تفرض رسائل الرئيس عبد الفتاح السيسى فى الأكاديمية العسكرية نفسها على العقل المصرى؛ فهى رسائل تستدعى وقفة جادة للتأمل، لأنها مرايا كاشفة تعكس حال المجتمع ومسار الدولة وطبيعة التحديات التى يواجهها المصريون سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا ودينيًا، وتُعلن هذه الرسائل - دون مواربة - أن مصر تراهن على بناء إنسان جديد؛ إنسان يمتلك عقلًا واعيًا، خاض تجربة انضباطية جادة، وخرج منها وهو يحمل أدوات العصر: معرفة حديثة، وسلوكًا منظمًا، رافض للعشوائية، وقادر على الفهم والعمل وفق أحدث مناهج التعليم والتأهيل. لماذا الأكاديمية العسكرية؟ يعكس اختيار الأكاديمية العسكرية مكانًا لإطلاق هذه الرسائل دلالات مهمة؛ فهذه المؤسسة تمثل فى الوجدان المصرى أعلى درجات الانضباط والكفاءة والمسئولية، وعندما يتحدث الرئيس من داخلها عن بناء الإنسان المصري، فهو يربط بين قيم المؤسسة العسكرية وبين ملامح المواطن الذى تريده الجمهورية الجديدة: منضبطًا، مسئولًا، قادرًا على التحمّل والعمل فى أحلك الظروف، وإن الأكاديمية هنا ليست مدرسة للضباط فقط، بل جامعة اكبر لصياغة الشخصية المصرية فى عصر جديد. فأصعب ما تواجهه الأمم هو بناء عقول أبنائها وتشكيل شخصياتهم، وتنظيم أنماط حياتهم بما يدفعهم إلى التقدم المستمر، ويمنحهم المرونة فى مواجهة تحوّلات العالم. فالعقل المتعلم، والسلوك المنضبط، والوعى المصقول هى الضمانة الحقيقية لاستمرار أى نهضة، وهى الصخرة التى تُبنى عليها الدول وتضمن بها بقاءها واستقرارها. لقد اشتبك الرئيس بعمق مع مشكلات المجتمع المصري، وقدم رؤية نقدية لأحوالنا، بدءًا من ظاهرة التعدّى على أطفال الحضانات والمدارس، وصولًا إلى مشكلة الطلاق وأسبابها، وانتهاءً بضرورة بناء فكر دينى مستنير. ومن خلال حديثه مع الطلبة المتقدمين، كشف الرئيس عن ملامح مشروعه الأعمق: إعادة بناء الشخصية المصرية، ورفع جودة الإنسان ذاته ليصبح قادرًا على مواجهة تحديات عالم مختلف، دون أن يفقد هويته أو انتماءه. وكان حديث الرئيس - للمتقدمين من المدنيين والعسكريين، من طلبة الثانوية إلى دعاة الأوقاف - أقرب إلى بيان تأسيسى لجيل يُنتظر منه أن يحمل راية مصر فى العقود القادمة؛ جيل تتناسب قدراته مع تطلعات الجمهورية الجديدة. العدالة وتكافؤ الفرص إذا توقفنا أمام الرسائل المباشرة فى حديث الرئيس، نجد أن إرساء قواعد العدالة وتكافؤ الفرص يتصدر اهتماماته فى تشكيل وعى المصريين، فقد ركّز على الانتقاء والتعلم عبر المنظومة المميكنة التى لا يتحكم فيها بشر، باعتبارها حجر الأساس فى بناء الشخصية المصرية الجديدة. فأى نهضة حقيقية تبدأ حين يشعر المواطن أن الفرصة لا تُباع ولا تُشترى، وأن المؤسسة العسكرية - بما تمثله من قيمة وطنية - تعتمد فى اختيار رجالها على العدل والكفاءة، لا على المحاباة أو الواسطة. وامتد حديث الرئيس إلى كلية الطب العسكرى ومستواها الأكاديمى الذى يضاهى الجامعات العالمية، ولم يُجْرِ مقارنة تعليمية بقدر ما طرح فلسفة دولة ترى أن العلم هو خط الدفاع الأول فى زمن أصبحت فيه التكنولوجيا والذكاء الاصطناعى وسلاسل الإمداد والطاقة والمياه محاور معارك حقيقية بين الدول. فالجيل الذى تريد مصر صناعته ليس جيل «الحلول التقليدية»، بل جيل قادر على قراءة خرائط العالم الجديدة، وفهم علاقات القوة الشاملة، وكيف يمكن للابتكار أن يكون قاطرة تقدم الأمة المصرية. وهذا هو جوهر النهضة التى تسعى إليها الجمهورية الجديدة: إنسان يمتلك المعرفة ويمتلك أيضًا الجرأة على الفعل، ويستطيع تحويل العلم إلى إنتاج، والإرادة إلى إنجاز. هذه الرؤية تقوم على بناء