Refresh

This website www.masress.com/rosaweekly/1016728 is currently offline. Cloudflare\'s Always Online™ shows a snapshot of this web page from the Internet Archive\'s Wayback Machine. To check for the live version, click Refresh.

 
رئيس جامعة الأزهر: لدينا 107 كليات بجميع المحافظات و30 ألف طالب وافد من 120 دولة    رئيس الأساقفة سامي فوزي يرأس قداس عيد الميلاد بكاتدرائية جميع القديسين بالزمالك    تثبيت أم تخفيض؟ خبراء يتوقعون مصير الفائدة قبل اجتماع البنك المركزي غدًا    السودان: «الدعم السريع» تشن هجوماً على منطقتين في شمال دارفور وتعلن السيطرة عليهما    كوت ديفوار ضد موزمبيق.. شوط سلبي في كأس أمم إفريقيا    أمم أفريقيا، تعادل سلبي بين كوت ديفوار وموزمبيق بالشوط الأول    محافظ القليوبية يستقبل الطفلة الفلسطينية ريتاج ويوافق فورًا على التحاقها بالتعليم الأزهري    أحمد الفيشاوي يشوق الجمهور ببوستر فيلم "سفاح التجمع"    أيها «الستارة».. الآن ترتفع «السادة» عن أم كلثوم!    التصدي للشائعات، ندوة مشتركة بين التعليم ومجمع إعلام الفيوم    الإدراية العليا تحيل 14 طعنا للنقض على نتيحة انتخابات النواب للدوائر الملغاة    إطلاق مبادرة «كفر الشيخ بتنور» لتعزيز الأمان واستدامة الإنارة    رئيس الوزراء: مصر كانت بتتعاير بأزمة الإسكان قبل 2014.. وكابوس كل أسرة هتجيب شقة لابنها منين    رئيس جامعة المنصورة ونائب وزير الصحة يوقِّعان بروتوكولًا لتعزيز التطوير والابتكار    أبرد ليلة بفصل الشتاء فى ريكاتير اليوم السابع    القبض على المتهم بإنهاء حياة والدته بسبب مشغولات ذهبية بالمنيا    مدرب بنين: قدمنا أفضل مباراة لنا رغم الخسارة أمام الكونغو    بالأسماء.. مصرع شخص وإصابة 18 آخرين إثر انقلاب ميكروباص في أسوان    محافظ قنا يعقد اجتماعًا موسعًا للاستعداد لانطلاق الموجة ال28 لإزالة التعديات    التعاون الاقتصادي والتجاري والمباحثات العسكرية على طاولة مباحثات لافروف والشيباني    الكنيست الإسرائيلي يصدق بقراءة تمهيدية على تشكيل لجنة تحقيق سياسية في أحداث 7 أكتوبر    اليمن يدعو مجلس الأمن للضغط على الحوثيين للإفراج عن موظفين أمميين    السكة الحديد: تسيير الرحلة ال41 لنقل الأشقاء السودانيين ضمن مشروع العودة الطوعية    ليفربول يجتمع مع وكيل محمد صلاح لحسم مستقبله    البورصة المصرية تربح 4 مليارات جنيه بختام تعاملات الأربعاء    بعد الاعتداءات.. ماذا فعل وزير التعليم لحماية الطلاب داخل المدارس؟    هذا هو موعد ومكان عزاء الفنان الراحل طارق الأمير    المتحف المصري بالقاهرة يحدّث قواعد الزيارة حفاظًا على كنوزه الخالدة    المستشار حامد شعبان سليم يكتب عن :شكرا توتو وتوتى ..!؟    تقارير: نيكولاس أوتاميندي على رادار برشلونة في الشتاء    الصحة تواصل العمل على تقليل ساعات الانتظار في الرعايات والحضانات والطوارئ وخدمات 137    جامعة قناة السويس تعلن أسماء الفائزين بجائزة الأبحاث العلمية الموجهة لخدمة المجتمع    الزراعة تحذر المواطنين من شراء اللحوم مجهولة المصدر والأسعار غير المنطقية    أمم أفريقيا 2025| شوط أول سلبي بين بوركينا فاسو وغينيا الاستوائية    ڤاليو تعتمد الذكاء الاصطناعي لتعزيز تجربة العملاء    النائب محمد رزق: "حياة كريمة" نموذج للتنمية الشاملة والتحول الرقمي في مصر    كوت ديفوار تواجه موزمبيق في الجولة الأولى من كأس أمم إفريقيا 2025.. التوقيت والتشكيل والقنوات الناقلة    كيف قُتل غسان النعسان "الذراع الأيمن" لسهيل الحسن في لبنان؟    