ليس مشهدًا عابرًا ولا بروتوكولاً شكليًا أن يظهر رئيس الجمهورية، القائد الأعلى للقوات المسلحة، داخل قاعات كشف الهيئة بالأكاديمية العسكرية أو كلية الشرطة. إنها لحظة سياسية شديدة الدلالة، تستحق قراءة أعمق من مجرد حضور رئاسى لإجراءات القبول، فالرئيس عبد الفتاح السيسى، خلال الأعوام الماضية، رسخ تقليدًا جديدًا لم تعرفه المؤسسة العسكرية المصرية بهذا الوضوح من قبل، أن يتقدم بنفسه إلى منصة الانتقاء، وأن يرعى بعيونه أدق لحظة فى صناعة الرجال. إن كشف الهيئة، لمن يعرفون مكانته، ليس اختبارًا بسيطًا لجسد أو هيئة أو حضور، بل هو حد فاصل بين عالمين، عالم يتهيأ لاستقبال ضابط المستقبل، وعالم ينتظر شابًا سيحمل على كتفيه عبء الوطن، حضور الرئيس فى هذه النقطة الحاسمة لا يعنى مجرد اهتمام، بل هو بالمعنى العلمى والسياسى تدخل مباشر فى تشكيل قاعدة القيادة المصرية لعقود قادمة. حين يجلس الرئيس فى لجنة كشف الهيئة، لا يجلس بوصفه رأس الدولة فقط، بل بوصفه «الضامن الحقيقي» لتكافؤ الفرص، القائد الأعلى حين يتواجد بنفسه، فإنه يعكس رسالة حاسمة.. لا وساطة، لا استثناءات، لا مجاملات. هنا لا يمرّ إلا الأفضل. هذه ليست شعارات تُلقى على مسامع الرأى العام، بل هى سياسة ثابتة رافقها تطوير شامل لمنظومة القبول داخل الأكاديمية العسكرية، ميكنة كاملة، معايير علمية دقيقة، شفافية تصل إلى آخر درجة فى عملية الفحص النفسى والبدنى والمعرفى. وقد أراد الرئيس — بوجوده المباشر — أن يبعث الطمأنينة إلى أسر الطلاب بأن أبناءهم يخضعون لاختبارات محكومة لا مُفصلة، وعلمية لا اجتماعية. ففى زمن تشتد فيه المنافسة، أصبح الدخول إلى الكليات العسكرية والشرطية اختيارًا وطنيًا قبل أن يكون مسارًا وظيفيًا، ومن هنا تأتى أهمية «عين الرئيس» التى تراقب كل التفاصيل، ليس لأنها تفصيل إدارى، بل لأنها قضية أمن قومى. ••• الرئيس لا يحضر ليتفقد فقط، بل ليفتح «منصة نقاش» مع شباب فى مقتبل الطريق، هذه اللحظة وحدها تكشف الكثير عن «عقل القيادة» وطريقة تفكيره، شباب لم يلبسوا الزى العسكرى بعد، يجدون أنفسهم فى مواجهة مباشرة مع القائد الأعلى، يسألونه عن الاقتصاد، والاحتياطى النقدى، والدين، والتعليم، والذكاء الاصطناعى، والرقمنة، والسياسة، وحتى تفاصيل الممارسات الانتخابية. الحقيقة أن هذا النموذج من القيادة يعكس فلسفة يطبقها الرئيس منذ توليه المسئولية، إشراك الأجيال الجديدة مبكرًا فى فهم الدولة لا فى تنفيذ أوامرها فقط. الرئيس لا يريد ضباطًا مُدربين فقط، بل ضباطًا واعين، يدركون خريطة التحديات، ويعرفون موقع بلدهم فى عالم مضطرب، ويكونون جزءًا من مشروع الدولة لا أداة من أدواتها فحسب. هذه الحوارات التى يجريها الرئيس تكشف عن قيادة تعتبر المعرفة شرطًا من شروط الانضباط، ومناقشة المشكلات جزءًا من صناعة الحل، هو لا يخاطبهم بلغة الأوامر، بل بلغة مشاركة الحقيقة. ما تواجهه مصر، ما تخطط له، ما تخشاه، وما تأمله. ••• فى ظل التحولات الإقليمية والتكنولوجية، لم يعد ضابط المستقبل مجرد حامل لسلاح، بل صار: – صانع قرار مصغّرا. – قائد رأى داخل وحدته. – ممثلًا للدولة خارج حدودها. – مشاركًا فى الاقتصاد والتنمية والحماية المجتمعية. ولذلك يصر الرئيس على أن يبدأ هؤلاء الشباب من اللحظة الأولى بتشكيل وعى سياسى واقتصادى وثقافى، ليس المطلوب ضابطا يعرف كيف يقاتل فقط، بل كيف يفكر ويتوقع ويفهم ويستبصر. هذه الرؤية تتجاوز مفهوم «التدريب العسكري» لتدخل فى مفهوم «إعادة صياغة الشخصية المصرية»، وهى المهمة التى أوكلها الرئيس للأكاديمية العسكرية. حين يحضر الرئيس كشف الهيئة، فهو يمارس أحد أهم سمات القيادة الناجحة، متابعة التفاصيل التى تصنع الصورة الكبرى. الأمم تبنى من خلال التعليم، والأخلاق، والانضباط، والوعى، والمؤسسات العسكرية باعتبارها مصنع القيم الصلبة هى حجر الأساس فى هذا البناء. وجود الرئيس فى هذا الموقع، فى هذا الوقت، وبهذه الطريقة، ليس مشهدًا عابرًا فى جدول الزيارات، بل هو رسالة استراتيجية مفادها أن الجمهورية الجديدة تُصنع من الداخل، من هنا من قاعات الانتقاء، ومن عيون شباب يؤهلون ليصبحوا ضباط الغد. إنه نموذج فريد لقيادة تضع يدها على نبض المستقبل، لا تتركه للصدفة، ولا تفوضه للروتين، بل تشرف عليه بنفسها، لتضمن أن من يحمل السلاح غدًا، سيحمل وعيًا أكبر، وفهمًا أعمق، وولاءً أصدق. هكذا يفكر الرئيس. وهكذا تُبنى الدول حين يقرر قائدها أن يجلس فى مقعد الممتحِن، لا فى مقعد المتفرج.