غداً.. بدء الاكتتاب في «سند المواطن» بجميع مكاتب البريد بعائد شهري ثابت    هيئة التنمية السياحية تعيد طرح 18 فرصة باستثمارات تتجاوز 2.4 مليار دولار بالبحر الأحمر    مؤسسة Euromoney العالمية: البنك الأهلى يحصل على جائزة أفضل صفقة مصرفية مستدامة فى مصر لعام 2025    غارات صهيونية على خانيونس وانتشال 700 جثمان في قطاع غزة منذ أكتوبر الماضي    مصر تدين تصريحات السفير الأمريكي لدى إسرائيل وتؤكد ثوابت موقفها من القضية الفلسطينية    مائدة رمضانية ووجبات ساخنة من الهلال الأحمر المصري للأسر المعيلة بشمال سيناء    عضو مجلس الزمالك يكشف عن أسباب طفرة فريق الكرة    بونو يكشف تفاصيل فشل انتقاله لبايرن ميونخ قبل الانضمام للهلال    يوفنتوس يستعد للتحرك من أجل ضم لاعب ريال مدريد    شبورة مائية ونشاط رياح.. الأرصاد تكشف حالة الطقس غدا الأحد    ضبط شخصين عرضوا بيع طائرات درون بدون ترخيص على مواقع التواصل الاجتماعي    «كان ياما كان» الحلقة 3 .. يسرا اللوزي تحاول إستعادة نفسها بعد الطلاق    تعرف على ضيف رامز ليفل الوحش الحلقة الثالثة    تطورات صادمة في الحلقتين الثانية والثالثة من «إفراج»    أمين عمر يخوض اختبارات الترشح لكأس العالم 2026    وزير الشباب والرياضة يناقش برامج إعداد أولمبياد لوس أنجلوس 2028    تفاصيل جريمة مأساوية بالمنيب... قاصر يقتل طفلة    دون إعلان عن تجديد.. انتهاء عقد محمد رمضان مع روتانا موسيقى منذ 6 أشهر    آدم ماجد المصري يقدم أغنية ضمن أحداث مسلسل أولاد الراعي    من «مائدة الأزل» إلى «سفرة رمضان».. كيف صاغت مصر القديمة فن الضيافة؟    بعد أزمة الطبيب ضياء العوضي، أستاذ يجامعة هارفارد يكشف خرافات نظام "الطيبات"    مقتل ثلاثة أشخاص في غارة أمريكية على زورق شرق المحيط الهادئ    تأجيل محاكمة عصام صاصا و15 آخرين في واقعة مشاجرة الملهى الليلي بالمعادي ل14 مارس    في ثالث أيام رمضان.. مواقيت الصلاة في الاسكندرية    الصحة: بدء تكليف خريجي العلاج الطبيعي دفعة 2023 من مارس 2026    المحافظ ورئيس جامعة الإسكندرية يبحثان توفير أماكن استراحة لمرافقي مرضى مستشفى الشاطبي    الصحة: مبادرة دواؤك لحد باب بيتك بدون أي رسوم    السعودية تحتفل بيوم التأسيس غدا.. 299 عامًا على انطلاق الدولة السعودية الأولى    انتهاء تنفيذ 2520 وحدة ضمن مشروع «سكن مصر» بمدينة الشروق    السفير اليوناني بالقاهرة: الثقافة والفن جسور دائمة تربط مصر باليونان    محاضرات « قطار الخير» لنشر رسائل رمضان الإيمانية بالبحيرة    كم رمضان صامه النبي صلى الله عليه وسلم؟.. إجماع العلماء يحسم الأمر    النائب العام يوفد 90 من أعضاء النيابة لأمريكا وعدد من الدول العربية والأوروبية    الرئيس السيسي يوجه بمواصلة تعزيز السياسات الداعمة للاستقرار المالي والحد من التضخم    بدء تشغيل محطة الربط الكهربائي المصري - السعودي بمدينة بدر خلال أسابيع    «الصحة»: فحص 16 مليون مواطن ضمن مبادرة الكشف المبكر وعلاج الأورام السرطانية    «الصحة» تعزز التعاون المصري الإسباني في طب العيون بتوقيع مذكرة مع مركز باراكير العالمي    وزارة «العمل» تعلن توفير 5456 وظيفة جديدة في 14 محافظة    كلية الهندسة بجامعة المنصورة تحقق إنجازًا دوليًا بمشروع مبتكر لتحلية المياه بالطاقة المتجددة    حبس سائق ميكروباص بتهمة التحرش بطالبة في