الداخلية الفرنسية: إجراءات لتعزيز الأمن بمواقع استراتيجية قد تستهدفها إيران    قصف مقر التلفزيون الإيراني في سنندج مركز محافظة كردستان    هجوم صاروخي إيراني جديد الآن وانفجارات ضخمة تهز تل أبيب والمركز    مصدر أمني ينفي إضراب نزيلة بمركز إصلاح وتأهيل عن الطعام    الداخلية القطرية: نقوم بإجلاء المقيمين بمحيط السفارة الأمريكية احترازيا    أنغام الشباب تتألق فى الليلة الخامسة ل"هل هلالك" بساحة الهناجر (صور)    عمرو سعد يكتب تاريخًا جديدًا في رمضان | "إفراج" الأعلى مشاهدة خلال 10 سنوات    مصطفى كامل يفجر مفاجأة عن أزمة هيفاء وهبي مع نقابة "الموسيقيين"    غرفة القاهرة التجارية تنفي وقف بيع الهواتف المحمولة وزيادة الأسعار    كواليس «خناقة العقار» بالقليوبية.. الأمن يضبط طرفى المشاجرة (فيديو)    تطوير مزلقان أرض اللواء فى العجوزة.. حملات نظافة ومقاعد انتظار لخدمة المواطنين (صور)    جيش الاحتلال يصدر إنذارًا جديدًا بالإخلاء في ضاحية بيروت الجنوبية    محافظ دمياط يلتقي نواب البرلمان لمناقشة ملفات الخدمات ويؤكد: هدفنا الارتقاء بحياة المواطن    كأس فرنسا – حبيب باي يودع مجددا.. تولوز يطيح ب مارسيليا من ربع النهائي    مجلس الشيوخ الأمريكي يُسقط مشروع قرار لتقييد صلاحيات ترامب بشأن إيران    «العودة الطوعية واجب وطني»..أحمد المحقق يكشف ل«الفجر» تفاصيل الجسر الجوي إلى السودان وخطط الطاقة الشمسية وفروع جامعة الدلنج    مستشفى الهرم التخصصي تنظم إفطارًا رمضانيًا للعاملين تأكيدًا لروح الأسرة الواحدة    عبد الظاهر السقا: موقعة الزمالك والاتحاد ستكون ممتعة.. وأفشة استثنائي    أبو ظبي للطاقة تؤكد استمرارية خدماتها بشكل طبيعي في ضوء التطورات الإقليمية    حرب إيران في زمن الAI.. انتصار «الكود» أسرع من رمشة عين الجنرالات    محافظ الإسكندرية يستقبل وفداً من الكنيسة القبطية للتهنئة بتوليه مهام منصبه    مسئول إيراني: طهران لم ترسل أي رسائل إلى الولايات المتحدة.. وقواتنا تستعد لحرب طويلة    حجز الأم متهمة بحرق رضيعتها في الشرقية.. وعرضها على طبيب نفسي لبيان سلامة قواها العقلية    الوداد يتعادل مع الجيش الملكي 1 - 1 فى الشوط الأول بالدوري المغربي    على موائد العابرين.. مبادرة سودانية تصنع دفء رمضان في قلب القاهرة    كاريك: لسنا سعداء بالنتيجة.. ونيوكاسل استحق الفوز    الكاتب مصطفى أبو شامة: «صحاب الأرض» أعاد بريق الدراما المصرية في معركة الوعي    إيوان يجدد نداء الحياة.. رسالة فنية تتحدى الحرب وتوحد القلوب العربية    كبار القراء ونجوم «دولة التلاوة» يواصلون إحياء الليلة الخامسة عشرة من رمضان في المساجد الكبرى    قائمة بيراميدز - غياب مصطفى فتحي أمام حرس الحدود    النائب العام يستقبل عددًا من أطفال مستشفى 57957 ويناول معهم مأدبة الإفطار    احذري، تدخين طعام الإفطار بالفحم المشتعل يهدد صحة أسرتك    محافظ الغربية: ضبط 160 شيكارة دقيق بلدي