فى كل شهر رمضان من كل عام تتزين الأجواء لتشعرنا بالبهجة التى تجلت أيضاً فى الأغانى التى ارتبطنا بها وجدانياً على مدار عقود طويلة مضت، وباتت جزءاً من الموروث الثقافى الرمضانى، كذلك فإن لموائد الرحمن تاريخًا ممتدًا يعود إلى عصر الرسول (صلى الله عليه وسلم)، كما أصبح لشهر رمضان أطعمة بعينها يكثر استخدامها فى الشهر الفضيل، من أبرزها القطائف والكنافة حتى أن الشعراء تغنوا بها. أغانى رمضان يقول المؤرخ والباحث الأثرى سامح الزهار: إن من أشهر الأغانى التراثية التى ترتبط بشهر رمضان أغنية «وحوى يا وحوى» التى يتغنى بها الأطفال فى شهر رمضان الكريم وتشير المصادر التاريخية إلى أصلها المصرى القديم، فكلمة (أيوح) معناها القمر وكانت الأغنية تحية للقمر ولليالى القمرية، ونصها: «قاح وى، واح وى، إحع» وترجمتها باللغة العربية «أشرقت أشرقت ياقمر» وتكرار الكلمة فى اللغة المصرية القديمة يعنى التعجب. ويضيف: «من الأناشيد التى ظهرت فى شهر رمضان ثم عمت فى بقية الأيام ما يتغنى به أطفال المناطق الشعبية فى ألعابهم البسيطة مرددين (حادى بادى سيدى محمد البغدادى) وهى من الأهازيج المرتبطة بالشيخ محمد أمين البغدادى الذى كان محبًا للأطفال وكانوا يتغنون باسمه وعرف عنه توزيعه الحلوى على أطفال القاهرة وتحديدًا الجمالية فى شهر رمضان، والحادى هو أول يوم فى الشهر وكان يقصد به أول أيام رمضان، والبادى هو بداية العام الهجرى». ويتابع: «أما استقبال الشهر فكان أول مظاهره بعد الرؤية ظهور المسحراتى فى شوارع القاهرة، والمسحراتى هو الشخص الذى يقوم بإيقاظ الناس ليلاً قبل الفجر بفترة مناسبة ليتناولوا سحورهم وقد تطورت هذه المهنة تطورًا كبيرًا على مدى العصور الإسلامية، ففى صدر الإسلام كان المسلمون يعرفون وقت السحور بأذان بلال بن رباح، ويعرفون الامتناع عن الطعام (الإمساك) بأذان عبد الله بن مكتوم، ويتمثل المظهر الاحتفالى الثانى فى مدفع الإفطار وهو أحد أهم رموز الشهر الكريم فى مصر، بل هو العلامة الأبرز والأوضح فى الموروث الثقافى المصرى ذى الخصوصية التى تميز عادات وتقاليد شهر رمضان فى مصر». الغناء للكنافة والقطايف ويقول الزهار: «عُرف الوسط الثقافى القاهرى فى العصور الوسطى بوجود منافسة بين الكنافة والقطايف تندر بها الشعراء، حيث تغنى شعراء بنى أمية ومن جاء بعدهم ومنهم ابن الرومى الذى عُرف بعشقه للكنافة والقطايف، وسجَّل جانبًا من هذا العشق فى أشعاره، كما تغنى بها أبوالحسين الجزار أحد عشاق الكنافة والقطايف فى الشعر العربى إبان الدولة الأموية، وحظيت الكنافة والقطايف بمكانة مهمة فى التراث العربى والشعبى، وكانت ولا تزال من عناصر فولكلور الطعام فى مائدة شهر رمضان، ومنذ يوم العيد يصبح هذا الطبق نوعًا ما غريبًا عن موائدنا العربية، ويبدأ موسم القطايف بالانحسار والزوال فى انتظار عودة الشهر الكريم، يتغنى ابن عينين فيقول: «غدت الكنافة بالقطائف تسخر، وتقول: إنى بالفضيلة أجدر طُويت محاسنها لنشر محاسنى كم بين ما يطوى وآخر ينشر فحلاوتى تبدو وتلك خفية وكذا الحلاوة فى البوادى أشهر ويعقب زين القضاة السكندرى فى القطائف: لله در قطائف محشوة شبهتها لما بدت فى صحنها من فستق دعت النواظر واليدا بحقاق عاج قد حشين زبرجدا، ويقول سد الدين بن عربى فى القطائف والكنافة وقطائف مقرونة بكنافة هاتيك تطربنى بنظم رائق من فوقهن السكر المذرور ويروقنى من هذه المنثور، أما ابن الرومى فيتغنى وأتتْ قطائف بعد ذاك لطائفَ تَرْضى اللهاة ُ بها ويرضى الحنجر». زينة رمضان وعن أهم طقوس الاحتفال يوضح الزهار أن الزينة ظهرت مع العصر الفاطمى وعلى رأسها فانوس رمضان الذى بدأ استخدامه فى العصر