التهجير القسري وإخلاء رفح والشيخ زويد.. خدمات مجانية للصهاينة    البعثة الدولية لمتابعة الاستفتاء تشيد بالإجراءات التنظيمية والأجواء الأمنية وتنشر توصياتها | صور    "القومي للطفولة" يخاطب "الشباب والرياضة" لرفع الضررعن 200 طفل بأحد الأندية الكبرى في أكتوبر    حقيقة زيادة ضريبة جديدة على السجائر والتبغ..فيديو    شاهد.. خبيرة بالشأن الصيني: "السيسي ضرب الرقم القياسي في زياراته الخارجين لبكين"    الاكتتاب في سندات الخزانة الأمريكية الخمسية أعلى من المتوسط    صلاح حليمة يشرح موقف المجتمع الدولي من التطورات السياسية في السودان    حرب محتملة.. بين سيطرة إيران وقوة أمريكا العسكرية من سيحكم "هرمز"؟    زعيم كوريا الشمالية يعرب عن ثقته في إجراء حوار مفيد مع الرئيس الروسي    مركز احتجاز المهاجرين في ليبيا يفتح أبوابه لكنهم يخشون الخروج بسبب القتال    فيديو| «مانشستر زرقاء».. سيتي يحرق «الشياطين الحمر» في مسرح الأحلام    شاهد.. وولفرهامبتون يباغت آرسنال بالهدف الأول    112 سنة أهلي.. فكرة إنشاء النادي بدأت ب 5 جنيهات    مران خفيف لنادي المصري في ختام استعداداته لمباراة الغد    نوران جوهر تقصي نور الشربيني وتصعد لنصف نهائي بطولة الجونة للإسكواش    مصرع 5 أشخاص وإصابة اثنين في حادث تصادم بوادي عبادي بأسوان    ضبط نصف طن أسماك مملحة فاسدة بكفر الشيخ.. صور    إخفاء طالب بجامعة الأهرام الكندية لليوم الرابع عشر على التوالي    بوستر مسلسل دينا الشربينى يثير أزمة قبل عرضه    فلسطين تفوز بجائزة ملتقى القاهرة الدولي للإبداع الروائي العربي    فرع جديد لمكتبة الإسكندرية على نفقة حاكم الشارقة    بهاء سلطان يغنى تتر مسلسل ولد الغلابة لأحمد السقا    فيديو.. الأوقاف تكشف حقيقة منع مكبرات الصوت في صلاة التراويح    هل يجب الجهر في الصلاة الجهرية إذا كنت أصلى منفردًا.. فيديو    100 مليون صحة توضح إجراءات الكشف على اللاجئين في مصر    في أول تصريحاته.. قائد الحرس الثوري الإيراني الجديد يهدد العالم    أسامة كمال يستضيف سيد رجب في "مساء dmc".. الليلة    نيللي كريم تعلق على صورة تجمع محمد صلاح ورامي مالك    الشعب أبهر العالم بوطنيته    نص الحكم بإعدام المتهمين بقتل رئيس دير أبو مقار    مان يونايتد ضد مان سيتي.. سانى يضيف هدف السيتزنز الثانى بالدقيقة 66    السفارة الأمريكية تمازح محمد صلاح بعد تناوله البيتزا بنيويورك.. اعرف ماذا قالت؟    محمد إبراهيم يغيب عن تدريب الزمالك.. واستشفاء الأساسيين    الأزهر يُطلق رسالة جديدة من حملة "أولو الأرحام" للتوعية بخطورة التفكك الأسري    محمد صلاح يتفوق على «الخطيب» في استفتاء الماركا    ترشيح مدير «100 مليون صحة» لجائزة مانديلا    تكريم تامر عبدالمنعم بمهرجان أفضل مائة شخصية مؤثرة بالوطن العربي    شاهد.. تعليق نيللي كريم على صورة محمد صلاح مع رامي مالك    فيديو وصور..محافظ كفرالشيخ يعلن أسماء المتقدمين بطلبات تقنين أراضي أملاك الدولة الجاهزة للتعاقد    بمناسة العيد القومي للمحافظة.. افتتاح عدة مشروعات بشمال سيناء    تعرف على حالة الطقس غدا    تأجيل محاكمة مالك شركة ومحام في عرض رشوة للتغاضي عن مخالفات إلى 25 يونيو القادم    رئيس جامعة كفر الشيخ يبحث ضوابط المنح الدراسية مع وفد "فولبرايت" | صور    بالصور.. افتتاح معرض تنغيمات معاصرة بجامعة بنها    التصريح بدفن جثة سيدة قتلها شقيقها عقب تشريحها بالحوامدية    "الصحة": فحص 15 ألفا و64 وافدا خلال التشغيل التجريبي لمسح وعلاج غير المصريين    حقوقي مغربي: لا يوجد معتقل سياسي واحد في المغرب.. فيديو    المشدد 10 سنوات لموظف لاتجاره بالحشيش بالوايلي    عزل 