من أبرز التخوفات التي يبديها البعض حول الانتخابات البرلمانية التي تجري في مصر هذه الأيام، هو الدخول المؤكد للتيار السلفي متمثلا في حزب النور للبرلمان المصري، إذ يرى هؤلاء المتخوفون أن حزب النور أو بالأحرى التيار السلفي بعمومه ليس له من التاريخ النضالي، أو حتى من الخبرة السياسية التي تؤهله لذلك، وأن الأولى بهذا التيار أن يشارك في الحياة السياسية بداية، فيعمق من خبرته فيها ويجود من خطابه السياسي، بما يلائم المرحلة السياسية التي تعيشها البلاد، فلا يخلط بين ما هو وعظي وبين ما هو سياسي. وكانت هذه المبررات هي ما انطلق منه البعض من أتباع التكتلات العلمانية والليبرالية، لتخويف الشعب المصري من مستقبل بلاده، في ظل وجود سياسي قوي للإسلاميين، وهو ما لم يجد صدى إلا لدى قلة قليلة ممن خدعها الإعلام المشوش، وأوقعتها الشعارات الزائفة في فخ عدم النظر للحقائق بعين مبصرة، وغض الطرف عن تجارب حكم علمانية سابقة، كان أهم ما فعلته في بلادنا أن جعلت من الفساد والاستبداد منظومتين أساسيتن للحياة. تناقضات الليبراليين من البدهي القول بأن موقف الليبراليين من التيار السلفي هو نموذج جديد يضاف إلى نماذج أخرى تؤكد تهافت إيمان هؤلاء بالحرية والديمقراطية المزعومة فالحرية لديهم يمكن أن تكون للجميع إلا للإسلاميين فليس لهم أن يتنعموا بها أو يشعروا بأجوائها . والحقيقة الأولى أن هذا الموقف ليس من التيار السلفي فحسب، كما يحاولون أن يوهمونا، وإنما هو موقف من كل الإسلاميين بلا استثناء، فمعركتهم ضد الإخوان المسلمين لم تتوقف بعد، وإن خفت صوتها قليلا إزاء هذا الموقف الشعبي العارم الداعم لمرشحي حزب الحرية والعدالة – الجناح السياسي للجماعة – وهو ما دفعهم إلى تحويل المعركة ظاهريا ضد التيار السلفي، غير أن المستهدف الحقيقي من الحرب هو الإسلاميون والمشروع الإسلامي، وهو ما يفترض أن يكون الإسلاميون قد أدركوه واستوعبوا مغزاه. أما الحقيقة الثانية، فإن تمكن التيار السلفي من الحصول على نحو 22% من المقاعد البرلمانية في المرحلة الأولى من الانتخابات البرلمانية، فضلا عن حصول الحرية والعدالة على أكثر من 40%، مثل لهؤلاء صدمة كبيرة؛ فقد كشفت أولا عن أن جهود هذا التيار الليبرالي ذهبت أدراج الرياح، وأكدت ثانيا أن الإسلاميين بمختلف توجهاتهم تجذروا في الشارع المصري، للدرجة التي باتت معها مؤامرات وخطط التشويه غير ذات جدوى، ومن ثم فإنه يجب سلوك منهج مغاير للحرب ضدهم، وهو ما تمثلت بوادره في أمرين: الأول: التهديدات المتكررة من قبل بعض العلمانيين، بترك البلاد في حال وصل الإسلاميون للحكم، وهي تهديدات بقدر ما تصيب المرء بالحيرة والدهشة من هؤلاء، بقدر ما تثير الضحك والسخرية وتطرح التساؤل حول ما يريده هؤلاء، أليسوا هم من ينادون بالديمقراطية وإرادة الشعب؟ وها هو يقول كلمته، فهل نزيف كلمة الشعب إرضاء لخواطرهم أم نأتي بشعب آخر؟ على حد قول أحد المرشحين المفترضين لرئاسة الجمهورية . الثاني: دعوات التدخل الأجنبي التي كشفت الوجه القبيح لهؤلاء، وخلعت عنهم ثوب الوطنية، الذي لم يفتأوا يخدعوننا بارتدائه، فما يشغل هؤلاء جملة وتفصيلا هو التحكم في مقاليد الأمور بالبلاد، وتسييرها وفقا لهوى الأسياد. إيجابيات المشاركة وللموضوعية أيضا، فإن بعضا من الإسلاميين يشعرون بهواجس خفية من المشاركة السلفية في البرلمان، استنادا إلى ما تردد حول قلة الخبرة السياسية، فضلا عن الخلاف الذي يمكن أن يقع بينهم وبين إسلاميين آخرين داخل البرلمان، فيبدو الأمر وكأنه شقاق إسلامي، ويصبح الأمر ثغرة يمكن أن تتسع ويستغلها المعادون للضرب تحت الحزام. والفرق بين هذه التخوفات وسابقتها، أن الثانية تشعر بها قلوب مخلصة حريصة على نجاح التجربة الإسلامية، ومن ثم فهي حالة حوار مع النفس ومحاولة للوصول لأفضل الصيغ في إحداث حالة توافق إسلامي – إسلامي فالتربص ليس بتيار أو تنظيم ولكنه التربص بالإسلام نفسه "ودوا ما عنتم قد بدت البغضاء من أفواههم". وبغض النظر عن قضية الخبرة السياسية التي يمكن أن نلتمس فيها للتيار السلفي الكثير من المبررات؛ إذ كانت الأجواء السياسية في العهد البائد لا تسمح بمشاركتهم إلا في أضيق الحدود كما أن هذه الخبرة يمكن بل سيتم اكتسابها عبر المشاركة الفعلية حتى لو كانت ببعض الأخطاء، فبغض النظر عن هذا فإن المشاركة السلفية في العملية السياسية بشكل عام والعمل البرلماني بشكل خاص سيكون له انعكاساته وإيجابياته على الحالة الإسلامية برمتها والتي من أهمها: 1- جذب الكثيرين من الإسلاميين الذين آثروا البعد عن العمل العام واستقطابهم للمشاركة بفاعلية في الحياة العامة بأشكالها المختلفة سياسية واجتماعية وثقافية وهو ما سيزيد من احتكاك الإسلاميين بالشارع فيفرز من بينهم مبدعين في مختلف المجالات وخاصة المجالات الثقافية والفكرية التي ظلت طيلة ما مضى محصورة على تيار بعينه فضلا عن المحسوبين على النظام البائد. 2- إحداث حالة من التطور الفكري والبرامجي لدى التيار السلفي الذي يحلو للكثيرين اتهامه بالجمود وعدم اتصاله بالواقع وإدراكه لمقتضيات المرحلة وهو ما بدأ يحدث بالفعل حيث تدور في الوقت الحالي الكثير من النقاشات حول قضايا سياسية واجتماعية كان ينأى هذا التيار بنفسه عن الدخول في تفاصيلها وهو ما يعد في النهاية إثراء لأطروحات الإسلاميين. 3- يمثل تعدد الأحزاب والتوجهات الإسلامية في العمل العام وفي البرلمان أدوات دفع نحو الأصوب والأفضل؛ فوجود أشخاص يتبنون وسائل مختلفة وذوي مرجعية إسلامية، يدفع بعضهم بعضا ناحية الالتزام بما هو أقرب للإسلام روحا ومنهجا، ليخرج الرأي إجمالا وقد حقق المصلحة المرادة وحظي بالرضا الشعبي. 4- التعدد يمنع الاحتكار والاعتقاد بامتلاك الحقيقة المطلقة لدى أي فصيل من الفصائل، ويدفع للحوار وقبول الآراء المتعددة، طالما تستند في النهاية لرؤى متقاربة. 5- تشكيل جبهة صد إسلامية ضد أية محاولة للقفز فوق الثوابت الإسلامية، وترسيخ وتقنين ما هو خارج عنها تحت إدعاءات الحرية وحقوق الإنسان.