدثتها الرقمنة في المجتمعات الحديثة، مشيرة إلى أن آثارها مزدوجة؛ فالمساحة الواسعة للإنترنت ودرجة المجهولية فيه دفعت مزيدًا من الناس إلى مشاركة مشاعرهم وتجاربهم، وسمحت لآخرين باكتشاف أنهم ليسوا وحدهم فيما ظنوه غريبًا أو فرديًا. ومن الأمثلة التي توضح التأثير النفسي للإعلام الرقمي ما يشهده بعض الناس من إحساس يُعرف ب ASMR، وهو اختصار ل Autonomous Sensory Meridian Response، هذا الإحساس يظهر على شكل تنميل خفيف أو شعور بالدغدغة المريحة في الرأس والرقبة عند سماع أصوات معينة، مثل الهمس أو الاحتكاك البسيط أو الأصوات الرقيقة المتكررة، وأشارت "ألدرمان" إلى أن الإنترنت مكّن الناس من مشاركة هذه التجارب، وهكذا أصبح من الأسهل إدراك أن المشاعر والتجارب الإنسانية ليست خاصة بكل فرد، بل يشترك فيها العديد من الناس، رغم أن العالم الرقمي أحيانًا يجعلنا ننسى أن الأشخاص الذين نتواصل معهم حقيقيون ولهم مشاعر. ولفتت "ألدرمان" النظر إلى أن كل طفرة تقنية تسرّع وتيرة الحياة؛ فالطباعة أسرع من النسخ اليدوي، والنشر الرقمي أسرع بما لا يقاس من الطباعة، وثقافة الإنترنت تتغير بسرعة لا تصدق، حتى أنها لم تتطرق بعد إلى الاضطرابات التي سيولّدها الذكاء الاصطناعي. وبيّنت الكاتبة أنه لا سبيل لمعرفة وجهة هذا التحول الذي يحدث الآن، غير أن تأملاتها تنطوي على قدر من الرجاء في مستقبل البشرية؛ فهي ترى أن الإنسان صنع حضارة رائعة وكارثية في الوقت نفسه مع الكتابة والطباعة والإنترنت، وأن عقولنا تُدفع إلى أداء وظائف لم تتطوّر أصلًا لتتحملها. جدير بالذكر أن "ألدرمان" اشتهرت بروايتها "القوة"، الفائزة بجائزة المرأة للرواية عام 2017، إلى جانب أعمالها في كتابة الألعاب وتقديم البرامج العلمية، وبدا واضحًا في كتابها الجديد اتساع قراءاتها وعمق تأملاتها، وقدرتها على النظر إلى فوضى اللحظة السياسية من منظور تاريخي بعيد. وفي الختام، فإن الكتاب في المجمل يسلط الضوء على ضرورة تطوير مؤسسات قادرة على التعامل مع الكم الهائل من المعلومات في عالم اليوم، مع الاستفادة من التجارب التاريخية السابقة.