لم تعد السيارات والمركبات المتهالكة المتروكة فى الشوارع مجرد مشهد عابر يسىء للمظهر الحضارى، بل تحولت إلى أزمة حقيقية تتشابك فيها الأبعاد البيئية والاقتصادية والأمنية، ففى كثير من الأحياء السكنية والطرق العامة، تقف مركبات مهجورة لأسابيع وربما لأشهر، تعطل الحركة المرورية، وتستحوذ على مساحات مخصصة للانتظار، وتثير مخاوف السكان من تداعياتها المحتملة. اقرأ أيضًا | سيولة مرورية في المحاور الرئيسية بالقاهرة والجيزة.. وتكثيف التواجد الأمني بين جهود الحملات الميدانية التى تنفذها أجهزة المرور والإدارة المحلية، تتصاعد المطالب بضرورة وضع آلية أكثر حسمًا للحد من الظاهرة، خاصة مع ما تمثله من تهديد مباشر للسلامة العامة، وحاجة الشارع المصرى إلى الانضباط والتنظيم. فى هذا الصدد، أكد د. حمدى عرفة، أستاذ الإدارة الحكومية والمحلية وخبير استشارى البلديات، أن انتشار السيارات والمركبات المتهالكة والمتروكة لفترات طويلة فى الشوارع يمثل أزمة متفاقمة ذات أبعاد بيئية واقتصادية وحضارية، تستوجب تدخلًا حاسمًا وفوريًا من الجهات الحكومية ممثلة فى المرور والإدارة المحلية.. وأوضح عرفه أن التقديرات فى بعض المحافظات تشير إلى ضبط ورفع آلاف المركبات المتروكة سنويًا خلال الحملات الدورية، بينما ترصد بعض الأحياء الكبرى عشرات السيارات المتهالكة داخل النطاق الواحد، بما يعكس حجم الظاهرة وتأثيرها السلبى على السيولة المرورية واستغلال المساحات العامة. وأشار إلى أن المركبات المتروكة تسهم فى زيادة نسب التلوث البصرى والبيئى نتيجة تسرب الزيوت والوقود، وتراكم المخلفات حولها، وتحولها إلى مأوى للحشرات والقوارض، بما يهدد الصحة العامة، مؤكدًا أن الخطورة الأمنية لا تقل أهمية، إذ يمكن استغلال هذه السيارات فى أنشطة غير مشروعة أو إخفاء مواد محظورة، فضلًا عن استخدامها كنقاط تجمع لعناصر خارجة عن القانون، ما يمثل تهديدًا مباشرًا للأمن المجتمعى. وفيما يتعلق بالإطار القانونى، شدد عرفه على أن قانون المرور وتعديلاته يمنح الجهات المختصة الحق فى رفع المركبات المتروكة أو التى تتسبب فى إعاقة الطريق، مع توقيع غرامات مالية على المخالفين. كما أن قانون تنظيم انتظار المركبات فى الشوارع «قانون السايس الجديد» يجيز اتخاذ إجراءات فورية ضد السيارات المهملة، إضافة إلى تطبيق نصوص قانون النظافة العامة وقانون الإدارة المحلية التى تعطى لرؤساء الأحياء سلطة إزالة الإشغالات ورفع المخالفات. ودعا إلى إنشاء قاعدة بيانات موحدة بين إدارات المرور والأحياء لحصر المركبات المهملة إلكترونيًا، وإطلاق حملات دورية معلنة لرفعها، مع منح مهلة زمنية محددة لأصحابها قبل اتخاذ الإجراءات القانونية. واختتم تصريحه بالتأكيد على أن مواجهة المشكلة ليست قضية مظهر حضارى فقط، بل مسألة أمن وسلامة عامة وحماية للبيئة، مشددًا على أن التوعية الإعلامية والمجتمعية تمثل ركيزة أساسية للانضباط فى الشارع المصرى ومنع تفاقم الأزمة مستقبلًا. تهديد أمنى من جانبه، أكد اللواء أحمد هشام، الخبير الأمنى والمرورى، أن السيارات المتروكة تمثل «قنبلة موقوتة» داخل أى تجمع سكنى أو منطقة عامة، لما قد تشكله من تهديد أمنى محتمل، سواء من خلال استغلالها فى ارتكاب جرائم سرقة بالإكراه أو استخدامها فى أنشطة إجرامية.. وأوضح أن وزارة الداخلية كثفت من حملاتها الميدانية لرصد تلك المركبات، حيث يتم سحب السيارات المتروكة وإيداعها فى حضانات المرور، مع اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة للبحث عن مالكيها من خلال اللوحات المعدنية أو أرقام الشاسيه والموتور. وأشار إلى أنه يتم منح مهلة قانونية للبحث عن مالك السيارة، وفى حال التوصل إليه تُسلم له بمحضر رسمى بعد سداد الرسوم المقررة والتعهد بعدم تركها مرة أخرى فى الطريق العام، أما إذا لم يُستدل على المالك أو لم يحضر لاستلامها، فتؤول ملكية السيارة إلى الدولة، ويتم التصرف فيها بالبيع فى مزاد علنى وفقًا للقانون. وشدد اللواء هشام على أهمية تعاون المواطنين مع الأجهزة المعنية، والإبلاغ عن أى سيارة متروكة لفترات طويلة، حفاظًا على الأمن العام والمظهر الحضارى، مؤكدًا أن الشراكة بين المواطن والدولة تمثل حجر الأساس فى مواجهة هذه المشكلة. حملات الداخلية وفى السياق ذاته، كشف مصدر أمنى أن أجهزة الأمن بوزارة الداخلية تواصل جهودها المكثفة فى مواجهة مختلف الظواهر السلبية التى تؤثر على المظهر الحضارى للشوارع والميادين، ومن بينها انتشار السيارات والدراجات النارية المتروكة والمتهالكة، وذلك على مستوى محافظات الجمهورية كافة، مؤكدًا أن هذه الجهود تأتى فى إطار خطة شاملة تستهدف تعزيز الانضباط المرورى، وتحقيق السيولة فى حركة المرور، والحد من مصادر الإزعاج والخطورة التى قد تهدد سلامة المواطنين. وأوضح المصدر أن الأجهزة الأمنية شنت حملات موسعة بالتنسيق مع إدارات المرور والوحدات المحلية، أسفرت عن رفع أكثر من 15 ألف سيارة ودراجة نارية متروكة ومتهالكة من الشوارع خلال عام، بعد فحصها واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة حيالها، وفقًا للقوانين المنظمة فى هذا الشأن، وأضاف أن هذه المركبات كانت تمثل عائقًا لحركة السير وتشوه المظهر العام، فضلًا عما قد تسببه من مخاطر أمنية وبيئية. وأشار إلى أن الحملات مستمرة بشكل دورى، مع اتخاذ إجراءات رادعة لمنع تكرار هذه الظاهر، مؤكدا أن وزارة الداخلية لا تدخر جهدًا فى الحفاظ على الأمن العام وراحة المواطنين، كما دعا المصدر المواطنين إلى التعاون مع الأجهزة المعنية، من خلال الإبلاغ عن أى مركبات متروكة أو مظاهر سلبية بالشوارع، دعما لجهود الدولة فى توفير بيئة آمنة ومنظمة تعكس الوجه الحضارى للمجتمع.