كما ذكرنا فى مقال سابق، فإن العرب قبل الإسلام اعتمدوا على تقويم قمرى-نجمى، تكون فيه الشهور وفقًا لأطوار القمر، والسنوات طبقًا لحركة مجموعة النجوم التى أسموها بالثريا، وهى التى تُعرف بالشقيقات السبع Pleiades. فحين تظهر الثريا فى نفس المكان من ليل الجزيرة العربية يكون قد مر عام كامل. ولحفظ الفصول المدارية فى مواضعها، عمدوا إلى النسىء، وهو إضافة شهر ثالث عشر (كبيس) للسنة القمرية كل عدة سنوات. ولم يعرف العرب تعداد السنوات من نقطة بداية معينة، بل كانوا يسمون السنوات بأسماء تتعلق بحدث مهم فى هذه السنة، مثل عام الفيل. وهو العام الذى حدثت فيه غزوة أبرهة الحبشى لمكة ومحاولة هدمه للكعبة باستخدام الأفيال، وهو العام الذى يوافق عام 571 ميلاديًا. جاءت الدعوة الإسلامية لتحرم زيادة الشهر الكبيس المعروف بالنسيء، فقد ورد فى القرآن الكريم بسورة التوبة آية رقم 37: «إِنَّمَا النَّسِىءُ زِيَادَةٌ فِى الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ». والمراد من النسىء هنا، كما ذكر المفسرون، قد يكون بمعنى الإنساء، وهو التأخير، حيث كان العرب إذا أرادوا القتال فى الأشهر الحرم يؤخرون تحريم القتال من شهر إلى آخر. وكان العرب يحرمون القتال فى أربعة أشهر سُمِّيت بالأشهر الحرم، وهى: المحرم - رجب - ذو القعدة - ذو الحجة. فإذا قاتلوا، على سبيل المثال، فى الشهر المحرم، حرموا القتال فى شهر صفر، وهذا ما حرمه الإسلام. إلا أن البعض يذهب إلى أن النسىء هنا بمعنى الزيادة، أى زيادة الشهر الكبيس، وهو ما أدى إلى تخلى المسلمين الأوائل عنه لتحريمه. ويذكر فخر الدين الرازى فى تفسيره لهذه الآية: «إِنَّ الْقَوْمَ عَلِمُوا أَنَّهُمْ لَوْ رَتَّبُوا حِسَابَهُمْ عَلَى السَّنَةِ الْقَمَرِيَّةِ، فَإِنَّهُ يَقَعُ حَجُّهُمْ تَارَةً فِى الصَّيْفِ وَتَارَةً فِى الشِّتَاءِ، وَكَانَ يَشُقُّ عَلَيْهِمُ الْأَسْفَارُ وَلَمْ يَنْتَفِعُوا بِهَا فِى الْمُرَابَحَاتِ وَالتِّجَارَاتِ، لِأَنَّ سَائِرَ النَّاسِ مِنْ سَائِرِ الْبِلَادِ مَا كَانُوا يَحْضُرُونَ إِلَّا فِى الْأَوْقَاتِ اللَّائِقَةِ الْمُوَافِقَةِ، فَعَلِمُوا أَنَّ بِنَاءَ الْأَمْرِ عَلَى رِعَايَةِ السَّنَةِ الْقَمَرِيَّةِ يُخِلُّ بِمَصَالِحِ الدُّنْيَا، فَتَرَكُوا ذَلِكَ وَاعْتَبَرُوا السَّنَةَ الشَّمْسِيَّةَ، وَلَمَّا كَانَتِ السَّنَةُ الشَّمْسِيَّةُ زَائِدَةً عَلَى السَّنَةِ الْقَمَرِيَّةِ بِمِقْدَارٍ مُعَيَّنٍ، احْتَاجُوا إِلَى الْكَبِيسَةِ، وَحَصَلَ لَهُمْ بِسَبَبِ تِلْكَ الْكَبِيسَةِ أَمْرَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُمْ كَانُوا يَجْعَلُونَ بَعْضَ السِّنِينَ ثَلَاثَةَ عَشَرَ شَهْرًا بِسَبَبِ اجْتِمَاعِ تِلْكَ الزِّيَادَاتِ. وَالثَّانِى: أَنَّهُ كَانَ يَنْتَقِلُ الْحَجُّ مِنْ بَعْضِ الشُّهُورِ الْقَمَرِيَّةِ إِلَى غَيْرِهِ، فَكَانَ الْحَجُّ يَقَعُ فِى بَعْضِ السِّنِينَ فِى ذِى الْحِجَّةِ، وَبَعْدَهُ فِى الْمُحَرَّمِ، وَبَعْدَهُ فِى صَفَرٍ، وَهَكَذَا فِى الدَّوْرِ حَتَّى يَنْتَهِيَ بَعْدَ مُدَّةٍ مَخْصُوصَةٍ مَرَّةً أُخْرَى إِلَى ذِى الْحِجَّةِ، فَحَصَلَ بِسَبَبِ الْكَبِيسَةِ هَذَانِ الْأَمْرَانِ: أَحَدُهُمَا: الزِّيَادَةُ فِى عِدَّةِ الشُّهُورِ. وَالثَّانِي: تَأْخِيرُ الْحُرْمَةِ الْحَاصِلَةِ لِشَهْرٍ إِلَى شَهْرٍ آخَرَ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ لَفْظَ النَّسِيءِ يُفِيدُ التَّأْخِيرَ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ، وَيُفِيدُ الزِّيَادَةَ عِنْدَ الْبَاقِينَ، وَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ فَإِنَّهُ مُنْطَبِقٌ عَلَى هَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ». وهذا التفسير يتناسق مع خطبة الرسول فى حجة الوداع: «إنَّ الزَّمانَ قد استدار كهيئتِه يومَ خَلَق اللهُ السَّمواتِ والأرضَ، السَّنةُ اثنا عَشَرَ شَهرًا، منها أربعةٌ حُرُمٌ، ثلاثٌ متوالياتٌ: ذو القَعْدةِ، وذو الحِجَّةِ، والمحَرَّمُ، ورَجَبُ مُضَرَ الذى بين جُمادى وشَعبانَ» (أخرجه البخارى (3197)، ومسلم (1679)، وأحمد (20386). حيث كان موسم الحج قد عاد إلى شهر ذى الحجة فى سنة حجة الوداع، وعادت الأشهر الحرم إلى مواضعها. وقد يكون إلغاء الشهر الكبيس كذلك تطبيقًا للنص القرآنى: «إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثنا عشر شهرًا فِى كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ» (التوبة: 36)، ما قد يعنى أنه لا يجوز أن يكون العام ثلاثة عشر شهرًا فى حالة الكبس. • • • وبناءً على ذلك، أقر الخليفة عمر بن الخطاب، ثانى الخلفاء الراشدين، فى ثالث سنوات خلافته، تقويمًا جديدًا للخلافة تحت اسم التقويم الهجرى. واتخذ هذا التقويم نفس الشهور العربية السابقة على الإسلام، مع إلغاء النسىء، أى كتقويم قمرى صرف دون سنوات كبيسة. بدأ استخدام هذا التقويم بدايةً من الأول من المحرم للسنة السابعة عشرة بعد الهجرة، الموافق ليوم 23 من يناير من عام 638م. وتم اتخاذ سنة هجرة الرسول من مكة إلى المدينة سنة بداية لهذا التقويم، وهى ما يقابل سنة 622م. وقبل أن يقرر الخليفة عمر بن الخطاب هذا التقويم الجديد، كانت السنوات تسمى بأسماء كما كانت عادة العرب قبل الإسلام. فعلى سبيل المثال، السنة الأولى بعد الهجرة سميت بسنة الأذن، والسابعة سميت بسنة الاستغلاب، والعاشرة بسنة الوداع. وافق الأول من محرم فى تلك السنة التى تم اعتبارها السنة 1 هجريًا يوم 16 يوليو من العام 622 وفقًا للتقويم اليوليانى، وبدأ الرسول رحلة الهجرة من مكة يوم 27 صفر الموافق 12 سبتمبر، ووصل إلى يثرب (المدينةالمنورة) يوم 8 ربيع الأول، وفى قول آخر يوم 12 ربيع الأول، أى يوم 24 سبتمبر أو يوم 28 سبتمبر عام 622. يبدأ الشهر فى هذا التقويم برؤية الهلال الجديد تطبيقًا للنص القرآنى: «يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ» (البقرة: 189). ولأن السنة القمرية مكونة من 12 شهرًا عدتها 354 يومًا فقط، يتحرك هذا التقويم عبر فصول العام المدارية. مع توسع الدولة الإسلامية وفتحها لأقاليم جديدة، وفى مقدمتها مصر، كان من غير العملى الاعتماد على التقويم الهجرى فى الأنشطة الاقتصادية. فالزراعة فى بلد مثل مصر مرتبطة بالتقويم الشمسى المنتظم، وبالتالى لا يمكن تنظيم الخراج فى مصر وفقًا للتقويم الهجرى المتحرك. لذلك تم العمل فى مصر على جمع الخراج وفقًا للشهور القبطية، مع نسبة سنوات الخراج للهجرة النبوية فيما سمى بتقويم الخراج أو السنة الخراجية. ولأن التقويم الهجرى يتأخر عن التقويم السكندرى بمقدار 11 يومًا كل عام، فكان ما إن مر 32 عامًا من أعوام الخراج يقابلها 33 عامًا هجريًا، يتم إسقاط عام خراجى حتى تستمر سنوات الهجرة متطابقة فى التقويمين الرسمى والخراجى. وكان أحيانًا يتم تأخير إسقاط العام لخطأ أو لسهو كما ذكر المؤرخ المقريزى عن عهد الوزير الأفضل فى أواخر عهد الدولة الفاطمية فى مصر. • • • جدير بالذكر أنه داخل الدعوة الإسماعيلية الفاطمية نشأ تقويم يعتمد على الحسابات فى تحديد بداية الشهور والسنوات وليس رؤية الهلال، وهو تقويم قمرى متحرك مثله مثل التقويم الهجرى. ودورة التقويم الفاطمى هى دورة من ثلاثين سنة يضاف فى 11 سنة منها يوم إضافى كبيس لضبط مواعيد الشهور على المدى البعيد. والشهور به 30 يومًا و29 يومًا على الترتيب بداية من شهر محرم، أى أن الشهور الفردية 30 يومًا والزوجية 29 يومًا فى السنوات البسيطة، بينما يصبح شهر ذو الحجة 30 يومًا فى السنوات الكبيسة. استخدمت الخلافة الفاطمية هذا التقويم فترة حكمها لمصر إلى جانب التقويم الخراجى المعتمد على الشهور القبطية كما أسلفنا، وانتهى استخدامه بنهاية دولتهم، وما زال هذا التقويم يستخدم حتى الآن من جانب الطوائف الشيعية الإسماعيلية. واجهت الدولة الإسلامية نفس المشكلة عند فتحها لبلاد فارس، والتى دانت لهم السيطرة عليها فى عهد عمر بن الخطاب فى الفترة بين عامى 642 و644م. فالتقويم الفارسى القديم كان تقويمًا شمسيًا، فتم الحفاظ عليه واستخدامه إلى جانب التقويم الهجرى لأجل نفس الغاية التى أبقى بها على التقويم القبطى فى مصر، وهى جمع الخراج. وبالمثل أيضًا، اتخذ عام هجرة النبى سنة البداية لهذا التقويم، حيث اتخذت بداية هذا التقويم من الاعتدال الربيعى من سنة 622 كعادة الفرس، وهو التقويم الذى ما زال مستخدمًا حتى اليوم فى إيران. وهكذا تكيف العرب المسلمون الفاتحون مع أحوال البلاد التى فتحوها، مع الحفاظ على التقويم الهجرى الذى أسسه عمر بن الخطاب كتقويم رسمى للدولة الإسلامية، وتقويم دينى يُحدد على أساسه أعياد ومواسم المسلمين فى كل مكان. مدرس بكلية الهندسة جامعة القاهرة