وكيل تعليم الإسكندرية: مدارس التكنولوجيا التطبيقية قاطرة إعداد كوادر فنية لسوق العمل الحديث    هل يجوز استخدام شبكات الواى فاى بدون إذن أصحابها؟.. الإفتاء تجيب    «أبناؤنا في أمان».. كيف نبني جسور التواصل بين المدرسة والأهل؟    تأجيل محاكمة عامل بتهمة قتل صديقه طعنًا في شبرا الخيمة للفحص النفسي    الاتصالات: إضافة 1000 منفذ بريد جديد ونشر أكثر من 3 آلاف ماكينة صراف آلى    محافظ الجيزة يتابع الاستعدادات النهائية لإطلاق القافلة الطبية المجانية إلى الواحات البحرية    ماريسكا: إستيفاو وديلاب جاهزان ل أستون فيلا.. وأشعر بالرضا عن المجموعة الحالية    تعرف على مواقيت الصلاة اليوم الأربعاء 24-12-2025 في محافظة الأقصر    وزير الري: الدولة المصرية لن تتهاون في صون حقوقها المائية    "البحوث الزراعية" يحصد المركز الثاني في تصنيف «سيماجو» لعام 2025    وزيرا التعليم العالي والرياضة يكرمان طلاب الجامعات الفائزين في البطولة العالمية ببرشلونة    الأوقاف: عناية الإسلام بالطفولة موضوع خطبة الجمعة    فاضل 56 يومًا.. أول أيام شهر رمضان 1447 هجريًا يوافق 19 فبراير 2026 ميلاديًا    لتشجيع الاستثمار في الذهب.. وزير البترول يشهد التوقيع بالأحرف الأولى على اتفاق مع آتون مايننج الكندية    ضياء السيد: إمام عاشور غير جاهز فنيا ومهند لاشين الأفضل أمام جنوب إفريقيا    بعد تعرضه لموقف خطر أثناء تصوير مسلسل الكينج.. محمد إمام: ربنا ستر    وزير الصحة: قوة الأمم تقاس اليوم بعقولها المبدعة وقدراتها العلمية    وكيل صحة بني سويف يفاجئ وحدة بياض العرب الصحية ويشدد على معايير الجودة    وزير الخارجية يتسلم وثائق ومستندات وخرائط تاريخية بعد ترميمها بالهيئة العامة لدار الكتب    فنزويلا: مشروع قانون يجرم مصادرة ناقلات النفط    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



سمير خفاجى أنا.. والملك فاروق و«الآنسة أم كلثوم»

فى أحد الشوارع المتفرعة من شارع قصر العينى كنا نسكن فى بيت يطل على قصر الأميرة شويكار والذى أصبح مقر لمجلس الوزراء هذه الأيام، وكانت أسرتى مكونة من خمسة أفراد أمى وأبى وكنت أنا الولد الوحيد، ومن حسن حظى أن بيتنا كان محاصرا بعدد كبير من دور الصحف منها دار روزاليوسف وجريدة العمال ودار الصباح ومطابع دار البلاغ وجريدة المصري.. أما قصر الدوبارة فكانت هى الروضة التى تعلمت فيها أول دروس الحياة من قص ولصق وتلوين، وبعد ذلك أسماء الحيوان وبداية الأبجدية على طريقة تجذبك وتحببك فى التعرف على الحروف باستخدام الغناء والموسيقي.. وكانت روضتنا شديدة النظافة تماما كما كانت القاهرة والتى كنا نشاهد فى شوارعها آخر موديلات السيارات، والجميع يحترم النظام والنظافة على أشدها، فكانت هناك سيارات الرش العملاقة تجوب شوارعها ليلا من خلفها جيش من عمال النظافة يرتدون زيا موحدا شديد النظافة واللمعان،هؤلاء يقومون بغسل الشارع يوميا بالصابون لتصبح القاهرة فى أروع صورها.