أكتوبر    محافظ أسيوط يستقبل وفد الكنيسة الكاثوليكية للتهنئة بتوليه مهام منصبه الجديد    كلاسيكو السعودية - ثيو هيرنانديز جاهز لقيادة الهلال أمام الاتحاد    يوفنتوس وكومو في مواجهة مثيرة بالدوري الإيطالي    محمد إبراهيم: الزمالك صاحب فضل كبير على مسيرتي الكروية.. واللعب للقطبين مختلف    رابط الاستعلام عن الأسماء الجدد في تكافل وكرامة 2026 بالرقم القومي وخطوات معرفة النتيجة    ترامب يواجه عقبات متتالية قبل أيام من إلقائه خطاب حال الاتحاد    رمضان 29 ولا 30 يوم.. الحسابات الفلكية ترد وتكشف موعد عيد الفطر 2026    إصابة 11 شخصا في قصف أوكراني لجمهورية أودمورتيا الروسية    تفاصيل اجتماع وزيري الشباب والرياضة والاستثمار والتجارة الخارجية    التزموا بالملابس الشتوية.. الأرصاد تحذر المواطنين بسبب طقس الأيام المقبلة    القبض على سائق ميكروباص اتهمته فتاة بالتحرش بها في مدينة 6 أكتوبر    المرور يضبط 96 ألف مخالفة و33 سائقا مسطولا في 24 ساعة    قرار ضد عاطل قتل عاملا في مشاجرة بالمرج    زلزال يضرب جيلان بقوة 4.4 درجة.. سكان شمال إيران يشعرون بالاهتزازات    سمية درويش: أغنية «قلب وراح» فتحت قلوب الناس لي    تحالف مفاجئ وزواج بالإجبار.. مفاجآت في الحلقه 3 من مسلسل «الكينج»    المفتي: إخراج الزكاة نقدا أو حبوبا كلاهما صواب وصحيح    صيام "الجوارح الرقمية".. تحديات الخصوصية الروحية للمرأة المعاصرة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



صدق التراتيل وتنوع الثورة عند محمد الشحات محمد
نشر في شموس يوم 18 - 06 - 2017


(قراءة في ديوان ثورة وتراتيل) د . محمد عجور
إذا نظرنا نظرة متأنية في ديوان " ثورة وتراتيل " للشاعر محمد الشحات محمد نجد باقة متفردة من القصائد التي تظهر خرائط للذات المصرية عن طريق جمع الأشعة المنبعثة عن المرآة الشاعرة لذات مصرية تمثلت مصر وأحبتها بتاريخها وعبقها السرمدي على مدى أحقاب عدة ، وقد هضمت التجربة ثم أنتجتها بآليات مختلفة منفعلة بالتجارب التي خاضتها مصر في السنوات الأخيرة وما قبلها .
وقد انقسم الديوان بالفعل إلى مجموعة تجارب شعرية معزوفة على خيوط القلب للثورة و للتراتيل معا ، ولنبدأ بتراتيل الحب التي يسبح من خلالها هائما في حب مصر يرشف من معينها ويبتهل في محرابها ، يقول الشاعر في قصيدة يا مصر
يا مصرُ وجهكِ أزهرُ
والشعرُ فيكِ الأطْهرُ
أشدو بِوَحْيكِ باسمًا
ويذوبُ منكِ الأبْهرُ
هذي عيونُ المجدِ تقْ
رأُ سورةً لا تُقْهرُ
بالطُّورِ والنّجّارِ وابْ
نِ العاصِ أسلمَ جوْهرُ
عُودي إلى النُّورِ الذي
أقْسَمْتِ يومًا يظهرُ
ولْترفعي تاجَ العُلا
كُلُّ الجنودِ تجمهرُوا
كلُّ الجنودِ تجمهروا
يا مصرُ وجهُكِ أزهرُ
فهنا ينساب تاريخ مصر عابرًا سائحا بلطفٍ عبر ذاكرة الشاعر ، وكأنه صوفي يشدو بذكر حبيبه ؛ فلا يتكلف الحب ولا يصطنع الصور المنمقة بل يدع المجال فسيحًا للقلب كي يعبر عن مكنونه بأدوات ذات خبرة فنية وشعرية مكتملة النضج في صناعة التجربة ؛ فيجعل من كلمة "الأزهر" ، (وهو الضوء الساطع الجميل الأبيض المريح للعين) وجهًا لمصر وباسطًا مساحة شاسعة من تاريخ مصر عبر العصور المتعاقبة من خلال هذه الكلمة فجمع بين جمال الصياغة الفني والتاريخي والجمالي والموسيقي، وفي البيت التالي نجد الشعر يكون طاهرا حقيقيًّا نابعًا من القلب بذكرها ونفاقا لا قيمة له في غيرها .