عقل مصرى قادر على المنافسة، لا على مجرد تلقى التعليم؛ عقل منضبط، قادر على البحث والتفكير النقدى واتخاذ القرار السليم فى اللحظات الصعبة. تحصين العقل.. والانحياز للحرية يمثل الوعى الدينى ركنًا محوريًا فى مشروع بناء الإنسان المصرى الجديد. وقد أكّد الرئيس أن المسار الفكرى والدينى يجب أن يتحرر من ضيق النظرة الفقهية التقليدية، وأن يتجه نحو فهم أعمق للدين باعتباره منظومة قيم تحكم علاقة الإنسان بربه وبالآخرين. لم يكن حديثه عن الشريعة كنصوص، بل عن الدين كفلسفة للحياة، تقوم على الاحترام والرحمة وضبط السلوك والتعايش. وربط الرئيس ذلك ببناء داعية منضبط فى سلوكه، عميق فى فهمه، واسع فى أفقه، قادر على مواجهة التطرف وصناعة خطاب دينى يُسهِم فى استقرار المجتمع لا انقسامه، ولهذا جاء التأهيل داخل الأكاديمية العسكرية ليعطى للدعاة تجربة انضباطية تُضيف إلى معرفتهم صلابةً وإدراكًا للسلوك الإنساني. ولم يكتف الرئيس بتوسيع دائرة الفهم الديني، بل أشار إلى أن جميع الأديان جاءت داعية إلى الاحترام المتبادل، غير أن النفس البشرية قد تنزلق بطبيعتها نحو الانحراف، وهو جزء من سنن الوجود. وفى هذا السياق، يتضح أن الرئيس لا يرى الوعى الدينى أو السلوكى شأنًا اجتماعيًا فقط، بل جزءًا من الأمن القومى غير التقليدى؛ الأمن الذى يُدار فى العقول والسلوكيات، لا عند الحدود وحدها، ويشمل تحصين المجتمع من التطرف، ومواجهة الشائعات والمعلومات المضللة، ومعالجة السلوكيات المنفلتة، وإرساء قيم النظام والاحترام والمسئولية، بهذا الفهم يصبح «بناء الإنسان» نفسه خط الدفاع الأول عن الدولة. لا يتوقف الامر عند البناء العقلى فقط بل يمتد الى ضرورة بناء الجسد السليم، حيث تكشف قراءة الواقع الصحى للمصريين أن السمنة والأمراض المزمنة - مثل السكر والضغط - تمثل تحديًا كبيرًا. ولذلك شدّد الرئيس على اللياقة وتغيير عادات الأكل وممارسة الرياضة، حتى لا تتأثر حياة المصريين وقدرتهم الإنتاجية، فالصحة العامة عنصر حاسم فى صمود المجتمع أمام الجوائح والحروب والاضطرابات الاقتصادية. «فيتو» الرئيس استخدم الرئيس كلمة «فيتو» فى التعليق على الممارسات الخاطئة والخروقات التى شابت العملية الانتخابية، معبّرًا عن رفضه لأى سلوك يسيء للمشهد الانتخابي، وعن رغبته فى انتخابات نزيهة تعكس إرادة الشعب المصرى فى اختيار ممثليه فى مجلس النواب. وهى رسالة ذات دلالات مهمة، أبرزها حياد الدولة تجاه العملية الانتخابية، واستعدادها للتعامل بحزم مع أى تجاوزات. وقد انعكس ذلك فى قرارات الهيئة الوطنية للانتخابات التى ألغت النتائج فى عدد من الدوائر بعد ثبوت خروقات تهدد نزاهة العملية الانتخابية وفق المعايير الدولية. وقد كرر الرئيس أكثر من مرة رغبته فى إقامة حياة سياسية سليمة، وأن الإصلاح السياسى وتعميق الديمقراطية مسار لا رجعة فيه، بما يعكس وجود إرادة سياسية حقيقية لضمان حرية المواطن المصرى فى ممارسة حقوقه السياسية كاملة، سواء بالترشح أو الانتخاب. تحدث الرئيس مع الشباب بصراحة عن التحديات الاقتصادية والديون والاحتياطى النقدى وترشيد الاستهلاك، فى خطاب يهيّئ جيلاً قادرًا على مواجهة الواقع لا الهروب منه وهو اشارة بالغة الدلالة على أننا أمام مشروع حقيقى لبناء جيل جديد يتم تأهيله وتعليمه فى أكثر مؤسسات الدولة انضباطًا؛ جيل يمتلك عقلًا نقديًا، يبحث عن التطور، ويصون الهوية والانتماء. إنها رؤية قائد يدرك أن بقاء قوة مصر لن يتحقق بتاريخها أو جغرافيتها أو سلاحها فقط، بل بقدرتها على إنتاج جيل يحمل مشروع الدولة، ويحمى مكتسباتها، ويفهم تعقيدات العصر، ويتعامل مع تحدياته بثبات وثقة.