سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.
حق المرأة فى الطلاق وقصة أول حالة «خُلع» فى الإسلام.. وأحقية غير المسلمة فى ميراث زوجها المسلم فوزية العشماوى فى كتابها «المرأة فى الخطاب القرآنى» (4):
الجماعات المتطرفة تتخذ من الدين والقرآن الكريم وسيلة لفرض سيطرتهم وسياساتهم بتساؤلات تعيد طرح ما هو مسكوت عنه إلى دائرة البحث والتأويل، تواصل الأستاذة بجامعة جنيف بسويسرا، والباحثة فى العلوم الإسلامية فوزية العشماوى فى كتابها «المرأة فى الخطاب القرآنى» (دار الشروق، 2020)، تناول موضوعات شائكة، لطالما أثارت الكثير من الجدل، لأهميتها البالغة، فى بنيان الفكر الإسلامى المعاصر، وتأثيراتها المتعددة فى أوجه الحياة من حولنا، ثقافيا واجتماعيا وسياسيا. من تلك القضايا الجدلية التى نتناولها فى السطور التالية: ميراث غير المسلمة من زوجها وأولادها المسلمين، وكذلك أحقية الزوجة المسلمة فى طلب الطلاق، فى ضوء أول حادثة خُلع سجلتها كتب السنة النبوية. تقول المؤلفة: من الافتراءات التى يشوه بها المغرضون الشريعة الإسلامية قضية عدم حصول المرأة غير المسلمة على ميراث من زوجها أو من أولادها من المسلمين. ولقد برزت هذه القضية فى العصر الحديث؛ حيث يتزوج رجال مسلمون من نساء غير مسلمات وينجبون منهم أولادا مسلمين مثل أبيهم، بينما تبقى المرأة الزوجة على دينها المسيحى أو اليهودى.. فهل يوجد فى التشريع القرآنى آية واحدة قاطعة الدلالة تتناول قضية ميراث المرأة غير المسلمة من زوجها وأولادها من المسلمين؟ والجواب: لا يوجد. ومن المعروف أنه فى حالة غياب تشريع قرآنى يتعلق بأمر من أمور المسلمين يلجأ العلماء إلى الحديث الشريف؛ وهو المصدر الثانى للتشريع، وفى حالة عدم وجود سند فى آية قرآنية أو فى حديث شريف يستندون إليه فإنهم يلجأون إلى المصدر الثالث للتشريع وهو إجماع العلماء.. وفيما يتعلق بقضية ميراث المرأة غير المسلمة من زوجها المسلم وفى أولادها من المسلمين، ونظرا لعدم وجود آية قرآنية واحدة قطعية الدلالة؛ أى تفسر نفسها بنفسها، يمكن الاستناد عليها للتشريع، وكذلك عدم وجود حديث شريف صحيح خاص بميراث الزوجة غير المسلمة يستندون إليه، فقد أجمع علماء وفقهاء المسلمين على أن المرأة غير المسلمة لا ترث من زوجها ولا من أولادها المسلمين. واستندوا فى تبرير ذلك إلى الحديث الذى جاء فى الترمذى: «لا يتوارث أهل ملتين»، وإن المقصود بالملتين طبقا لحديث أسامة بن زيد الذى قال: «قال النبى صلى الله عليه وسلم: لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم» (رواه البخارى ومسلم). ومن هؤلاء العلماء المسلمين الذين يؤيدون ذلك: الإمام مالك، والإمام أبوحنيفة، والإمام الشافعى، وكذلك سائر من تكلم فى الفقه من أهل الحديث. وتواصل العشماوى: ولكن إذا رجعنا إلى القرآن الكريم؛ وهو المصدر الأول للتشريع، ما وجدنا فيه آية واحدة قطعية الدلالة تحرم الزوجة الكتابية أو غيرها من غير المسلمات من ميراث زوجها أو أولادها المسلمين. فالآية من سورة المائدة التى يستندون إليها تقول: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِى أَخْدَانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِى الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾. (سورة المائدة: آية 5)، وهذه الآية تجعل الزواج من الكتابيات شرعا مشروعا مثل الزواج من المحصنات من المؤمنات بدون تفرقة بين المسلمات والكتابيات، فهل يعقل أن الله سبحانه وتعالى لا يفرق فى هذه الآية بين الزواج من المحصنات من المؤمنات، أو الزواج من المحصنات من أهل الكتاب، ولا يفرق فى أجورهن؛ أى المهر المدفوع لكل من منهم، ثم يفرق بينهن فى الحق فى الميراث؟ وتضيف المؤلفة: ولقد أثارت الدكتورة زينب رضوان؛ أستاذ الشريعة الإسلامية، عندما كانت وكيلة مجلس الشعب المصرى، موضوع أحقية الزوجة الكتابية (اليهودية أو المسيحية) فى ميراث زوجها المتوفى المسلم، وفى شهادة غير المسلمين أمام محاكم الأحوال الشخصية للمسلمين، وطالبت بضرورة إعادة النظر فى الموضوع، وعلى أحقيتهن فى التوريث لعدم وجود موانع قرآنية تمنع ذلك. ولكن مشايخ الأزهر ومجمع البحوث الإسلامية كان لهم رد آخر، وهو يخالف طرح الدكتورة الشجاعة زينب رضوان، فأصدروا فتواهم التى أكدوا فيها أنه ليس من حق المرأة الكتابية أن ترث من زوجها المتوفى، مستندين فى فتواهم على روايات البخارى ومسلم: «لا يرث الكافر المسلم». وتعلق العشماوى: ونحن نحيى هنا شجاعة الدكتورة الأستاذة زينب رضوان، المتخصصة فى الشريعة الإسلامية، ونؤيدها فى طرحها، ونأمل أن يراجع فقهاء المسلمين طرحهم بهذا الشأن ويشركوا النساء المتخصصات فى الشريعة والعلوم الدينية فى إعادة تناول قضايا المرأة بمرونة وعدم تشدد، ويقروا بتطور الفقه مع تطور الزمان والمكان، ويرجعوا إلى المصدر الأول للتشريع، وهو القرآن الكريم الذى يجبُّ الحديث والإجماع، بحسب تعبيرها. وتتطرق المؤلفة فى كتابها إلى «حق المرأة المسلمة فى الطلاق»، حيث تقول: خلافا لما هو منتشر من افتراءات من أن المرأة المسلمة لا تستطيع المطالبة بالطلاق، وأن الطلاق من حق الزوج فقط فى الإسلام، فإن المرأة المسلمة من حقها إذا رغبت فى الانفصال عن زوجها بالطلاق بسبب عدم استطاعته الإنجاب أو بسبب مرضه بمرض عضال لا شفاء منه، أو بسبب عجزه الجنسى. فالإسلام يعطيها الحق فى الطلاق مع الاحتفاظ بكل حقوقها المالية المترتبة على الطلاق. وكذلك منح الإسلام المرأة حق الطلاق لعدم تلاؤم الطباع، أو لأى سبب آخر. كذلك أقر الإسلام حق المرأة فى الطلاق على أن تفدى نفسها وتقوم بتعويض الزوج عن خسارته المادية الناجمة عن طلاقها بناء على رغبتها. وهذا الطلاق بناء على رغبة الزوجة يسمى «الخُلع»؛ وهو موجود ومتعارف عليه منذ عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، مثلما حدث مع الصحابية جميلة بنت سهيل الأنصارى، وهى أول حالة خُلع فى الإسلام، وجاءت قصتها فى حديث البخارى عن عكرمة عن ابن عباس: «أن امرأة ثابت بن قيس قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، زوجى ثابت بن قيس ما أعيب عليه فى خلق ولا دين، ولكن أكره الكفر فى الإسلام أى أكرم عدم الوفاء بحقه لبُغضى له فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أتردين عليه حديقته؟ وهى المهر الذى أمهرها فقالت: نعم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لثابت: اقبل الحديقة وطلقها». وهذا إقرار بحق المرأة المسلمة فى الطلاق إذا كرهت زوجها ولم ترغب فى استمرار الحياة الزوجية بينهما، تقول المؤلفة. كما تعلق العشماوى: وفى واقع الأمر فإن أوضاع المرأة المسلمة فى كثير من الدول الإسلامية فى عصرنا الحاضر لا تتوافق مع مكانة المرأة التى حباها بها الدين الإسلامى طبقا للقرآن الكريم وللسنة النبوية الشريفة. وفى خاتمة كتابها، تلخص الباحثة فى العلوم الإسلامية موقفها بالقول: إننا ضد محاولات تحويل العقل إلى مجرد ناقل للنص واتخاذ الدين ذريعة لفرض سياسة ونظام معيشى لا يتماشى مع الواقع المعاش فى عصرنا ونحن فى القرن الواحد والعشرين. إن محاولات الجماعات الإسلامية المتطرفة التى انتشرت حاليا؛ مثل حركة التكفير والهجرة، وطالبان، وداعش، وبوكو حرام.. وغيرها، إنما يريدون بها فرض أيديولوجياتهم المتشددة، ويتخذون من الدين والقرآن الكريم وسيلة وذريعة لفرض سيطرتهم وسياساتهم، مثل فعل الأمويين فى أولى محاولات إلغاء العقل لحساب النص فى حادثة رفع المصاحف على أسنة السيوف المشهورة فى موقعة «صفين»، وادعائهم بأنهم يريدون بذلك «تحكيم كتاب الله»، وهى قولة حق أرادوا بها باطلا، فقد كانت تلك خدعة لجا إليها الأمويون لخداع الناس.