«فودة» يترأس اجتماعا موسعا لمناقشة آخر الاستعدادات لمنتدى شباب العالم    مؤشرات الأسهم الأمريكية تغلق مرتفعة    بعد مد فترة سحب الكراسات.. طريقة حجز وحدات الإسكان الاجتماعي    رئيس ميناء دمياط يتفقد معامل الرقابة على الصادرات والواردات    مسؤول أمريكي: الهجمات المدعومة من إيران في العراق تنذر بتصعيد خارج السيطرة    كرم جابر يعلن انضمامه لمعسكر منتخب المصارعة و الاتحاد يكشف موقفه    «الأرصاد» يحدز من سقوط أمطار غزيرة    القبض على عاطل بحوزته مخدرات في الفيوم    اندلاع النيران بمخبز بلدي بحي التمليك بكفر الدوار    الفخراني وحسين فهمي وهنيدي أبرز الحضور.. 150 صورة من عزاء المخرج سمير سيف    بعد خطبته ل مديرة أعمال أنغام | 3 فتيات في حياة محمد الشرنوبي    بصور نادرة.. ليلى علوي تحيى ذكرى نجيب محفوظ    حضارة عظيمة.. سفير أمريكا وزوجته يزوران معبد فيله    فيديو.. خالد الجندي يوضح الفارق ما بين التقديس والتسبيح في حق الله    الاهلي ينفرد بصدارة الدوري بثلاثية في دجلة    ثنائي سبورتنج يتحدثان بعد التأهل لنصف نهائي بطولة افريقيا للسلة    البابا تواضروس: المرأة المتزوجة سبب سعادة بيتها    البرهان يشيد بدور قيادة وجيش الإمارات تجاه السودان    كواليس لقاء محافظ الإسكندرية ووفد من مقاطعة "قوانغدونغ" في جمهورية الصين    «ترامادول».. ضبط راكب بحوزته مخدرات في مطار القاهرة    فيديو| «أبو حامد» يكشف موقف الأزهر من قانون الأحوال الشخصية    تامر أمين: تركيا حرام عليَّ حتى رحيل أردوغان (فيديو)    سفير مصر لسعد الحريري: إضاعة الوقت خيار لا يحتمله لبنان    فيديو| السد يعبر هينجين ويواجه مونتيري في ربع نهائي مونديال الأندية    رئيس صحة النواب: عجز الأطباء وأسرة الرعاية "كابوس للبرلمان"    "الحسبنة على فيسبوك شرشحة باسم الدين".. مبروك عطية: نشر الأسرار الزوجية من الكبائر    غدا.. افتتاح مكتب الشهر العقاري بالرحاب    4 مواجهات نارية يخوضها فراعنة اليد استعدادا لأمم أفريقيا    الكاف حدد.. تعرف على الموعد الجديد لمباراة الزمالك وزيسكو فى بطولة أفريقيا    اتفاقيات تعاون جديدة بين جامعتي عين شمس وكيوشو اليابانية    فيديو| اللواء هشام الحلبي: تدريبات البحر المتوسط تؤكد احترافية قواتنا المسلحة    اتحاد الكتاب العرب ينعي الدكتور محمود فهمي    التلفزيون السوري: القوات الأمريكية تنقل 300 شخص من عائلات داعش إلى العراق    نابولي يعين جاتوسو مديرًا فنيًا جديدًا خلفًا لأنشيلوتي .. رسميا    بالفيديو- الجندي: الأولياء يمكن أن يفعلوا الكبائر ولكنهم يسارعون في التوبة والاستغفار    المشدد 6 سنوات لعامل خطف طفلة وهتك عرضها بكفر الشيخ    نشرة الحوادث المسائية.. إعدام مغتصب "طفلة البامبرز" وحبس قاتل زوجته ببولاق    أحمد أبو العلا ناعيًا محسن حلمي: بحث عن طريق جديد للمسرح    إليسا تثير الجدل بصورة على السرير محتضنة دمية    تأكيد خليجي على استمرار "عزلة قطر": "نسيانها أفضل"    تشكيل لجنة لفحص شكاوي أهالي "15 مايو" بالدقهلية من الروائح الكريهة    عرض أزياء فساتين سهرة للأطفال في جامعة المنوفية (صور)    قافله طبيه توقع الكشف الطبى على 148 مواطنًا بسفاجا    محمود صديق يفتتح المؤتمر الدولي السابع لقسم النساء والتوليد بأزهر أسيوط    في جولة مفاجئة.. محافظ المنوفية يفسخ تعاقد شركة نظافة مستشفى الشهداء    «بتروويب» توافق على مشروع «غرب البرلس» لإنتاج 185 مليون قدم غاز يوميًا    اختتام فعاليات ملتقى «بكرة أحلى» على مسرح الهناجر    فحص 6 آلاف طفل بالمبادرة الرئاسية للكشف المبكر عن ضعف السمع في الشرقية    آس: بند في عقد لاوتارو يُتيح ل برشلونة التعاقد معه في يوليو    «جيل بكرة يكبر بصحة».. حملة للكشف عن روماتيزم القلب لدى الأطفال في الإسكندرية    خلفيات الأزمة الاقتصادية في لبنان وأسباب انتفاضة الشعب    محافظ بني سويف يعتمد جداول امتحانات الفصل الدراسي الأول    إرتياح بقرية ديملاش لتنفيذ حكم الإعدام في مغتصب" طفلة البامبرز"    كل ما تريد أن تعرفه عن " المحترف " الذى سيضمه الأهلى فى يناير    مسئول عسكري بريطاني: مستمرون في دعم الجيش اللبناني    فيديو.. دار الإفتاء: ابتزاز الآخرين من أقذر المعاصى والكبائر    أوبك تتوقع عجزا نفطيا بسيطا في 2020.. حتى قبل أحدث خفض للمعروض    هل يجوز طرد القط من المنزل مع علمي باحتمال هلاكه.. الإفتاء ترد.. فيديو    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





اليسار المتراجع والليبرالية الضعيفة وعزوف المواطنين عنهما
نشر في الشروق الجديد يوم 27 - 04 - 2018

ثمة انطباع عام يهيمن على حواراتنا حول الأهمية والفاعلية المجتمعية للتيارات الليبرالية واليسارية والتيارات الدينية مؤداه أن النسيج الاجتماعى للبلدان العربية وتراكيب حياتها السياسية وثقافتها الغالبة تعوق نمو الأولى والثانية بينما تمكن الدينيون من الانتشار الشعبى والاستئثار بمساحات نفوذ وتأثير مطردة الاتساع. ومع التسليم بتعدد وتنوع شواهد الواقع المدللة على الرجاحة الجزئية لهذا الانطباع نظرا لطغيان المكون الدينى على النقاش العام وانهيار شعبية وتراجع أدوار الأحزاب والحركات المتبنية للأفكار الليبرالية واليسارية والصعود اللافت لقوى الإسلام السياسى فى بلدان كمصر قبل 2013 وتونس منذ 2011 والمغرب خلال العقد الماضى، إلا أن الثابت أيضا أن اليسار والليبراليين العرب وعلى الرغم من القيود الرسمية المفروضة عليهم والممارسات القمعية التى تنزل بهم لا يعدمون الفرص الاجتماعية للتأطير والتحرك الشعبى وصياغة رؤى بديلة أو مكملة لتوجهات النخب الحاكمة ولقناعات التيارات الدينية بحثا عن الفاعلية المجتمعية المفقودة. وربما تمثل الشرط الأول لخروج اليسار والليبراليين من حالة الوهن الراهنة فى الإدراك المنظم والكاشف لجوهر القضايا التى تمنح هذه الفرص الاجتماعية هويتها وتصيغ لها أبعادها الواقعية. وإليكم، أعزائى القراء، قراءة أولية فى أربع من هذه القضايا أراها مركزية على امتداد العالم العربى.
***
الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للمواطنين: باستثناء بعض الحالات الخليجية، تعانى البلدان العربية من اختلالات اقتصادية واجتماعية طاحنة أبرزها الفقر والبطالة والهجرة غير الشرعية وانهيار مستويات الخدمات الأساسية المقدمة فى قطاعات حيوية كالتعليم والصحة وتهافت شبكات الضمان الاجتماعى. فى هذا السياق، عمقت السياسات النيوليبرالية التى اتبعتها معظم النخب الحاكمة منذ التسعينيات وعلى نحو تصاعدى خلال الأعوام القليلة الماضية (ومع أنها رتبت بعض التحسن فى معدلات النمو الاقتصادى العام) من هذه الاختلالات ودفعت بالقطاعات الشعبية الفقيرة ومحدودة الدخل نحو لحظة تأزم حقيقية. أما التيارات الدينية، وعلى الرغم من كونها شرعت منذ ثمانينيات القرن المنصرم فى بناء شبكات تقديم الخدمات الأساسية فى قطاعات التعليم والصحة والضمان الاجتماعى وحلت بذلك جزئيا محل المؤسسات الرسمية محدودة الفاعلية، فهى لا تملك فى بلدان كمصر قبل 2013 وتونس والمغرب اليوم تصورات واضحة للتعامل مع نواقص الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للمواطنين وما لبثت تتأرجح فى مقولاتها البرامجية ومواقفها العلنية بين نزوع شبه ليبرالى يرى فى السوق والقطاع الخاص قاطرتى النمو ونزوع شبه يسارى معاكس يتبنى عودة الدولة القوية / الدولة الأب الوصية على المجتمع.