أما التاكسى فكان سيارات أمريكية وألمانية، وله أماكن معينة فى كل شارع والراكب لا يختار ما يروق له من سيارة ولكن عليه أن يخضع للنظام المعمول به، وهو البرنجي، فسائق السيارة الواصل أولا للموقف هو الذى يستقبل الزبون القادم أولا، وهكذا كانت المواصلات العامة تشعر أنها خرجت لتوها من المصنع من شدة بريقها ولمعانها والجميع يحترم رجل المرور أو إشارات المرور ولم يكن يشذ عن نظام القاهرة اللافت للنظر سوى العساكر الإنجليز الذين يحتلون وسط ميدان الإسماعيلية «التحرير اليوم» معسكرات مبنية على هيئة عنابر حديدية، وأين.. وسط أفخم البنايات الخديوية التى هى متحف معمارى مفتوح فيه أجمل ما بلغ فن المعمار من ذوق وحتى سلوك هؤلاء العساكر الإنجليز كان أكثر نشازا من شكل معسكراتهم، فقد كانوا يتجهون إذا ما حل الليل نحو البارات المنتشرة فى شارع عمادالدين، فإذا شربوا ولعبت الخمر بالرؤوس خرجوا ليشاغبوا كل من يقابلوه ويطاردوا نساء الليل ويتعاركوا مع أصحاب الحظ السيئ الذين يقودهم إلى لقاء هؤلاء العساكر وهم على هذه الحال، وقد كنت محروما من النزول إلى الشارع نهائيا إلا بصحبة الوالد حيث كان يسحبنى من يدى كل يوم خميس لنسير فى شارع قصر العينى إلى ميدان الإسماعيلية ثم إلى وسط البلد حيث كافتيريا يديرها رجل جريجى كان يلبس جاكت ناصع البياض وبنطلوناً أسود ويحمل فوق يده فوطة كبيرة بيضاء، وكان الرجل دون أن يسألنا يذهب فيأتى بالخشاف لأبى والآيس كريم لشخصى الصغير.. وبعد ذلك كنا نتجه إلى شارع عماد الدين.
والشيء الغريب أن كل المقاهى والكافتيريات كانت تفتح الراديو ليستمع الناس إلى أغنية لأم كلثوم ولم أكن قد عرفت هذا الاسم قبل ذلك، ولكن دليلى فى رحلة الطفولة وهو والدى الذى كان يعمل موظفا فى بنك التسليف الزراعى قال لي: إن هذا الصوت هو أجمل صوت ظهر فى الطرب وأن صاحبته اسمها أم كلثوم.. كان الاسم صعبا لم أسمع به من قبل، لكننى اندهشت لأن كل أجهزة الراديو لا يخرج منها أى صوت سوى صوت هذه السيدة، وقطعنا الطريق لنصل إلى إحدى دور العرض السينمائي، وتجولت فى المكان فوجدت مسارح واستديوهات وبنايات رائعة، قال لى أبي: إنها من بقايا عصر الخديوى إسماعيل.. وذات خميس كان علينا أن نقطع نفس الطريق ونزور نفس الأماكن وننهى الرحلة بفيلم سينمائى لكننى سمعت من أولاد الجيران أن الملك سوف يزور قصر الأميرة شويكار مساء هذا اليوم، وقالوا إنه حفل مبرة محمد علي، بالطبع لم أفهم شيئا لكنى طلبت من أبى أن أبقى فى المنزل لأننى سوف أشاهد الملك فاروق، وسألنى أبى وكيف لى أن أشهد الملك.. فقلت: إن سطوح عمارتنا ووافق الوالد وتركنى وذهب بمفرده، وبالفعل صعدنا إلى سطح العمارة ووقفنا صفا واحد على سور السطح نشاهد القصر.
