بالتزامن مع انطلاق فعاليات معرض القاهرة الدولى للكتاب، صدر كتاب «فرقة الست» للكاتب والناقد الفنى محمد شوقى، كاشفًا للمرة الأولى عن الكواليس الخفية لأشهر فرقة موسيقية فى تاريخ الغناء العربى، فرقة أم كلثوم، عبر توثيق دقيق لمسيرة 100 عازف وقفوا خلف «الست» وصنعوا معها مجدًا فنيًا استثنائيًا امتد لعقود. الأسطورة غالبًا ما تُروى حكاية أم كلثوم من زاوية الصوت وحده، بوصفه ظاهرة فنية متفردة تجاوزت الزمن؛ غير أن هذا الصوت لم يكن يومًا منفصلًا عن فرقة كاملة شكّلت معه نسيجًا موسيقيًا متكاملًا. كتاب «فرقة الست» يُعيد ترتيب المشهد، ويُزيح الستار عن رجال ظلّوا لعقود خلف الأضواء، بينما كانوا فى الحقيقة عماد التجربة الكلثومية. يقول محمد شوقى إن الدافع الأساسى للكتاب؛ هو سد فجوة كبيرة فى تاريخ الموسيقى العربية، إذ لم يُلتفت يومًا إلى الفرقة بوصفها كيانًا إنسانيًا وفنيًا متكاملًا، رغم أنهم شهدوا على واحدة من أهم الحقب التاريخية فى مصر فنيًا وسياسيًا واجتماعيًا. فكرة غائبة التركيز على فرقة أم كلثوم لم يكن مطروحًا من قبل بهذا الاتساع؛ فالتاريخ الموسيقى اكتفى بتسليط الضوء على أسماء محدودة من مشاهير الفرقة، مثل محمد القصبجى وأحمد الحفناوى، بينما ظل العشرات غير معروفين، بلا صور ولا توثيق ولا حتى أسماء متداولة. يرجع شوقى هذا الغياب إلى ندرة المادة الأرشيفية، وصعوبة الوصول إلى المعلومات، خاصة أن معظم هؤلاء العازفين رحلوا دون أن يتركوا شهاداتهم، ما جعل فكرة الكتاب مغامرة بحثية حقيقية. رحلة شاقة استغرق العمل على الكتاب أكثر من عام ونصف العام، وهى مدة لم تكن مخططة فى البداية. فقد بدأ المؤلف بجمع أسماء 45 موسيقيًا فقط، لكنه شعر أن المشروع ناقص وغير عادل لفرقة استمرت لعقود. فقرر التأجيل، وواصل البحث والمطاردة الدقيقة للأسماء والتواريخ. اللافت أن عملية التوثيق لم تتوقف حتى اللحظات الأخيرة قبل الطباعة، إذ ظهر اسم العازف رقم مائة بينما كان الكتاب داخل المطبعة، ما يعكس حجم المشقة والدقة التى صاحبت المشروع، وحرص المؤلف على أن يخرج العمل مكتملًا قدر الإمكان. شهادات حية أحد أعمدة الكتاب الأساسية هو الاعتماد على شهادات مباشرة من خمسة عازفين ما زالوا على قيد الحياة؛ الوصول إليهم لم يكن سهلًا، لكنه تحقق عبر شبكة علاقات إنسانية وموسيقية، بدأها شوقى بالمايسترو عمر فرحات، أحد عازفى الكمان فى أواخر الستينيات، ومن خلاله توالت اللقاءات حتى وصل إلى عازف التشيللو الشهير مجدى فؤاد بولس، أقدم أعضاء الفرقة، والذى لعب دورًا محوريًا فى إثراء الكتاب بالمعلومات الدقيقة والتفاصيل الإنسانية، حتى وصفه المؤلف بأنه «العمود الفقرى للكتاب». وجه إنسانى تكشف الشهادات عن صورة مختلفة لأم كلثوم، لا تقل عمقًا عن صورتها الفنية. إنسانية «الست» كانت حاضرة بقوة فى تعاملها مع فرقتها، سواء فى المواقف اليومية أو الأزمات الصحية والإنسانية. يروى العازفون كيف كانت تتعامل مع كل فرد بوصفه جزءًا من عائلتها الأولى، وكيف كانت تتدخل