ثم يعدد كثيرا من الشخصيات التاريخية العظيمة من الأنبياء والزعماء والحكماء مثل المسيح الذي أشار إليه بحرفته ؛ لأنه كان نجارا ، وكذلك طور سيناء…حتى آمن بذلك جوهر الصقلي الذي بعث به المعز الفاطمي ليبني العاصمة القاهرة للمعز ..ثم يستحث الشاعر الهمة في نفوس المصريين ومصر كي تعود منارة للعالم كسابق عهدها ولا تركن للدعة والنوم والخمول .
ثم تستمر الرحلة في البوح بحبها في قصيدة " ثورة وتراتيل" لتظهر علامات التصوف في حبها والتعبير الصادق بذلك ؛ فيقول :
أكاد من القصيد أذوبُ قسْرا
أعانقُ بالرويِّ الصبِّ نَسْرا
تداخلتِ الميادينُ اشتعالًا
وثارتْ بالورودِ تفكُّ أسرى
إذا الفوضى تُؤرّخ بعض موْجٍ
فَجغْرافْيا الحدودِ تمدُّ جِسْرا
وهذي ثورتي مادمْتُ حيًّا
أُردّدُ:- "إنّ بعد العُسْر يسْرا"
وحين تختمر الثورة بعد التراتيل في قلب الذات / الشاعر / التاريخ / الثائر فنجد هذا يتبلور في ثورة على الأسن والعفن وعدم الرغبة في التجديد إنها ثورة على أعداء النجاح ؛ فيتساءل بكل أدوات الاستفهام : هل هل الجمال ؟ ثم يحرض التجديد على النهضة لكي يواجه الجهل ، فالإنسان عدو ما يجهل ومن يجهل ، لذا فكل جديد محارب وبشدة ؛ فيقول في قصيدة " عَبَق " :
أهلًا .. ، فَهَلْ هَلَّ الجمالُ و هَلل"التنويرُ : أهْلًا للبراءةِ ، و احتفلْ
مَهْلًا .. ، فإنَّ النورَ -عبقًا- ما أَفَلْ
هذي بداياتُ "الأُلى عبَروا" نُغنِّيها بماذا ..،
كيْف ، و ألفِ هلْ ؟؟؟!
يا أيها "التجديدُ" فانهضْ كي تُواجهَ مَنْ جَهَلْ
كلُّ الجديدِ محاربٌ حتى إذا الشعرُ اغتسلْ
حَلِّقْ على صفحاتِ بَوْحكَ .. لا كَسَلْ
ثم تأتي النتيجة التي ينتظرها من ثورة التجديد في وجه كل ما هو آسن وآجن وفاسد في الماء والهواء في الأدب والعلم في كل دهاليز الحياة وطياتها ، فيقول
يا أيها التجديدُ قُمْ
حتمًا ..سيبقى الشامخون و لاَ وَجَلْ
و ثوابتُ المتغيّراتِ يُحْييها الأَجَلْ
و قصيدُ ردِّكَ شامخٌ ،
و بلالُ يرْفعه الأذانْ
ترْنو الصلاةُ لقُدْسها
و العصْرِ قدْ حانَ الأوانْ
و لْتسألِ التقوى عنِ التوحيدِ ..