وكان الشارع هادئا تماما وفجأة ظهر موكب سيارات له لون عجيب وهو الأحمر القاني، واكتشفت بعد ذلك من والدى أن هذا اللون ممنوع أن تطلى به أى سيارة سوى سيارة الملك، وهبط الملك فاروق من سيارته بينما الناس وقفوا على الجانب الآخر من الشارع يصفقون للملك، وهتف البعض بحياته وردا للتحية استدار الملك، وبحركة ثابتة رفع يده لتحية الجمهور ثم عاد ودخل إلى القصر يسلم على أفراد الأسرة والمدعوين الذين كان كل منهم ينحنى إذا سلم عليه الملك، ثم ذهب الملك وجلس على كرسى يختلف عن غيره من بقية الكراسى وبدأت الموسيقى التى عزفتها فرقة ترتدى ملابس عجيبة عرفت بعد ذلك أنها نوع من البدل تسمى الفراك لها ذيل طويل خلف الجاكيت وكانت الفرقة مبهرة فى شكلها وفى عزفها، وبعد قليل بدأت فرقة استعراضية تأخذ مكانها وسط ساحة القصر وعلى عزف الفرقة ولعب الأنوار المختلفة الألوان شاهدنا عرضا راقصا أصابنا بالذهول، حركات جماعية رشيقة ومجموعات تتحرك فى اتجاهات مختلفة فتحدث أشكالا رائعة وبنات يطرن فى الهواء ثم يعدن ليقفن على طراطيف أصابعهن فى حركات أشبه بلاعبى الباليه.. أخذنا العرض الرائع لدرجة أننا نسينا الملك الذى من أجله ضحيت برحلة كل خميس.. .وتوقف الاستعراض والموسيقى معا فى ثانية لينحنى الجميع فى اتجاه الملك الذى صفق للجميع ثم انطفأت الأنوار لتبدأ استراحة التف خلالها بعض الحضور حول الملك.
واستمع إلى صوت صادر من آلة موسيقية يفيد بأن الجزء الثانى على وشك البدء وعليه اتخذ الجميع أماكنهم ولم يجلس أى إنسان إلا بعد جلوس الملك ونحن نتلهف لمعرفة ما سوف يحدث فى الجزء الثانى من هذا العرض المبهر.. وجدت من يضع يده على كتفى فالتفت لأجد أبى الذى نبهنى إلى أن الوقت أصبح متأخرا جدا.. وبالفعل عدت خلف أبى إلى شقتنا ولم أدرك أن ساعات طويلة مضت بنا دون أن نشعر بالوقت، وتصورت أن ما شاهدته فى ذلك اليوم هو أقصى مدى للسعادة يمكن أن يتحقق لإنسان.. ولكننى اكتشفت بعد ذلك بسنوات قليلة أن هناك شيئاً أكثر إمتاعا وبهجة يكمن فى صوت هذه السيدة التى كان اسمها غريبا على سمعى وثقيلا على لسانى فى أول مرة أسمعه.. فبعد سنوات قليلة وكنت فى مشارف العام العاشر من عمرى كانت العائلة