مخصص للمخابز البلدية    مصرع وإصابة 4 أشخاص بحادث انقلاب سيارة بالبحيرة    طقس اليوم، ارتفاع درجات الحرارة وظهور سحب منخفضة على هذه المناطق    محافظ الإسماعيلية يدعم لاعبي الإسماعيلي قبل مواجهة المصري    إنتر ميلان ويوفنتوس يتصارعان لضم أليسون بيكر    أديمي يرفض تجديد عقده مع بوروسيا دورتموند تمهيدًا للانتقال إلى البريميرليج    اليوم السابع يتسلم 6 جوائز فى حفل تفوق النقاد الرياضيين    قوة دفاع البحرين: تدمير 74 صاروخًا و117 طائرة مسيّرة منذ بدء الاعتداءات الإيرانية    "أبو شنب" 45 سنة مسحراتي يصحي النايمين بميكروفون وطبلة بكفر الشيخ.. فيديو    «الفلاش باك» فى رأس الافعى يرصد رحلة التطرف من سيد قطب إلى محمود عزت    أخبار الفن اليوم.. عمرو سعد: مسلسل "إفراج" الأعلى مشاهدة بآخر 10 سنوات، "الصحفيين" تكرم أبطال "صحاب الأرض"، مايا دياب تكشف طبيعة علاقتها بابنتها المسلمة    تراجع جديد في سعر جرام الذهب بالصاغة بختام تعاملات اليوم    المشيخيون يستعدون للمشاركة في الدورة السبعين للجنة وضع المرأة بالأمم المتحدة دعمًا لحقوق النساء    نواب رئيس جامعة بنها يشاركون طلاب المدن الجامعية حفل إفطار رمضان    أخبار × 24 ساعة.. رئيس الوزراء: التصدى لأى محاولة لممارسات احتكارية للسلع    التغذية السليمة لمرضى الكبد الدهني فى رمضان    جنى إيهاب: القرآن لا يضيّع أهله.. وأوأظب على حفظه ومراجعته يوميًا    محافظ دمياط يشارك الأيتام وذوي الهمم حفل الإفطار الجماعي (صور)    درة تعادي أحمد العوضي وتهدد معلمين التوفيقية في "علي كلاي"    ليلة خاشعة.. صلاة التراويح من المجمع الإسلامى الكبير بسلوا بأسوان.. فيديو    كنوز| الشهر الفضيل في مرآة نجيب محفوظ    جامعة الفيوم تنظم مسابقة الأحاديث والسيرة النبوية تحت شعار «رمضان يجمعنا».. صور    وكيل تعليم الشرقية يفاجئ 6 مدارس بإدارة كفر صقر التعليمية    محافظ الدقهلية: 1341 مواطنا استفادوا من القافلة الطبية المجانية بقرية أبو جلال    انعقاد الملتقى الثاني للطلاب الوافدين عن «دور المرأة في تنمية الوعي المجتمعي»    جيل جديد في المجلس القومي لحقوق الإنسان.. محمد جمال عثمان نموذجًا    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



أبو ذَرٍّ الغفاريّ (رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) المتوحِّد الثائر
نشر في بوابة الشباب يوم 08 - 11 - 2015

(1) كان المسلمون في طريقهم إلى تبوك، استشعر بعض منهم تَخَلُّف أشخاص بعينهم، كانوا يقولون: « يا رسول الله، تَخَلَّف فلان »، فيأمرهم النَّبيّ أن لا ينشغلوا بهذا الأمر وأن يدَعُوا كل شخص وشأنه، فإن كان في هذا الشخص خير فسيُلحِقُه الله بكم، وإن كان به غير ذلك فقد أراحكم الله منه..
انتهى الكلام في هذا الموضوع، إلا أن مكانة أبي ذَرٍّ الغفاري التي لا تخطئها عين فتحت مجالًا لدهشة أرغمت أحدهم على أن يقول: « يا رسول الله، لقد تخلف أبو ذَرٍّ ».