في إنسٍ و جانْ
ويتجسد هذا الترتيل والثورة على ذلك كله في تداخل عميق في جنبات القصيدة وبين سطورها وفي أدق تفصيلاتها وجنباتها ، وفي قصيدة " كل شيء محتمل " تظهر كوامن الثورة مرة أخرى متعانقة بعتاب الوامق المحب بشدة الدرويش الذي هام بحبه يقول كلاما ممتلئا بالعتاب والمحبة في وقت واحد فنراه يقول :
***
ممنوعة يا أرض أن تتنفسي إلا الدخان ْ
ممنوعةُ ُ أن تثمري إلا نفاياتٍ ستفشي سرها المكبوت في بئر الأمان
طابت ليالي طاقم التنقيب في بيتي
فليس لدي من شيء ٍ مثيرٍ للقلقْ
والقول بين الشد والجذب
المعلق روح أحلامي بأبواب الطرقْ
" إنا نريد الحل في كل القضايا الجوهرية " !!!
فرضٌ يُصدِّقهُ العملْ
شكراْ لحبات الحروفِ ولون أشرعه الجملْ
… وهكذا حتى تتسع التجربة الإنسانية لتعم البشر كلهم على كافة الربوع والأصعدة ؛ فيخاطب الإنسان عموما ليلقي خلف ظهره كل صنوف الشر والجهل والحقد والغل ويبدأ حياة بها محاربة الصعاب وليس محاربة الإنسان للإنسان ، فيخاطب الإنسان الذي يحمل لقب إنسان قائلا :
يا أول الفرسان لا تخجلْ
وقاوم كي تعيشْ
يا أيها الإنسان قم في الأرض
وابحث عن بديلٍ للجيوشْ
أتراك تنتظر الحياة لكي تبارك حق تقرير المصيرْ ؟
أتراك تجلس هاهنا بين الموائد والمنابر ….
تبتغي أن توقظ الإحساس في قلب الضميرْ ؟
" يا أيها الإنسان ما غرك ْ… " ؛
تمشي وحيدًا في الطريق السرمدي
وتنتعي في الليل بدركْ !!!
أتراك تبقى تائهًا بين الليالي السرمدية ْ؟
لا .. أنتَ يا أنتَ الجَمَلْ
شكراْ لحبات الحروفِ ولون أشرعه الجُمَلْ
ثم يعود بعدسته مرة أخرى للقاهرة ، وكأنما يعقد جلسة للتنمية البشرية في القاهرة التي هي من أكثر البقاع سحرا في الأرض إنها أرض العبق التاريخي . أرض المعجزات . أرض القامات والبطولات المتعاقبة التي لو نهض ابنها بها لصارت فردوسا على الكرة الأرضية ما له نظير ؛ فيقول للمواطن القاهري / المصري / النموذج :
كن دائمًا رمزًا لطعم النور ، نجمًا في الليالي القاهريةْ
كن قصةً تُرْوَى على الأطفال في ليل الشتاءِ ،
وكن جناحًا هادئًا …
فالطاقة العظمى بعمق النفس لا تَفنَى …
ولا تُفْنِي الرؤى المستقبليةْ
أبدٌ تَوَلاهُ الأزلْ
يا للغزلْ
بدرٌ تجلَّى ، فاكْتَمَلْ.
شكراْ لحبات الحروفِ ولون أشرعه الجملْ
وتعتصره مشكلة البحث عن وطن لا تشوبه الضغائن والشوائب ، حتى يتساءل عن ذلك الوطن / الحلم / النموذج / السكن / الفردوس … ويطرح عدة أسئلة حتى يخلص منها إلى أنه سيعتزل تماما قول الشعر كما فعل الشاعر المخضرم " لبيد بن ربيعة " الذي اعتزل الشعر عندما سمع القرآن الكريم ، لذا يجد شاعرنا راحته ومأواه الأخير في أن يعتزل الشعر ويركن لقراءة الذكر الحكيم ؛وهذه دلالة قاطعة على مطاردة الحلم كثيرا دون جدوى ؛ فيقول في قصيدة النسر الشاعر:
أنطيرُ سلامًا ..نسألُ عن وطنٍ ..،
لا يُسرَقُ فيه الكفنُ الأبيضُ ..،
أو يسقطُ سهوًا طوقُ نَجَاهْ؟!
أينَ الأُضحِية ُ.. وقد ذَبَحَ العيد رُعَاهْ ؟!
أيُقارنُ بينَ الهرم ِالأكبر ِوالكعبةِ بعضُ سُعَاهْ؟!
السِّرُّ تعلقَ في جلدِ عُرَاهْ
واأبتاهْ..
ما زالَ السَّاقي حيًا ..مِن طعم ِفلاهْ
والنَّسرُ الشاعِرُ يَجتَاحُ ..، يَغَارُ على الأفْوَاهْ…
الوَعْيُ القومِيُّ حَيَاهْ
والآنَ ..الآنَ أقَوقِعُ أحْلامِي ..
أعتَزلُ القلمَ …
وأقرأ في ذِكر ِاللهْ
وفي قصيدة ومضات في الجزء الرابع ( سُلطة ) يمزج تراتيل الحب بالثورة عن طريق المناجاة ؛ فيجهر بعشقه لحروفها فيقول :
وَتَحَرَّكتْ سَكَناتُ أوردتي ..
عَشِقْتُ حروفها
لا تسْاَلَنَّ عنِ الهوى بالذات
يا معشر التسْييسِ ضاعتْ سلطةٌ ،
والعطرُ يمْلأُ دولةَ القاعاتِ واللذّات
تلكَ العنابر جمْعُ مُفردةٍ ،
وما أحلى الثنائيَّات
عفْوًا قَصَدْتُ هنا " الرباعيَّات " .
عَجَبي
ويستمر على المنوال ذاته حتى يقول في الجزء السادس في المعادلة :
الحب نسكنه وليس له سكن
عبر التماثل والتقابل والمقامات الغريبة …
تلتقى الأسماء
أو … أنّى تموت ؟ !
اختر … وحرِّك ما سًكًنْ
وأحيانا يثور عروضيا أو إيقاعيا فيوظف بحر المتدارك بطريقة توقيعية: ( فعلن فعلن فعلن فعلن ..) موظفا هذا الإيقاع الزاعق القوي الوقع المتلاحق ، وكذلك يقوم باستدعاء عبارت تراثية وقرآنية دائرة في التراث العربي الإسلامي كمفتاح أو شاهد في العروض فيقول في الجزء الرابع عشر ( قُدْ ) :
والآن عليك قراءات "المتداركِ" أكثرْ
ولْتذْكرْ أبدًا :- "إناّ أعطيْناك الكوثرْ"
"اقرأْ"
اقرأْ
اقرأْ ، ثم اكتب .. -وبحبٍّ- :-
تُبْتُ وتُبْتُ و ..
والذنبُ هنا –وحْيًا-
قدْ يُغفَرْ
وحين يقذف شهابا يكسر ظلام الملل والأسن والركود في الحقل الأدبي العربي ؛ فيشير من ورائه إلى القصة الشاعرة – وهي من اختراعه – بوصفها أيقونة للتجديد والثورة على الواقع الأدبي الآجن الذي يمتاح من خارج حضارته ويغرد خارج سربه وينظر للغرب على أنه معبود ؛ حتى أضحى التخاذل والتصاغر والتراجع عنوانا له ؛ فيشير في قصيدة ( أما قبل نبدأ ) إلى الإشادة بومضته في الظلام التي أطلقها تعبيرا عن ثورته النابعة وسط تراتيل حبه ؛ فيقول :
يا "قصص" الحب "الشاعرة" الأولى
دُمْتِ مُكثَّفةً ، رائعةٌ …
دُمْتِ حصانًا ناريًا يُطْلق في الجوزاءِ – لكي يجتاحَ – مشاعرنا
يلسع أجنحة الشمسِ .. يدورْ
يُقْبلُ ما يُدْبر كلَّ غيورْ
يرسلُ أفئدةً ، وعبيرًا منْ وحْيِ النورْ
يرسمُ إشراقًا في وجْه العُرْب ، يواجهُ تغريبًا ..هل نُخْفيهْ ؟
لابدَّ لشيءٍ نسكنهُ ..، ونُسكِّنه
قد يزهر فينا ، يسْكُننا، ويُحرِّكنا .. يدْفعنا ويُجدِّدُنا ..
ما فوق الذهنية يبدأُ مِنْ ترفيهْ
والحدثُ اليوميُّ يُصَوِّرهُ ،
ينْفعلُ الإحساسُ العام ُ ويشعرُ صوتَ الصمتِ ،
فيُقرأُ تشخيصَ الحال سلوكًا ..، عدْلًا.. إصلاحًا ..