تستعد لحضور فرح ابن عمتى وكان الأهل والأصدقاء يتندرون فى كلامهم وهم فى سعادة وفرح ليس بسبب زواج قريبنا ولكن لأن حفل الزواج سوف تحييه الست أم كلثوم، أو كما كانوا يطلقون عليها فى الثلاثينيات والأربعينيات الآنسة أم كلثوم، وكان هذا الكلام بالتحديد فى عام 1939، وبدأت أسرتى فى الاستعداد لهذا الحدث الهام.. فأم كلثوم لا يستطيع التعاقد معها إلا أصحاب السرايات والفيلات الكبيرة، لأن هذا الزمان لم يكن تقام فيه الأفراح والليالى الملاح فى الفنادق أو القاعات، وفى اليوم الموعود جلسنا فى حديقة السرايا الكبيرة وقد أعدوا مسرحا فيها لكى تغنى فوقه أم كلثوم وفرقتها، وللمرة الأول أشاهد المطربة الشهيرة فى هذه الأيام وأستمع إليها، وعلى الرغم من صغر سنى فإننى وجدت نفسى مبهورا بالصوت الذى تصورت أنه يخرج من آلة موسيقية قوية جميلة النغم، وعندما انتهت أم كلثوم من وصلتها الأولى قام كل المدعوين وصفقوا لها بحرارة، ووقفت أنا وابن عمتى وأحد أقاربى توسطنا وتكلمنا عن هذا الصوت الجميل الذى منح الفرح أهمية وسط العائلات الأخرى وأصبح من أسباب الفخر لنا، ونحن نتكلم معا وجدنا أمامنا الآنسة أم كلثوم واقتربت من العريس وسألته عن اسمه.. ثم تجاهلت قريبنا الواقف فى الوسط وتوجهت إليَّ بالسؤال، وسألتنى عن اسمى وبالطبع كانت أم كلثوم محط أنظار كل المعازيم ومنهم أم الولد قريبنا الذى كان يقف فى وسطنا.. فجاءت إلى حيث تقف أم كلثوم وسلمت عليها وقدمت لها نفسها، ثم قالت لأم كلثوم: أنا زعلانة من حضرتك، وهنا سألت أم كلثوم وقالت: هو أنا ما اتوفقتش فى الغنا النهارده ولا إيه؟.. قالت الست: لا أبدا إحنا استمعتنا لكن أنا شفتك سألتى العريس عن اسمه وبعدين سألت سمير وابنى واقف فى النص ما عبرتيهوش خالص.. فضحكت أم كلثوم وبسرعة بديهة قالت.. أصل أنا سألت «الجنبتين» وهذا تعبير لا يفهمه سوى الفلاحين، وقد ضحك كل الحضور الذين يتابعون الحوار.. فالجنبتين بلغة الفلاحين.. هما القفتان اللتان يحملهما الحمار على جنبيه.. ومعنى كلام الست إن اللى فى النص هو الحمار.
ولكن أم الولد عندما وجدتنا نكاد نموت من شدة الضحك.. قالت على العموم الجنبتين دول هما القفتين مش كده ولا إيه؟!
