مع حلول شهر رمضان المبارك، تتزيّن بيوتنا بموائد إفطار عامرة لا تعكس وفرة الطعام فقط، بل ذوقًا مصريًا راسخًا في طريقة التقديم وآداب الجلوس واحترام الضيف، لكن هل تساءلنا يومًا عن أصل هذا الشغف بتنظيم المائدة وتنسيقها بعناية؟ الحقيقة أن جذوره تمتد إلى آلاف السنين، حين وثّق المصري القديم تفاصيل موائد القرابين والنذور بدقة لافتة، مؤكدًا أن إعداد الطعام فنٌّ وقيمة حضارية، لا مجرد تلبية لحاجة يومية. تكشف النقوش الجدارية في مقابر ومعابد مصر القديمة عن مشاهد موائد مُرتبة بعناية هندسية؛ خبزٌ مرصوص في طبقات، فواكه موضوعة في سلال متناسقة، لحوم مُعدة ومصنّفة بحسب النوع والمكانة. لم يكن الترتيب عشوائيًا، بل جاء في شكل هرمي متوازن، يعكس مفهوم النظام والاتزان الذي حكم تفاصيل الحياة كلها. ◄ رسالة عبر الزمن في قاعات المتحف المصري بالقاهرة، تبدو هذه المشاهد حيّة أمام الزائر؛ موائد قرابين حجرية، وأطعمة مُجسّمة منقوشة بدقة، وأوانٍ مصممة بعناية تُظهر حسًا فنيًا راقيًا، وكأن المصري القديم أراد أن يبعث برسالة عبر الزمن، العين تأكل قبل الفم، وهي الفكرة ذاتها التي نراها اليوم في تنسيق أطباق الكنافة والقطايف وأصناف الإفطار التي تتوسط موائد رمضان. اقرأ ايضا| كان يوما ثم أصبح شهرا.. كيف تدرّج فرض الصيام من الجاهلية حتى الإسلام؟ ولم يكن الأمر مقتصرًا على الشكل الجمالي، بل امتد إلى السلوك والآداب، ففي تعاليم الحكيم بتاح حتب، نجد وصايا تنظم التصرف على المائدة، أبرزها قوله: «إذا كنت واحدًا من الجالسين على مائدة من هو أكبر منك مقامًا، فخذ ما يقدمه لك، وانظر إلى ما هو أمامك فقط». وصية تلخّص قيم الاحترام والتوقير ومراعاة الآخرين، وهي ذات القيم التي نحرص عليها اليوم في تجمعاتنا العائلية خلال الشهر الكريم. ◄ الطعام طقس اجتماعي إن مائدة رمضان ليست وليدة اللحظة، بل امتداد طبيعي لما يمكن أن نطلق عليه «مائدة الأزل»؛ حيث تجتمع الروحانية بكرم الضيافة المصري، ويتحوّل الطعام من مجرد وجبة إلى طقس اجتماعي يجمع القلوب قبل الأيدي. هكذا، بين نقوش الأمس وسفرة اليوم، تستمر الحكاية، حكاية شعبٍ جعل من الضيافة فنًا، ومن المائدة رسالة جمال لا تنتهي.