يزرع إبداعًا في الأرضِ الثكلى
واللغم الدائرُ مَوْطنه حتمًا ينفيهْ
نحيا ، يجتاح الشوقِ ،
نموتُ … نموتُ على قدرٍ
أوْ… أوْ نُحْييهْ
فهو يؤصل لهذا الفن القصصي الجديد : ( القصة الشاعرة ) شعرًا ، ويشير إلى وظيفتها ومغزاها ، حيث إن القصة الشاعرة تتميز بالتكثيف وموزونة عروضيا ، وكذلك فهي تعبر عن الأحداث الجارية واليومية ، وقد شبهها بحصان ناري ينطلق عبر الجوزاء ليلهب تلك المشاعر الإنسانية العربية الباردة بل يلسع أجنحة الشمس بناره ، وهذه صورة مبتكرة جديدة للغاية ، وهذا الحصان رمز المجد عند العرب والمسلمين في أوج عصور الازدهار ؛ لذلك فهو يُقبل لا يُدبر ولا يتراجع أبدًا ، مضمخًا بالعبير والنور .
ثم يواجه التغريب ونزع الهوية الذي يعاني منه الأدب العربي عمومًا ؛ فلابد أن يكون هذا القالب العربي / المصري الأصيل بيتا جديدا نسكنه ونُسكنه للآخرين من أبنائنا بدلا من التسكع على أرصفة الغرب ، والسكن في أكواخهم التي هجروها بعد انهيارها فنسكن نحن تحت بقاياها التي صارت كهشيم المحتظر ؛ فالنظريات الغربية قد ثبت فشلها في مواطنها الأصلية فلماذا نجترها نحن ونتبارى في الدفاع عنها والتعصب لها والسير على منوالها ؟ ، فلا بد من التشبث بهذا البيت العربي الأصيل كي ننطلق منه حتى وإن كان صغيرا فهو مثل قيروان عقبه الذي صنعه في إفريقيا في تونس قديما حينما شسعت المسافة بينه وبين الخليفة في الشرق . ثم يحول عدسته لرصد زاوية أخرى للقصة الشاعرة فيقول :
يا "قصص" الحب "الشاعرة" الأولى
دُمْتِ صلاةً وجديدًا بإشارات مرورْ
دُمْتِ أداةَ التنْبيهِ .. سلامَ عبورْ
دمْتِ شهيدًا يبقى .. ، يرفع راياتْ
يمسح لون الآهاتْ
وهنا نبقى
نقرأُ .. نكتب عشرات الصلواتْ
وهنا نحيا ..، وصهيل الوطن المُعْربِ
يقْتاتُ النحو الشامخِ بين الماضي والآتْ
مابين المغرب والمشرق وصْلاتٌ في أوردة الذاتْ
والنور يضمد أجنحةً عبر سحاباتْ
والبنتُ الأختُ الأم تراودنا
ونُراوِدها، فتُروِّضنا
نعرفها مؤمنةً راقيةً .. ، همسَ نباتْ
تُطْلقُ نهرًا .. ، تنطقُ طُهْرًا ..،
وتُقوْقع عالم أسئلتي شهرًا شَهْرا ..
والعملُ الصالح يبدأُ بالنياتْ
وتقول مُعطَّرةً :- "لكأني أشعرُ بسملةً ،
ورسوم العلم أُدافعُ عنها ..، أدفعها من وجع الفرح العِبْراتْ
أقرعُ بطنَ الخِبْراتْ
أحملُ جنسًا أدبيًا يُرسلنا
في أجنحة الإيمان ، أطير على نسماتْ
أفتحُ شرياناُ للبسماتْ
فهو يحوم في تراتيله حول هذا القالب العربي الجديد / الاختراع / الأيقونة / المظلة / البيت العربي … في التراتيل والصلوات في محراب الذات هي الأم والبنت الأصيلة نحاول التشبث بها في ظل التغريب الدائم والاحتقار والطغيان الغربي ، إنها الومضة لاحت في سماء الظلام المطبق ؛ فيقول عنها في لقطة أخرى :
يا "قصص" الحب "الشاعرة" الأولى
أيقنتُ الشاعر في جفنيكَ يداعبُ روعة مولاتكْ
أيقنتُ حياءً أن الحب النور الشوق يغازل نرجسة الإبداع،
ويمسكه السلكُ العازل في دنيا وصلة حالاتكْ
أنتِ سلامٌ فوق جنون الشُّهرة
عبر المطر الذاكر في أروع حُلاَّتِكْ
الآنَ الآنَ الإذْنُ مُباحٌ، والحبُّ صباحٌ ..،
و"الموجُ الساخن" برهانُ زحافِكَ يروي عِلاَّتِكْ
ما أبهى الذاكرة السلوى،
والعودة دون بديعٍ لمقامكِ نورًا ..، ومقاماتِك
ما معنى النفس البشرية ..