بنفسها لتوفير الرعاية الطبية لهم أو لأسرهم، مستخدمة شبكة أطبائها الخاصة، فى لفتة تؤكد أن علاقتها بالفرقة تجاوزت حدود العمل. انضباط صارم فى مقابل هذا الجانب الإنسانى، كان الانضباط عنصرًا لا يقبل المساومة إذ كانت تؤكد عليهم باستمرار قائلة «مواعيدى مواعيد إنجليزى»، عبارة تلخص فلسفة أم كلثوم فى العمل؛ لا تأخير، لا تهاون فى البروفات، ولا خروج عن قواعد اللباس والسلوك على المسرح. هذا الانضباط لم يكن مفروضًا بالقوة، بل كان نابعًا من إدراك العازفين لطبيعة العمل مع أم كلثوم، وآليات الفرقة التى كانت تُدار بدقة شديدة، جعلت الجميع يعمل بانسجام دون نشاز فنى أو سلوكى. مواقف نبيلة يضم الكتاب حكايات مؤثرة تكشف نُبل أم كلثوم فى تعاملها مع كبار الموسيقيين، من أبرزها موقفها مع محمد عبده صالح، قائد الفرقة وعازف القانون، حين أصيب بمضاعفات مرض السكرى؛ خلال بروفة أغنية «اسأل روحك»، فوفّرت له كرسيًا يرفع عليه قدمه أثناء العزف، فى مشهد موثق بالصور. وفى موقف آخر، حرصت على حماية كرامة محمد القصبجى فى سنواته الأخيرة، حين بدأت تطلب من الفرقة إبطاء العزف قليلًا حتى يتماشى أداؤه مع الفرقة، دون أن يشعر بالإحراج أو يُدرك ما يجرى. دموع صادقة لم تكن الحوارات مجرد استعادة لذكريات جميلة، بل حملت لحظات شديدة التأثر. فيروى شوقى أن العازف عبد الفضيل محمد بكى وهو يستعيد كواليس الحفلة الأخيرة، بينما لم يتمالك مجدى بولس نفسه وهو يتحدث عن غربته الطويلة فى أستراليا، وعدم قدرته على العودة إلى مصر بلا أم كلثوم. هذه الدموع، كما يرى شوقى، تعكس عمق العلاقة التى ربطت العازفين بالفرقة وبالست، وتجعل من الكتاب شهادة إنسانية بقدر ما هو وثيقة تاريخية. صور نادرة يتميّز كتاب «فرقة الست» بمجموعة من الصور التى تُنشر لأول مرة، وتوثق فترات لم تكن فيها الكاميرا حاضرة، خاصة فى العشرينيات والثلاثينيات والأربعينيات؛ صور للبروفات، والسفر، والاستعداد للحفلات، تعيد إحياء زمن كامل غائب بصريًا عن الذاكرة العامة. هذه الصور لا تُكمل النص فحسب بل تعيد تشكيل فهمنا للتاريخ الموسيقى، وتكشف عن «جنود مجهولين» لم تحظَ أسماؤهم أو وجوههم بالظهور على مدار عقود. قيمة مضافة يمثل الكتاب إضافة نوعية للمكتبة الموسيقية العربية، ليس فقط بتوثيق أسماء 100 عازف، بل بإعادة الاعتبار لفكرة الفرقة نفسها، ودورها فى صناعة الطرب. كما يلفت إلى أن كثيرًا من هؤلاء الموسيقيين لم يكونوا يحملون شهادات أكاديمية، لكنهم امتلكوا حسًا فنيًا وخبرة عملية تفوق الكثيرين. ويوجّه محمد شوقى رسالة واضحة وهى ضرورة تكريم فرقة أم كلثوم، خاصة العازفين السبعة الذين ما زالوا على قيد الحياة، وعلى رأسهم مجدى فؤاد بولس، الذى رافق أم كلثوم من عام 1962 حتى آخر حفلاتها عام 1973، وشارك فى 144 حفلة، بينها حفلات المجهود الحربى. كتاب «فرقة الست» ليس فقط توثيقًا للماضى، بل محاولة لإنصاف من صنعوه، والتأكيد على أن خلف الأسطورة فرقة كاملة من المبدعين، لكل منهم حكاية تستحق أن تُروى. 1