كانوا يتوقعون أن يصارحهم الرَّسُول (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) بسِرِّ غياب هذا الشخص تحديدًا، إلا أن الرَّسُول أعاد قوله عليهم: « دعوه، إن يكُ به خير فسيُلحِقُه الله بكم ».
في موضع آخَر بعيد كان أبو ذَرٍّ فوق ظهر بعيره الهزيل، وكان أبو ذَرٍّ يستحثُّه على السير أسرع قليلًا دون فائدة، فما كان منه إلا أن سحب فوق ظهره متاعه، ونزل من فوق ظهر البعير تاركًا إياه في الصحراء ليقطع الطريق باتجاه الرَّسُول مشيًا على قدميه حتى يلحق به.
كان الدرب مُوحِشًا، لكنه ذكَّر أبا ذَرٍّ بالأيام الخوالي.
(2)
هل من قطع الطريق فائدة سوى جَنْي المال ؟
بدأ أبو ذَرٍّ حياته قاطعًا للطريق في سياق إرث مهني عائلي لقبيلة غفار التي كانت تتوسط طرق التجارة في الجزيرة العربية، لم يكُن أبو ذَرٍّ يقطع الطريق ليسرق أو ليقتل، كان الأمر أشبه بتحصيل رسوم المرور الآمن من هذا الطريق، الأمن مقابل بعض العطايا .
في إحدى المرات وبينما يجهز قائد قافلة قُرَشِيَّة رسوم المرور ليدفعها لأبي ذَرٍّ سأله الأخير عن الأحوال في مكَّة، فقال له الرجل: « توتُّرٌ ما يسود الأجواء هناك بعد أن ظهر نبي برسالة جديدة تدعو إلى التوحيد ».
طلب أبو ذَرٍّ من شقيقه أن يسافر إلى مكَّة ليأتي بخبر صادق عن هذا النَّبِيّ، فسافر.
لكن ما الذي جعل أبا ذَرٍّ يهتمّ بالقصة؟
كان أبو ذَرٍّ قبل ذلك بسنوات ثلاث لا يصلِّي إلا بجملة واحدة، « لا إله إلا الله »، يقوم عند شروق الشمس فيصلِّي حتى يُؤذِيَه حَرُّها، في ما بعد سأله أبو بكر: « إلى أين كنت تتوجه في صلاتك؟ »، قال: « لا أدري.. حيثما يوجِّهني الله كنت أصلِّي ».
عاد شقيقه من مكَّة فسألة أبو ذَرٍّ عن النَّبيّ، فأخبره عن أوصافه حتى ارتسمت صورته في ذهنه، فسأله عن رسالته، فقال: « هو رجل يأمر بالخير وينهى عن الشر ».
لم تشفِ إجابة الشقيق فضول أبي ذَرٍّ...
فحمل متاعه وعصاه متوجهًا إلى مكَّة ليستطلع الأمر بنفسه.
(3)
في الطريق إلى تبوك دفعت الشمس أبا ذَرٍّ إلى الاختباء قليلًا في ظِلّ تَلٍّ صغير حتى تهدأ فيعاود السير.. شعر بالعطش، ثم تَذكَّر أنه قد سبق له أن شرب من الماء ما يكفيه سنوات طويلة فانزاح عنه الظمأ.
(4)
عندما وصل أبو ذَرٍّ إلى مكَّة خاف أن يسأل صراحة عن النَّبِيّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
كان قد استمع إلى قصص العذاب الذي يطول كل من يفتح هذا الموضوع بين أهل مكَّة.
ظَلّ يطوف بالحرم بحثًا عن شخص ضعيف لا يقوى على إيذائه إذا سأله عن النَّبيّ الجديد، حتى وجد شخصًا نحيلًا فاقترب منه دون أن يعرف أن هذا النحيل كان هو الفخ الذي وضعَته قُرَيش للغرباء في صحن الحرم.