4 ركاب بالمطار لعدم حملهم شهادات الحمى الصفراء    وزير المالية: برنامج الطروحات الحكومية يضيف 450 مليار جنيه إلى رأس مال البورصة    الكهرباء:الحمل الأقصى المتوقع اليوم 24 ألفا و700 ميجاوات    فتح المتاحف العسكرية مجانا للجماهير    نقيب عام الفلاحين: شجرة زيتون لكل مواطن بحلول عام 2022    حكم الاقتراض لأداء العمرة.. الإفتاء تجيب    محافظ الشرقية يُشيد بالمشاركة المواطنين الإيجابية في الاستفتاء على الدستور    رئيس الوزراء: منظومة «التأمين الصحي الشامل» نقلة نوعية في مستوى الخدمات    تحرير 1784 مخالفة مرورية خلال 24 ساعة    علي جمعة يوضح الفرق بين القرآن والمصحف.. فيديو    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





اليسار المتراجع والليبرالية الضعيفة وعزوف المواطنين عنهما
نشر في الشروق الجديد يوم 27 - 04 - 2018

ثمة انطباع عام يهيمن على حواراتنا حول الأهمية والفاعلية المجتمعية للتيارات الليبرالية واليسارية والتيارات الدينية مؤداه أن النسيج الاجتماعى للبلدان العربية وتراكيب حياتها السياسية وثقافتها الغالبة تعوق نمو الأولى والثانية بينما تمكن الدينيون من الانتشار الشعبى والاستئثار بمساحات نفوذ وتأثير مطردة الاتساع. ومع التسليم بتعدد وتنوع شواهد الواقع المدللة على الرجاحة الجزئية لهذا الانطباع نظرا لطغيان المكون الدينى على النقاش العام وانهيار شعبية وتراجع أدوار الأحزاب والحركات المتبنية للأفكار الليبرالية واليسارية والصعود اللافت لقوى الإسلام السياسى فى بلدان كمصر قبل 2013 وتونس منذ 2011 والمغرب خلال العقد الماضى، إلا أن الثابت أيضا أن اليسار والليبراليين العرب وعلى الرغم من القيود الرسمية المفروضة عليهم والممارسات القمعية التى تنزل بهم لا يعدمون الفرص الاجتماعية للتأطير والتحرك الشعبى وصياغة رؤى بديلة أو مكملة لتوجهات النخب الحاكمة ولقناعات التيارات الدينية بحثا عن الفاعلية المجتمعية المفقودة. وربما تمثل الشرط الأول لخروج اليسار والليبراليين من حالة الوهن الراهنة فى الإدراك المنظم والكاشف لجوهر القضايا التى تمنح هذه الفرص الاجتماعية هويتها وتصيغ لها أبعادها الواقعية. وإليكم، أعزائى القراء، قراءة أولية فى أربع من هذه القضايا أراها مركزية على امتداد العالم العربى.
***
الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للمواطنين: باستثناء بعض الحالات الخليجية، تعانى البلدان العربية من اختلالات اقتصادية واجتماعية طاحنة أبرزها الفقر والبطالة والهجرة غير الشرعية وانهيار مستويات الخدمات الأساسية المقدمة فى قطاعات حيوية كالتعليم والصحة وتهافت شبكات الضمان الاجتماعى. فى هذا السياق، عمقت السياسات النيوليبرالية التى اتبعتها معظم النخب الحاكمة منذ التسعينيات وعلى نحو تصاعدى خلال الأعوام القليلة الماضية (ومع أنها رتبت بعض التحسن فى معدلات النمو الاقتصادى العام) من هذه الاختلالات ودفعت بالقطاعات الشعبية الفقيرة ومحدودة الدخل نحو لحظة تأزم حقيقية. أما التيارات الدينية، وعلى الرغم من كونها شرعت منذ ثمانينيات القرن المنصرم فى بناء شبكات تقديم الخدمات الأساسية فى قطاعات التعليم والصحة والضمان الاجتماعى وحلت بذلك جزئيا محل المؤسسات الرسمية محدودة الفاعلية، فهى لا تملك فى بلدان كمصر قبل 2013 وتونس والمغرب اليوم تصورات واضحة للتعامل مع نواقص الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للمواطنين وما لبثت تتأرجح فى مقولاتها البرامجية ومواقفها العلنية بين نزوع شبه ليبرالى يرى فى السوق والقطاع الخاص قاطرتى النمو ونزوع شبه يسارى معاكس يتبنى عودة الدولة القوية / الدولة الأب الوصية على المجتمع.