هنا يملك اليسار العربى وكذلك الليبراليون الملتزمون اجتماعيا فرصة حقيقية لصياغة رؤية بديلة تدفع إلى الواجهة بالجوهر الكامن وراء نواقص الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، ألا وهو قضايا العدالة والمساواة ومكافحة البطالة وبناء شبكات فعالة للضمان الاجتماعى وتقليص الفجوة متزايدة الاتساع بين الأغنياء والفقراء فى المجتمعات العربية. بلا ريب ستختلف وتتمايز الصياغات اليسارية والليبرالية، غير أن كشف جوهر العجز والقصور فى رؤى النخب الحاكمة والتيارات الدينية وتعرية الواقع العربى الردىء سيجمعها ويقربها من قطاعات شعبية واسعة. وقناعتى أن المدخل المجتمعى الأفضل لإنجاز هذه المهمة هو تكثيف النقاش حول العقد الاجتماعى المفقود فى بلداننا وحاجتنا الماسة اليوم قبل الغد إلى صناعة توافق حقيقى بشأن مفرداته ومضامينه والضغط على النخب والإسلاميين لأخذها بعين الاعتبار.
الحريات السياسية والمدنية والفردية: لم تعد أغلبية النخب الحاكمة فى بلدان العرب ترفع يافطات الإصلاح الديمقراطى والانفتاح السياسى، وحدثت خلال الأعوام القليلة الماضية ارتدادات حقيقية تمتد من البحرين إلى مصر والجزائر. فما زالت غيابات تداول السلطة وحكم القانون والفصل والتوازن بين السلطات ومعدلات المشاركة الشعبية المنخفضة فى الحياة السياسية على حالها لم تتغير أو تتحسن جديا. كذلك لم يرتب تنامى الوزن السياسى وتصاعد حراك التيارات الدينية فى بلد كالمغرب اتساعا ملموسا أو مستداما لساحات المنافسة الحزبية. كما لم يقو إسلاميو المغرب على وضع ضغوط فعلية على المؤسسة الملكية للإصلاح الديمقراطى، وأضحوا فى العديد من الحالات أسرى مشاركة فى السياقات الرسمية تغيب عنها الفاعلية وتحملهم ثمنا باهظا يتمثل فى الانكماش التدريجى لقواعدهم الشعبية. ويرتبط الاستثناء العربى الوحيد فى هذا الصدد بالتجربة الديمقراطية الراهنة فى تونس.
يتيح تدنى وجمود مستويات ممارسة الحريات السياسية والمدنية والفردية لليسار والليبراليين إمكانية الاعتماد على قضايا من شاكلة حرية التنظيم النقابى والحزبى والحق فى التعبير الحر عن الرأى بغية الاقتراب من قطاعات مجتمعية متنوعة. الشرط الأساس هنا هو إنتاج خطاب حرياتى واضح المعالم يعتمد مبادئ مواطنة الحقوق المتساوية والعلمانية والتعددية ويتجه نحو المواطنين جميعا مع التركيز على القطاعات المحرومة مدنيا أكثر من غيرها كالأقليات الدينية والعرقية والنساء ومن يخرجون فى سلوكهم الخاص عن الأنماط المقبولة مجتمعيا والمعتمدة دينيا.
إخراج النقاش العربى من خصوصيته الخانقة إلى رحابة الحوارات العالمية: ليست بلداننا العربية بمفردها هى التى تعانى اختلالات اقتصادية واجتماعية وسياسية طاحنة، بل هو هم إنسانى مشترك وإن تعددت إرهاصاته وتعددت تداعياته. فقضايا العدالة والحرية والمساواة والتضامن ما لبثت تطرح نفسها على المجتمعات المتقدمة والنامية على حد السواء وتبدو أهميتها اليوم مرشحة للتصاعد. فالمؤكد أن الصعود غير المسبوق للتيارات الشعبوية والعنصرية واليمينية المتطرفة فى بلدان الغرب الديمقراطى والارتدادات المستمرة إلى السلطوية فى بلدان تحولت حديثا إلى الحكم الديمقراطى (المجر نموذجا) سيرتب نهاية حقبة الرأسمالية المنفلتة والمتوحشة، ويعمق عالميا من التفكير الجدى فى استراتيجيات التصحيح والترشيد الممكنة وصولا إلى صناعة توافقية للحظة توازن جديدة بين الاقتصادى بمعناه الربحى الضيق والمجتمعى بمضامين العدالة والحرية والمساواة المندرجة فى سياقاته. مثل هذا التفكير العالمى المتجدد فى طبيعة «النموذج الأفضل لإدارة ترابطات الدولة والمجتمع والمواطنين» يفتح لنا كعرب مساحة مهمة لربط نقاشاتنا حول العقد الاجتماعى المنشود بالحوارات شديدة الحيوية خارج حدودنا إن فى الغرب أو الشرق والجنوب. ولا يوجد من هو أقدر من اليسار والليبراليين على تحقيق هذا الربط، فهم يملكون ناصية نفس المقاربات الفكرية والأدوات المفاهيمية التى تصيغ الحوار العالمى ويستطيعون إن أعادوا اكتشاف ذواتهم وذاكرة فاعليتهم المجتمعية السالفة أن يجسروا الهوة الفاصلة بين خطابات ورؤى النخب الحاكمة العربية والتيارات الدينية وبين الوجهة المستقبلية للضمير البشرى.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.