وقع أبو ذَرٍّ في الفَخّ بسهولة.
سأل النحيلَ: « أين الصابئ الذي تتحدثون عنه؟ »، فصاح النحيل بكلمة السر: « الصابئ؟ الصابئ؟ »، فاجتمع عليه القوم وأوسعوه ضربًا حتى تركوه صنمًا من دم لا يقوى على الحركة.
لملم أبو ذَرٍّ ما تبقى منه واتجه إلى بئر زمزم.
ظَلّ ماكثًا في رحابها أكثر من ثلاثين يومًا لا طعام له إلا ماؤها ..
يقول إنه لم يدخل جوفه خلال هذه المدة إلا ماء زمزم، حتى سمن وتدلى بطنه أمامه ولم يشعر قَطُّ بجوع.
(5)
بلَّت الذِّكْرَى ريق أبي ذَرٍّ وهو في انتظار انكسار الشمس ليواصل طريقه باتجاه الرَّسُول (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)، وارتاحت نفسه، بالضبط كما ارتاحت في أول لقاء بينهما.
(6)
ظَلَّ أبو ذَرٍّ مختبئًا في حرم البئر ثلاثين يومًا يفكِّر ألف مرة قبل أن يسأل من جديد عن النَّبيّ، خوفًا من أن يُقتل قبل أن يلقاه.
كان عَلِيّ بْن أبِي طَالِبٍ (رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) عين الدعوة في أنحاء مكَّة، كان دائم التجوال في أنحائها بحثًا عمَّن هم في مثل حال أبي ذَرٍّ، التقطه في أول مرة فمرَّ به صامتًا، في المرة الثانية قال له علِيٌّ بصوت خفيض: «أما آن للرجل أن يعرف مثواه بعد؟».
لم يلتقط أبو ذَرٍّ الرسالة في أول مرة، لكنه ظَلَّ منتبهًا حتى مرّ به علِيٌّ من جديد فكرر عليه السؤال، فقال أبو ذَرٍّ: «لا».
قال عَلِيّ: ما أمرك؟
قال أبو ذَرٍّ: إن كتمت علَيَّ أخبرك.
قال عَلِيّ: فإني أفعل.
قال أبو ذَرٍّ: سمعت عن أنه قد خرج هنا رجل يزعم أنه نَبِيّ، أرسلت أخي ليكلمه لكن أخي رجع دون أن يقدِّم جملة مفيدة، فقررت أن أتقصَّى الأمر بنفسي.
قال عَلِيّ: أتبعني.
كانت الخطة واضحة.
قال له عَلِيّ بْن أبِي طَالِبٍ إنه سيسبقه بخطوات، فإذا مرّ الأمر بسلام دون أن يقطع طريقهم أحد الأكمنة التي نصبتها قُرَيش فلا بأس، لكن إذا استشعر علِيٌّ خطرًا ما فسيتوقف ويستند إلى الحائط كأنه يُصلِح نعله، وعلى أبي ذَرٍّ في هذه الحالة أن يستمرَّ في السير إلى الأبد.
يبدو أن هذه الخطة لم تنجح.
بعدها بأيام، وكان القمر قد اكتمل بينما أهل مكَّة جميعهم يَغُطُّون في النوم، كان أبو ذَرٍّ مرابطًا إلى جوار الكعبة، فاقتربت امرأتان تطوفان وتبتهلان إلى صنمَي «إساف» و«نائلة»، سمعهما أبو ذَرٍّ فطلب من المرأتين ساخرًا أن تزوِّجا الصنمين كليهما للآخَر.
لم تستجب المرأتان لسخرية أبي ذَرٍّ، فتمادى شارحًا لهما كيف أن زواج إساف ونائلة سيكون ممتعًا، خصوصًا أن «فرجيهما» من الخشب. هنا حدث الانهيار وبدأت المرأتان في الصياح استنجادًا بأي من أهل قُرَيش لتأديب هذا الرجل.