هنا يملك اليسار العربى وكذلك الليبراليون الملتزمون اجتماعيا فرصة حقيقية لصياغة رؤية بديلة تدفع إلى الواجهة بالجوهر الكامن وراء نواقص الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، ألا وهو قضايا العدالة والمساواة ومكافحة البطالة وبناء شبكات فعالة للضمان الاجتماعى وتقليص الفجوة متزايدة الاتساع بين الأغنياء والفقراء فى المجتمعات العربية. بلا ريب ستختلف وتتمايز الصياغات اليسارية والليبرالية، غير أن كشف جوهر العجز والقصور فى رؤى النخب الحاكمة والتيارات الدينية وتعرية الواقع العربى الردىء سيجمعها ويقربها من قطاعات شعبية واسعة. وقناعتى أن المدخل المجتمعى الأفضل لإنجاز هذه المهمة هو تكثيف النقاش حول العقد الاجتماعى المفقود فى بلداننا وحاجتنا الماسة اليوم قبل الغد إلى صناعة توافق حقيقى بشأن مفرداته ومضامينه والضغط على النخب والإسلاميين لأخذها بعين الاعتبار.
الحريات السياسية والمدنية والفردية: لم تعد أغلبية النخب الحاكمة فى بلدان العرب ترفع يافطات الإصلاح الديمقراطى والانفتاح السياسى، وحدثت خلال الأعوام القليلة الماضية ارتدادات حقيقية تمتد من البحرين إلى مصر والجزائر. فما زالت غيابات تداول السلطة وحكم القانون والفصل والتوازن بين السلطات ومعدلات المشاركة الشعبية المنخفضة فى الحياة السياسية على حالها لم تتغير أو تتحسن جديا. كذلك لم يرتب تنامى الوزن السياسى وتصاعد حراك التيارات الدينية فى بلد كالمغرب اتساعا ملموسا أو مستداما لساحات المنافسة الحزبية. كما لم يقو إسلاميو المغرب على وضع ضغوط فعلية على المؤسسة الملكية للإصلاح الديمقراطى، وأضحوا فى العديد من الحالات أسرى مشاركة فى السياقات الرسمية تغيب عنها الفاعلية وتحملهم ثمنا باهظا يتمثل فى الانكماش التدريجى لقواعدهم الشعبية. ويرتبط الاستثناء العربى الوحيد فى هذا الصدد بالتجربة الديمقراطية الراهنة فى تونس.
يتيح تدنى وجمود مستويات ممارسة الحريات السياسية والمدنية والفردية لليسار والليبراليين إمكانية الاعتماد على قضايا من شاكلة حرية التنظيم النقابى والحزبى والحق فى التعبير الحر عن الرأى بغية الاقتراب من قطاعات مجتمعية متنوعة. الشرط الأساس هنا هو إنتاج خطاب حرياتى واضح المعالم يعتمد مبادئ مواطنة الحقوق المتساوية والعلمانية والتعددية ويتجه نحو المواطنين جميعا مع التركيز على القطاعات المحرومة مدنيا أكثر من غيرها كالأقليات الدينية والعرقية والنساء ومن يخرجون فى سلوكهم الخاص عن الأنماط المقبولة مجتمعيا والمعتمدة دينيا.
إخراج النقاش العربى من خصوصيته الخانقة إلى رحابة الحوارات العالمية: ليست بلداننا العربية بمفردها هى التى تعانى اختلالات اقتصادية واجتماعية وسياسية طاحنة، بل هو هم إنسانى مشترك وإن تعددت إرهاصاته وتعددت تداعياته. فقضايا العدالة والحرية والمساواة والتضامن ما لبثت تطرح نفسها على المجتمعات المتقدمة والنامية على حد السواء وتبدو أهميتها اليوم مرشحة للتصاعد. فالمؤكد أن الصعود غير المسبوق للتيارات الشعبوية والعنصرية واليمينية المتطرفة فى بلدان الغرب الديمقراطى والارتدادات المستمرة إلى السلطوية فى بلدان تحولت حديثا إلى الحكم الديمقراطى (المجر نموذجا) سيرتب نهاية حقبة الرأسمالية المنفلتة والمتوحشة، ويعمق عالميا من التفكير الجدى فى استراتيجيات التصحيح والترشيد الممكنة وصولا إلى صناعة توافقية للحظة توازن جديدة بين الاقتصادى بمعناه الربحى الضيق والمجتمعى بمضامين العدالة والحرية والمساواة المندرجة فى سياقاته. مثل هذا التفكير العالمى المتجدد فى طبيعة «النموذج الأفضل لإدارة ترابطات الدولة والمجتمع والمواطنين» يفتح لنا كعرب مساحة مهمة لربط نقاشاتنا حول العقد الاجتماعى المنشود بالحوارات شديدة الحيوية خارج حدودنا إن فى الغرب أو الشرق والجنوب. ولا يوجد من هو أقدر من اليسار والليبراليين على تحقيق هذا الربط، فهم يملكون ناصية نفس المقاربات الفكرية والأدوات المفاهيمية التى تصيغ الحوار العالمى ويستطيعون إن أعادوا اكتشاف ذواتهم وذاكرة فاعليتهم المجتمعية السالفة أن يجسروا الهوة الفاصلة بين خطابات ورؤى النخب الحاكمة العربية والتيارات الدينية وبين الوجهة المستقبلية للضمير البشرى.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.