الفاطمى، وكان الخليفة الفاطمى دائمًا ما يخرج إلى الشارع فى ليلة رؤية هلال رمضان لاستطلاع الهلال وكان الأطفال يخرجون معه يحمل كل منهم فانوس ليضيئوا له الطريق وكانوا يتغنون ببعض الأغانى التى تعبر عن فرحتهم بقدوم شهر رمضان، كما أن هناك رواية أخرى وهى أن أحد الخلفاء الفاطميين أراد أن يجعل كل شوارع القاهرة مضيئة طوال ليالى رمضان فأمر شيوخ المساجد بتعليق فوانيس على كل مسجد وتتم إضاءتها بالشموع، كذلك هو جزء لا يتجزأ من زينة ومظاهر الاحتفال بقدوم الشهر المبارك». موائد الرحمن ويقول الزهار: «المظهر الأهم هو مظهر التكافل الاجتماعى البائن فى موائد الرحمن، فقد كانت البداية الحقيقية لظهور موائد الرحمن فى عصر الرسول صلى الله عليه وسلم حين قدم إليه وفد من الطائف وهو فى المدينة واعتنقوا الإسلام واستقروا فيها لفترة فكان الرسول يرسل إليهم إفطارهم وسحورهم مع بلال بن رباح واقتدى الخلفاء الراشدون بالرسول صلى الله عليه وسلم، حتى إن عمر بن الخطاب أعد دارًا للضيافة يفطر فيها الصائمون». ويضيف: «الذى لا يعرفه الكثيرون عن موائد الرحمن أن لها تاريخاً طويلاً فى مصر فقد بدأت أيام الليث بن سعد الذى كان فقيهًا وكان ثريًا إلا أنه كان فى رمضان لا يتناول إلا الفول، بينما يقيم موائد الرحمن ويقدم فيها للصائمين أشهى الأطعمة وخصوصًا الهريسة حتى عرفت باسم هريسة الليث، وأحمد بن طولون الذى أقام بدءاً من عام 880 أول مائدة رحمن فى مصر فى السنة الرابعة لولايته، يأمر بإقامة موائد الإفطار للصائمين فى رمضان ويقدم فيها أشهى الأطعمة حيث جمع الناس على مائدة حافلة فى أول أيام رمضان وخطب فيهم «إننى لم أجمعكم حول هذه الأسمطة إلا لأعلمكم طريق البر بالناس، وأنا أعلم أنكم لستم فى حاجة إلى ما أعده لكم من طعام وشراب، لكننى وجدتكم قد أغفلتم ما أحببت أن تفهموه من واجب البر عليكم فى رمضان، ولذلك فإننى آمركم أن تفتحوا بيوتكم وتمدوا موائدكم وتهيئوها بأحسن ما ترغبونه لأنفسكم فيتذوقها الفقير المحروم»، وأخبرهم ابن طولون بأن هذه المائدة ستستمر طوال أيام الشهر الكريم، وورث ابنه خمارويه الأمر عن أبيه فقد كان يقيم موائد الرحمن للإفطار والسحور فى الأماكن العامة». ويختتم : «مع مرور الزمن اختفى طقس البر حتى عاد الخليفة الفاطمى المعز لدين الله، وأقام مائدة فى شهر رمضان يفطر عليها أهل جامع عمرو بن العاص وكان يخرج من قصره 1100 قدر من جميع ألوان الطعام لتوزع على الفقراء، وسميت «دار الفطرة»، ووصل طول بعضها إلى 175 مترًا، وفى عصر المماليك والعثمانيين تراجعت موائد الرحمن بسبب الحروب، فأكتفى المصريون فى العهد المملوكى ببعض المظاهر البسيطة التى لا تصل إلى ما سمى بعد ذلك «مائدة رحمن» وعندما جاء الاستعماران الفرنسى والإنجليزى بدأت الجمعيات الخيرية تعيد إحياء موائد الرحمن للفقراء، وفى القرن العشرين عادت مرة أخرى تحت رعاية حكومية لبنك ناصر الاجتماعى الذى كان يقيم مائدة بجوار الجامع الأزهر، يفطر عليها أربعة آلاف صائم من أموال دافعى الزكاة، بدأت موائد الرحمن بالازدهار وانتشرت فى العديد من الدول العربية والإسلامية، وكانت أول مائدة رحمن قبطية، أقيمت من أجل الإفطار فى رمضان فى حى شبرا، وبالتحديد عام 1969حين أقام القمص صليب متى ساويرس، راعى كنيسة مار جرجس، مائدة إفطار للمسلمين والمسيحيين فى شهر رمضان بميدان الأفضل بشبرا، وفى منتصف السبعينيات تراجعت موائد الرحمن، لتبقى نوعًا من التكافل البسيط بين أسر معينة، حتى عادت مرة أخرى، وبدأت المساجد أيضًا فى إعداد موائد الرحمن الخاصة بها، وتنافس الأشخاص فى معاونة المساجد، بينما كان الأكثر ثراءً يعدون موائدهم وحدهم». 2