في تلك اللحظة كان رجلان يهبطان من الجبل في اتجاه الحرم، فما كان من أبي ذَرٍّ إلا أن اختبأ بعيدًا.
(7)
في منتصف الطريق إلى تبوك تَوَقَّف المسلمون في صحبة الرَّسُول ونزلوا إحدى المنازل ليستريحوا.
لم يُخْفِ المسلمون بينهم قلقهم بخصوص غياب أبي ذَرٍّ، كانوا يعرفون أنه متمرِّد، ثائر، لا يعرف الدبلوماسية، جريء بما يكفي لأن يقول عنه سيدنا عَلِيّ بْن أبِي طَالِبٍ في ما بعد: « لم يبقَ اليوم أحد لا يبالي في الله لومة لائم غير أبي ذَرٍّ، ولا نفسي »، ثم ضرب بيده على صدره ليؤكد المسألة: « ولا نفسي ».
لكن في الوقت نفسه يعرفون مكانة أبي ذَرٍّ عند الرَّسُول خير معرفة، كيف لا وهم الذين شاهدوه يمتطي الحمار خلف الرَّسُول، وهم الذين شاهدوا الرَّسُول يبتدئ أبا ذَرٍّ بالكلام إذا حضر ويتفقَّده إذا غاب، وهم الذين سمعوها صريحة من فم الرَّسُول (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): « ما تُقِلُّ الغبراء ولا تُظِلُّ الخضراء على ذي لهجة أصدق وأوفى من أبي ذَرٍّ شبيه عيسى ابن مريم »؟
فما الأمر إذًا؟
(8)
بعد أن سخر الغفارى من المرأتين وأصنامهما كان رجلان يهبطان من الجبل في اتجاه الحرم، فما كان من أبي ذَرٍّ إلا أن اختبأ بعيدًا.
و رأى الرجلين يقتربان من ضحيتهما، سمع أحد الرجلين يسأل عن القصة فأخبرته واحدة منهما بالقصة ثم انصرفتا.
لمح أبو ذَرٍّ الرجلين يستقبلان الحجر الأسود ثم يطوفان بالكعبة، ثم شرعا في الصلاة.
اقترب أبو ذَرٍّ منهما وتأمل وجه أحدهما في ضوء القمر فعرف أنه النَّبِيّ.
انتظره حتى أنهى صلاته ثم اقترب منه فكان أول شخص يحيِّيه بتحية الإسلام: «السلام عليكم»، قال الرَّسُول: «وعليك رحمة الله»، قرأ الرَّسُول في الشخص الواقف أمامه مسلمًا جديدًا يتلمَّس الطريق.
سأله الرَّسُول (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): مِمَّن أنت؟
قال أبو ذَرٍّ: من غفار.
فضرب الرَّسُول جبهته بيده.. عرف أبو ذَرٍّ أن الرَّسُول لا يرتاح لانتماء هذا الرجل إلى قبيلة قُطَّاع الطرق.
تَأكَّد من ذلك عندما قال الرَّسُول متعجبًا: «إن الله يهدي من يشاء».
حكى أبو ذَرٍّ قصته كاملة للنَّبِيّ.
طلب منه النَّبيّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) قبل أي شيء أن يأكل بعد ثلاثين يومًا من الماء، فتَكفَّل أبو بكر (رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) بضيافته في تلك الليلة.
شَهَرَ أبو ذَرٍّ إسلامه بين يدَي النَّبِيّ، ثم طلب منه أن يكتم الأمر: « يا أبا ذَرٍّ، اكتم هذا الأمر، وارجع إلى بلدك، فإنْ بلغك ظهورنا فأقبِلْ ».
خرج أبو ذَرٍّ من عند الرَّسُول (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) متجهًا إلى صحن المسجد الحرام وقُرَيش فيه، ثم هتف بالشهادتين... « قوموا إلى هذا الصابئ »، قالت قُرَيش، فضربوه أشدَّ مِمَّا سبق، إلى أن ظهر العباس في الصورة قائلًا: تقتلون رجلًا من قبيلة غفار، وتجارتكم وأموالكم تمرُّ بأرضها؟! .
فخاف أهل قُرَيش من انتقامٍ وحشيٍّ، خافوا على مستقبلهم، فكَفُّوا أيديَهم عنه.
بخلاف جَنْيِ المال، كانت هذه هي الفائدة الثانية من قَطْع الطريق، فقد أنقذت المهنة أبا ذَرٍّ من الموت، وكتبت له عمرًا جديدًا.
كانت الفائدة الأولى عندما علم بأمر النَّبيّ وهو يقطع الطريق، فترك كلَّ ما في يديه بحثًا عنه حتى أصبح سادس المسلمين.
(9)
انكسرت الشمس قليلًا فقام أبو ذَرٍّ ليواصل المسير حتى يلحق بالنَّبيّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) والمسلمين، كان خلال المسير يتأمل حياته كقاطع طريق تائب وأثر النبى فيها .
« كنتُ فظًّا ».. قال أبو ذَرٍّ، وتَذكَّر عندما سبّ بلال بن رباح (رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) وعيَّره بأمه قائلًا: « يا ابن السوداء ».
أما سبِّي لبلال فقد غيَّر طريقة حياتي إلى الأبد؛ قال لي الرَّسُول (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) بعد أن عرف القصة: « إنك امرؤ فيك جاهلية ».
وضعتُ رأسي على الأرض قائلًا لبلال: « ضع قدمك على رقبتي »، أستحثه أن يفعل ذلك.
وبلال يقول: « سامحتك، غفر الله لك »، ولم أسترِحْ إلا بعد أن رأيت نظرة رضا في عينَي النَّبيّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أتبعها بقوله: « فمن كان أخوه تحت يده فليُطعِمه مِمَّا يأكل، وليُلبِسه مِمَّا يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتموهم فأعينوهم ».
من يومها أقسمت بالله أن لا ألبس إلا الثوب نفسه الذي يلبسه خادمي، ولا أطعم نفسي إلا مِمَّا أطعمه، صار هذا النوع من الناس هو قضيتي، وصرت نصيرًا لهم في كل موضع.
كنتُ طالبَ دنيا، وطلبت من الرَّسُول أن يولِّيني مسؤوليةً أو قيادةً ما، لكنني لم أكُن أعلم أن هلاكي في هذه الأمنية، قال لي النبي: « يا أبا ذرّ، إني أراك ضعيفًا، وإني أحبّ لك ما أحبّ لنفسي، لا تَأَمَّرَنَّ عَلَى اثنين ، ولا تَوَلَّيَنَّ مالَ يتيم ».
زهدتُ الإمارة بعد أن قال لي النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : « إنّك ضعيف، وإنّها أمانةٌ، وإنّها يومَ القيامة خِزْيٌ وندامة إلا مَن أخذها بحقِّها وأدَّى الذي عليه فيها ».
ظلّ أبو ذَرٍّ بعدها متعبِّدًا زاهدًا، قيل له بعد سنين: ألا تتخذ أرضًا كما اتخذ أقرانك؟ قال: وما أصنع بأن أكون أميرًا، وإنما يكفيني كل يوم شربة من ماء أو لبن، وفي الجمعة قَفِيزٌ من قمح.
نذر في حضرة النَّبيّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) نذرًا ظلّ وفيًّا له إلى أن مات.. « كان قوتي على عهد رسول الله صاعًا من التمر، فلست بزائدٍ عليه حتى ألقى الله تعالى »، ذلك أنه سمع قول النبي: « أَقْرَبُكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا يَوْمَ القِيَامَةِ مَنْ خَرَجَ مِنَ الدُّنْيَا كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ تَرَكْتُهُ فِيهَا ».
كان النَّبيّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يعرف حرارة دماء أبي ذَرٍّ، فكان يقول له كأنه يوصيه للأيام القادمة: « اصبر حتى تلقاني ».