إنْ عادتْ عُدْنا ..
نقرأُ في الصحف الأولى
نكتبُ في "قصص" الحب "الشاعرة" الأولى
نرجو الآخرةَ مع الأُولى … نبدأ.
وفي قصيدة إشكالية نراه يخاطب سيدته / ربة القصيد / الحبيبة / الوطن / الأرض / الأم فيسألها الغيم الممطر – القبلة … ويجتر حينها ماضيه وسط النخيل عندما كانت المياه وفيرة والخير كثير ، وهنا تبرز المفارقة بين الماضي كله بمائه وظله وبحضارته الباذخة عندما كان العرب والمسلمون سادة العالم والحاضر الأليم حيث الضوء الشحيح والماء النادر وتراجع كل شيء الحضارة والعلم والأرض والأخلاق وكل شيء فيقول في قصيدة إشكالية :
عذرا سيدتى
إن قررت ألامس بعدا .. خلف رحيلْ
قبلا أسألك غيوما ممطرةْ
وأنا الآن أفكر حولىْ
وأعيد الماضى وسط نخيلْ
شكرًا ..
شكرا يا حلوه تذكارى .. يا موجة أشعارى
و " عروس النيلْ "
الماء ضئيلْ
وغدا إن جاء يعاودنى
لا يقبل شيئا غير جميلْ
إشكالية حب لا ينفع .. أو يدفع خطرًا
وحسابُ العمر دليل
وفي قصيدة " واقع " نجده يلجأ للشكوى من طموحه في التجديد أو طموحه في العودة إلى المجد الغابر والفردوس المفقود ولا أحد يسمعه ولا مجيب لدعوته حتى ظن أنه يتنفس هواء غربيا أمريكيا ؛ فيقول :
تأمركت العروبة فى سمائى
وبات القهر من ألف لياء
سماء الحب تكوينى
وتبكينى .. بتكوينى
حربى لديك قصائد
ولكل جيش قائد
أرى بالشعرِ خطًّا مستديرا
كأنّ النارَ تشكو زمهريرا
وفي قصيدة " زحف " يناجي كل من عصف بالقيم وأهلك الأخلاق في بلاده سواء كان إهلاكا اقتصاديا أو فنيا أو نفسيا ؛ فيقول :
يا سيد الاعمال و الأرصدهْ
لا تغسل الأموال فى الأوردهْ
هل تستوى الجدران و الأعمدهْ ؟
أم تزرع الفتوى بلا أسمدهْ ؟!
زحف الجراد وحارت الأفئدهْ
وفي قصيدة " وللحب إنصاف " يظهر اليأس محلقا بأسرابه حول الذات الشاعرة ؛ فيسد عليها الأفق ؛ فيشكو بملء حنجرته متسائلا : ما معنى الاغتراب ؟؟ ويوجه هذا السؤال إلى حروف الجر بالذات لأنها ترمز إلى سقوط قومه في براثن الضياع والانجرار والانسحاق في الآخر ؛ فيقول :
يا حروفَ الجر ما معنى اغترابْ
كل شئ حولنا رمزُ السرابْ
غاب ديك الصبح قهرًا فى يدينا
ما هو الإيمان إن صاح الغرابْ؟!
فغياب الديك وصياح الغراب دليل قاطع على الشؤم الذي يعيشه الشاعر في بيئة خربة ليست بيئة الشموخ والعزة التي كان يأملها ويحلم بها .
وفي قصيدة ( الصمت من وحْي الرحيل) يناجي الوطن / الحب / النموذج / المرغوب / المنتظر / الحلم .. حيث يعاني من البحث بين الاشتياق والاحتراق والحنين ، إنه سدرة المنتهى وجنة المأوى ، حيث لا حياة إلا بالحب ، وهو يحترق شوقا للحب وانتظار الحلم ، وينوي عدم المراجعة للثورة ولا يدافع الجنون ، ويتعلق بالنخيل والنور الذي يشبه المدامع ، إن الشاعر يتمزق شوقا لحلم الثورة الذي لم يأتِ بل جاء الأمل وينتظر التحقيق ، فيقول في تلك القصيدة :
مازال بحثكِ جاريًا بين اشتياقي واحتراقي والحنينْ
مازلْتِ أنتِ المنتهى ياسدْرةً بالحب تحيا ..