ومع ذلك وبالرغم من أن الشتيمة لحقتنا نحن الثلاثة.. فقد زاد حبى لأم كلثوم، فقد اكتشفت أنها سيدة خفيفة الدم بالفعل.. ولم يغادر أذنى هذا الصوت ولا تلك الأغنيات التى استمعت إليها فى فرح ابن عمتي.. ومن حسن حظى أنه بعد ذلك الفرح بخمسة أشهر تقريبا كانت الأسرة على لقاء آخر مع أم كلثوم وأيامها، كنت قد تعديت العام العاشر من عمرى فى العام 1940، وبدأت الحكاية بحلم.. نعم.. حلم.. فقد حلم جدى لأمى ذات ليلة أنه سوف ينتقل إلى العالم الآخر لأنه حلم بأقارب له سبقوه إلى هناك وقام هو بتفسير الحلم على أنه سوف يموت قريبا، وعليه فقد قرر أن يزوج ولده «عبدالقادر المرقبي» وهو خالى الذى كان يكبرنى بحوالى سبع سنوات وعدة أشهر وكان جدى مسموع الكلمة وله هيبة فى الأسرة ولذلك رضخ الجميع لحكمه.. وكان جدى يقيم فى طنطا فى شارع سمى على اسمه «شارع المرقبي»، وأما بيته فكان فسيحا ومكوناً من ثلاثة أدوار كان جدى وجدتى يسكنان الدور الثالث بمفردهما ولم يكن أحد يجرؤ على إزعاج جدى إلا بإذنه.. فلو كان مستيقظا فالزيارة مسموح بها وغير ذلك فلا أحد يجرؤ على الصعود أو إحداث أية جلبة.. وأراد الجد أن يوفر لابنه كل أسباب البهجة فى حفل زواجه فتعاقد مع الآنسة أم كلثوم وقام جدى باستئجار أكبر فنادق طنطا فى ذلك الوقت واسمه فندق «الأقصر» لكى ينزل فيه المعازيم، وأمام الفندق كان هناك مسرح وسينما البلدية، قام أيضا باستئجارها لكى تغنى عليها أم كلثوم.. وقبل الفرح بيوم واحد أخذنى جدى إلى محل «شيكوريل» واشترى لى بدلة فاخرة اسمها «إيتون» وهو اسم اشتهر فى هذا الزمان، حيث كان هناك نوع آخر اسمه «الفراك» يتميز بذيله الطويل فى الجاكت ولكن «الإيتون» كانت تشبهها تماما ولكن بدون هذا الذيل الطويل، أما سعر البدلة فكان فلكيا بلغ 22 جنيها وكانت أفخر بدلة لا يتعدى سعرها 3 أو 4 جنيهات، ولكن جدى قال لي: لابد أن تكون فى نفس أناقة خالك عبدالقادر ولم يكتف جدى بذلك بل قام بشراء حذاء لى ثمنه 2 جنيه بالتمام والكمال وهو مبلغ خرافى بالنسبة للحذاء، وكان من محل مشهور اسمه «بول فافر» وأخذنى معه إلى مكتب لمتعهد أفراح واتفق مع عالمة معروفة اسمها «سكينة حسن» وفى يوم الفرح بدأت الزفة من الدور الثانى فالأول فالأرضى وذلك لأن جدى كما قلت يسكن الثالث، وحتى فى الفرح ممنوع إزعاجه هو وجدتي.. وحضرت نجمة الحفل التى من أجلها جاء كل الأهل والأصحاب والجيران، إنها الآنسة أم كلثوم، حيث أقامت فى فندق الأقصر وقامت بتغيير ملابسها وجاءت إلى الفرح وكان أجر أم كلثوم عن إحياء الفرح فى طنطا مائة جنيه ولكن الشيء الغريب أنها استلمت المبلغ فى اللوكاندة، وعندما جاءت إلى بيت جدى الكبير قامت بتوزيع نقطة على العريس بلغت عشرين جنيها يعنى ما وصل أم كلثوم كان 80 جنيها وكان هذا المبلغ يكفى لشراء أفخر أنواع السيارات «1940»، وبدأت أم كلثوم تغنى فى وصلتها الأولى «كل الأحبة اتنين اتنين» من كلمات رامى وألحان السنباطى ومع الأسف هذه الأغنية ليس لها أى وجود فى الإذاعة المصرية.