وكان طلب النَّبيّ منه واضحًا بأن يسمع ويطيع.
كان أبو ذَرٍّ يتذكَّر، وفي الوقت نفسه يفكِّر هل سيلحق بجيش المسلمين الذي سبقه على هذا الطريق أم لا، ثم اطمأن للأمر كله أيًّا كان المصير.. قبل ذلك بسنوات كان قد قال للنبي: يا رسول الله، الرجل يحب القوم ولا يستطيع أن يعمل بعملهم، فقال له النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أنت مع مَن أحببت يا أبا ذر.
هو معهم إذن.
(10)
بينما عثمان (رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) يتولى مسؤولية الخلافة كان أبو ذَرٍّ في الشام يقيم ويراقب فوارق تنمو وتكبر بين رجال الحكم وعلى رأسهم معاوية بن أبي سفيان، وبين عموم المسلمين، بخاصَّةٍ بعد أن تدفقت الأموال بعد الفتح من مصر وبلاد الفرس، فأثْرَت نخبة من المسلمين وبقي كثيرون على حالهم.
اختار أبو ذَرٍّ أن يثور للفقراء فالتفُّوا حوله، كان يسعى طول الوقت لجذب الأنظار إليهم، تَحَوَّلَت كلماته إلى شعارات تتردد في تجمعاتهم.
كان أبو ذَرٍّ يقول: «عجبت لمن لا يجد القوت في بيته كيف لا يخرج شاهرًا سيفه على الناس».
أثارت الجملة حفيظة سكان القصور واعتبروها تهديدًا، فأرسلوا إليه العطايا والأموال، لكنه انتصر للفقراء من جديد.
قال أبو ذَرٍّ: «لا حاجة لي في دنياكم».
ثم زادهم من الشعر بيتًا فقال: «إذا سافر الفقر إلى مكانٍ ما قال الكفر خذني معك».
كان أبو ذَرٍّ (رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) يحمِّل الكبار مسؤولية أن يفقد الفقراء دنياهم ودينهم، فأرسل معاوية إلى عثمان رسالة يقول فيها: «إن أبا ذَرٍّ قد أفسد الناس في الشام»، فطلب إليه أن يقابله ويناقشه.
دخل أبو ذَرٍّ على معاوية قائلًا: أذكِّرك بقول الله «وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ»، قال معاوية: نزلت في أهل الكتاب.
قال أبو ذَرٍّ: نزلت فيهم وفينا.
استرجع أبو ذَرٍّ مهاراته القديمة في قطع الطريق، فشعر معاوية أنه لا منفذ للهروب من مواجهة هذا الرجل، فأرسل يجدِّد الشكوى إلى عثمان، فطلب عثمان أن يقابله بنفسه.
(11)
بينما يتأهَّب المسلمون للرحيل عن محطة راحتهم باتجاه تبوك، نظر أحدهم فرأى رجلًا قادمًا من بعيد على قدميه.
قال: يا رسول الله، هذا رجل يمشي على الطريق.
قال النَّبيّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): « كن أبا ذَر ».
كانت ملامح الرجل تتضح ببطء كلَّما اقترب من المسلمين إلى أن صاح أحدهم فرحًا: «هو واللهِ أبو ذَرٍّ».
قال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « رحم الله أبا ذَرّ، يمشي وحده، ويموت وحده، ويُبعَث وحده ».
(12)
في الطريق إلى عثمان (رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) كان أبو ذَرٍّ يعيد على نفسه وصيَّة النَّبيّ له: « اسمع وأطِعْ ».
واسترجع نصيحة النَّبيّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ له بالصبر في سياقها، كان النَّبيّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قد سأله عن ردّ فعله إذا وجد أمراءَ يستأثرون بالخير، فقال أبو ذَرٍّ: « إذًا والذي بعثك بالحقّ أضرب بسيفي حتى ألحق به ». فقال: « أفلا أدُلّك على ما هو خير من ذلك؟ اصْبِرْ حتى تلقاني ».