تشتهي حلْمَ السنينْ
أنا لنْ أراجعَ ثورتي ..
لا أتّقي بعض الجنونْ
أنا لمْ ، ولنْ ..
أنا مَنْ تعلَّق بالنخيل النورِ صوتُ مدامعي
أيقَنْتُ أني كُنْتُه ، أو كُنْتُها ..
ما كُنتُني أشدو فراتًا سلسلًا ، وبغيرِها
فأتوقُ عتْقًا للنوى منْ حجْرها
أعْلنتُ عِشْقًا ساردًا في سرِّها
والأمرُ معصوبُ الجبينْ
أنا عاشقٌ للنورِ لا أنوي رحيلًا بيننا
فلْترحلي ماشئتِ ، أو فلْتقرئي
أسطورةَ الأحلامِ في وجْه اليقينْ
عودي كأنتِ محبةً ..
صوفيّةً .. ،
مدنيّةً ..
عودي شراع المتقينْ
مازال بحثُكِ جاريًا .. ،
والصمتُ منْ وحْي الرنينْ
الصمتُ من وحْي الرنينْ
وفي قصيدة ( أوقفوا الرصاص) … يعطي الناس نصيحته النهائية ؛ لأن الشاعر دائما متنبئ بما سيحدث ، وقد رسخ هذه الفكرة العقاد حيث قال ( والشاعر الفذ عند الناس رحمن ) وأكدها بعد ذلك أمل دنقل في البكاء بين يدي زرقاء اليمامة حيث أشار إلى النبية المقدسة زرقاء اليمامة التي أنذرت قومها فلم يستجيبوا لها حتى وقعوا في شرك أعدائهم وباءوا بالخسارة ، لذا يقول لهم محذرا ناصحا :
أوقفوا فورًا رصاص الغدْرِ ياجنْد السلامِ
أوقفوا كل دعاوى القتْلِ في بطن الزحامِ
ساسةُ الأحْلامِ كالوسْواسِ تلوي المُنحنى
فاستعيذوا بالإله النورِ من شرِّ الظلامِ
هلْ رأيتم في رقاب الحزنِ جوْعى مثلنا؟
أم عميتُم عنْ دعاءِ الحقِّ في نحْرِ الكلامِ؟
هلْ سمعتم عنْ رسولٍ عسكريٍّ بيننا؟
هل قرأتُم عن فتاوى من مَمَرَّاتِ الإمامِ؟
أكفرتم بعد إيمانٍ ، أمِ العودُ انحنى؟
لا تطيعوا القنْصَ في الأطفالِ بالأمر الحرامِ
أغلقوا فورًا سراديب التدني والمُنى
إبدأوا صُلْحًا ، وخيرُ النُّصْحِ من حُسْنِ الختامِ
ثم يحذر من ضياع الثورة كضياع ثورات قبلها ؛ فيحوم حول هذا التحذير فيقول في نهاية المطاف في قصيدة ( أضغاث أحلام ):
في الليلِ بالأمرِ المباشرِ جاءوا
و معَ الأوامرِ لا يجيئُ ولاءُ
دخلَتْ ضروبُ الوحْي في صدرِ الندى
حتى ارتدى مسَّ الردى عقلاءُ
في نشرة أخبارٍ قالوا ثورةً
خُلع الفسادُ وأقبلَ النبلاءُ
قُلْتُ السلامة من حبيبٍ قادمٍ
سقط القناعُ ، تناثرتْ أشلاءُ
هكذا استطاع الشاعر عبر هذا الديوان أن يبهرنا بحبه لوطنه وتراتيله الصادقة له ، واستطاع كذلك أن ينوع في ثورته من الحب إلى النصح إلى الإرشاد إلى التحذير فحوم في سماوات رائعة بتجارب فنية غاية في الروعة والقوة دون تعقيد أو غموض ، وهذه هي سمات الشعر الذي يذيع وسط قطاع عريض من الجماهير ؛ لأنه يعتمد على ذائقة فنية واعية تدرس خطواتها جيدا ، وقد تمكنت من أدواتها الفنية والإبداعية مع موهبة فطرية فطره الله عليها .


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.