أما الوصلة الثانية فكانت «الآهات» لبيرم التونسى ومن تلحين الشيخ زكريا أحمد والوصلة الأخيرة غنتها من ألحان القصبجى «رق الحبيب»، ورغم مرور أكثر من 75 عاماً على هذا اللحن فإننى كلما استمعت إليه.. أشعر أننى أستمتع به وكأننى أسمعه للمرة الأولي.. ومنذ هذه الليلة تحولت من سميع لأم كلثوم إلى مدمن لها، وكنت أنتظر كل خميس من أول الشهر وأجلس بجوار الراديو وهو ملصق بأذنى حتى نهاية السهرة وكنت اشتريت راديو صغيراً بعض الشيء من أجل سماع أم كلثوم فى غرفتى لأن موعد النوم المقدس داخل المنزل كان يحرمنى دائماً من استكمال حفلات أم كلثوم فكنت أضطر لدخول الحمام والجلوس على الأرض وفتح شباك الحمام حتى أستمع إلى صوت أم كلثوم عبر راديو الجيران وعندما علمت أمى بالأمر ساعدتنى لكى أشترى جهاز راديو وقمت بإخفائه فى حجرتي، وبالمناسبة لم تكن المتعة فى الاستماع لحفل أم كلثوم مقصورة على الغناء فقط.. ولكن كان هناك رجل اسمه «محمد بك فتحي» اشتهر بلقب عندليب الإذاعة هذا الرجل كان يحول الحدث الإذاعى عن طريق وصفه إلى صورة مرئية فيقوم بوصف المشهد كله من أول خشبة المسرح حتى الجمهور والستارة القرمزية التى سوف تنفتح على أم كلثوم ثم يقوم بوصف فستان أم كلثوم ولونه وشكله والمنديل الذى اعتادت أن تمسك به بيديها والمجوهرات التى تتحلى بها وإذا كانت ستقدم أغنية جديدة قام بقراءة كلماتها أولاً وكان وصف الرجل فيه جاذبية وكذلك صوته له سحر على الأذن، وقد تمنيت لو أننى ذهبت بشحمى ولحمى وشاهدت هذ الوصف بعينى بعد أن تحول المشهد إلى ما يشبه الأسطورة بفضل وصف وكلمات محمد بك فتحي.. وكانت أم كلثوم قد اعتادت الغناء على مسرح الأزبكية ولكن الوالد لم يوافق مطلقاً على ذهابى إلى هناك، وظل على حالة الرفض هذه سنوات عديدة، ولذلك لجأت إلى جدى وجدتى لكى يمارسا سلطانهما على أبى ويجبراه على الموافقة، وبعد وساطة من كل الأهل والمحبين لى استسلم والدى وقرر السماح لى بحضور حفل لأم كلثوم ووعدنى أن يصحبنى هو وأمى إلى ذلك الحفل وشكرت المساعى الحميدة التى مهدت الطريق لأحلامى لكى تتحول إلى حقيقة ولكن قبل موعد الحفل بيوم واحد توفى ابن عم لى فى حادث مؤلم.. الحقيقة يومها لم أعرف هل الحزن الذى هجم على كل كيانى كان سببه وفاة ابن عمى أم حرمانى من الأمنية الأكبر فى حياتي، والكارثة الأعظم أنهم لم يكتفوا بمقاطعة الحفل حداداً على ابن العم ولكنهم اعتباراً لتقاليد هذا الزمن منعوا تماماً الراديو فى المنزل وبالطبع حرصت والدتى على ألا أفتح الراديو الخاص بى وهكذا وجدت نفسى أتجه إلى الحمام مرة أخرى وأغلقه خلفى وأفتح الشباك لأستمع إلى صوت الراديو من شقة الجيران، ولعنت هذا الحادث الأغبر الذى وقع لابن العم فى توقيت قتل داخلى الأمنية، ولعنت حظى السيئ خصوصاً بعد التوسلات والتدخلات التى نجحت فى أن يلين والدى فى موقفه ويوافق على ذهابى معه إلى الحفل، ولكن كان داخلى إصرار غريب على أننى سوف أنجح فى يوم قريب فى الذهاب بمفردى إلى