في المدينة وجد أبو ذَرٍّ صدى لدعوته الثورية، فالتف حوله الفقراء من جديد، وشعر بحجم المسؤولية الملقاة فوق عاتقه بينما يدخل على خليفة المسلمين.
تناجى عثمان وأبو ذَرٍّ حتى ارتفعت أصواتهما، ثم خرج أبو ذَرٍّ على الناس مبتسمًا، فسألوه: مالك ولأمير المؤمنين؟ قال: « سامع مُطِيع ».
كان عثمان رضى الله عنه قد طلب منه أن يبقى إلى جواره على أن يُجزِل له العطاء، إلا أن أبا ذَرٍّ آثر أن يرحل بعيدًا وحيدًا، فطلب من عثمان أن يأذن له بالرحيل إلى «الربذة» في شمالِيّ العراق، فأذن له.
لولا وصيَّة النَّبيّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالسمع والطاعة ربما تَغَيَّر الأمر.
التزم أبو ذَرٍّ بالوصيَّة بينما يتصاعد الضغط عليه.
عندما استقر في العراق بدأت تزوره وفود كثيرة طالبة منه أن يحمل راية الثورة على عثمان بن عفان رضى الله عنه، قالوا له: « فعل بك الخليفة كذا وكذا، وإذا أردت نمدُّك بالرجال ما شئت ».
كان أثر النَّبيّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) حاضرًا عندما رأى أبو ذَرٍّ وصيَّة النَّبيّ في كفة والفتنة في كفة أخرى، فقال للناس: « والله لو أن عثمان صلبني على أطول خشبة أو جبل لسمعت وأطعت وصبرت واحتسبت، ورأيت أن ذلك خيرٌ لي، ولو سيَّرني ما بين الأفق إلى الأفق لسمعت وأطعت وصبرت واحتسبت، ورأيت أن ذلك خير لي، ولو ردَّني إلى منزلي لسمعت وأطعت وصبرت واحتسبت، ورأيت أن ذلك خيرٌ لي ».
انقطع أبو ذَرٍّ (رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) عن الناس، لكن بقي يضيِّف من يزوره بالنصيحة.
(13)
« أوصيك بحب المساكين وأن تدنو منهم..
وأن تنظر إلى من هو دونك، ولا تنظر إلى من هو فوقك..
ولا تسأل أحدًا شيئًا..
وصِلْ رحمك وإن أدبرت..
وقل الحق وإن كان مُرًّا..
ولا تخَفْ في الله لومة لائم..
وما تكنزه هو جمر عليك حتى تفرغه في سبيل الله..
والمال درهمان، واحد تنفقه على عيالك، والثاني تقدمه لآخرتك، الدرهم الثالث يضرك ولا ينفعك..
وأكثِرْ من لا حول ولا قوة إلا بالله فهي كنز »...
قال أبو ذَرٍّ...
(14)
ماتت ابنته ثم ابنه، وبقي في الربذة حيث لا شيء سوى خيمته وزوجة عجوز.
كان يلفظ أنفاسه الأخيرة وسط دموع زوجته وغلامه.
سألها عمَّا يبكيها، فأخبرته كم يشقّ عليها أن يموت وحيدًا « في أرض مقطوعة وليس لدينا ثوب يسَعُك كفنًا ».
قال أبو ذَرٍّ: « إذا مِتُّ، فاغسلاني وكفِّناني، وضعاني على الطريق، فأول ركب يمرون بكما فقولا: هذا أبو ذَرٍّ ».
فلما مات فعلا ما أمر به.
بعد قليل مَرّ عبد الله بن مسعود مع جماعة من أهل الكوفة، رأى المشهد فقال: ما هذا؟
قال الغلام: هذا أبو ذَرٍّ صاحب رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم، فأعينونا على دفنه.
صلَّى عليه ابن مسعود ودفنه، ثم وقف أمام قبره يبكي قائلًا: صدقتَ يا رسول الله.. مشى وحده.. ومات وحده.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.