حفلات أم كلثوم وعليه فقد قررت أن أحرم نفسى من أشياء أحبها لكى أوفر من مصروفى ثمن تذكرة حفل أم كلثوم.. ومضت سنوات عديدة حتى تمكنت من توفير جنيهاً مصرى كامل وهو مبلغ عبقرى بالنسبة لطالب صغير.. وذهبت إلى محل لبيع التذاكر لحفل أم كلثوم، وكنت فى هذه الأثناء قد بلغت الرابعة عشرة من العمر واشتريت تذكرة فى الدرجة الثانية، وكان الحفل مقاماً فى النادى الأهلي، وبقيت مشكلة عويصة وهى موافقة الوالد على أن أذهب هذه المرة بمفردى ودودن مصاحبة أى أحد من أفراد الأسرة.. وبالطبع كانت المهمة شاقة ومستحيلة.. يومها اتجهت إلى والدتى وقلت: أنا لم أعد صغيراً وأريد الذهاب للحفل وبالفعل اشتريت التذكرة.. وهنا بدأت الوالدة تبحث عن مدخل لكى تقنع الوالد وطلبت منه أن يسمح لى ببعض الحرية لأننى فى مرحلة يجب فيها الاعتماد على النفس وبالفعل وافق والدي، وكانت مفاجأة سارة جداً.. وفى يوم الحفل ذهبت أولاً لشراء أوتوجراف ولا أدرى كيف اقنعت نفسى بأننى سوف التقيها وأنها سوف تكتب لى إهداءً على الأوتوجراف.. المهم أننى ذهبت قبل الحفل بساعة كاملة واتخذت مكانى وبدأت أستعد للقاء أم كلثوم لأول مرة ودون وصف من محمد بك فتحي، وهنا تحولت كل حواسى لتحل محل الرجل صاحب الصوت الساحر فكنت أدقق كل التفاصيل حولى حتى انفتحت الستارة القرمزية عن أم كلثوم فراقبت كل حركاتها واكتشفت أنها تغنى بكل أحساسها ومشاعرها وجسدها وخلجاتها فهى تقف بشموخ أمام الميكروفون وتجيد استخدامه فهى تقترب منه لتؤكد معنى أو إحساساً يتطلب القوة وتبتعد عنه لتزيد المعنى رقة وعذوبة وتعلمت يومها دروساً فى الأداء والغناء وكنت حريصاً على أن أراقب الجمهور الذى كان يتمايل طرباً مع هذا الصوت الذى ارتقى بزمان بأكمله ذوقاً وإحساساً ومتعة وبهجة ليس لها نظير من قبل ولا من بعد.
وفى الاستراحة كان على أن أستخدم كل الحيل الممكنة للذهاب إلى غرفة أم كلثوم وبالفعل نجحت ووقفت أمامها وذكرتها بالحفلات التى جمعتنا معاً من قبل وبالطبع تظاهرت أنها تذكرتنى وأعطيت لها الأوتوجراف فأمسكت بالقلم ثم مدت يدها ومنحتنى الأوتوجراف وسلمت عليها وجريت خارج غرفتها وكلى لهفة لمعرفة ما كتبته أم كلثوم واكتشفت أنها تركت كل الصفحة بيضاء وفى أعلى مكان فيها كتبت فقط اسمها «أم كلثوم» وبالطبع لم تكتب اسمها فى ذيل الصفحة فقد كانت سيدة فى غاية الحرص والذكاء معاً.
وفى الوصلة الأخيرة غنت أم كلثوم أغنية «غنى لى شوى شوي» وظلت تتمايل ومعها قلوبنا لمدة ساعتين ونصف الساعة وانتهى الحفل مع تباشير صباح يوم جديد وخرجت وصوت أم كلثوم امتزج فى نسمات الصباح الأولى لأجدنى وقد أصبحت مسحوراً بهما معاً ولم أدر إلا بنفسى وأنا اخترق شوارع العاصمة مشياً على قدمى حتى وصلت بيتنا وكانت الساعة تشير إلى السادسة والنصف صباحاً وأعادنى من عالم السحر والدى الذى لم يذق للنوم طعماً قلقاً على مصيري.. وأول ما فتح الباب سألنى عن سر التأخير فدخلت وحكيت له ما جرى بالتفصيل ولكن رد فعله كان عنيفاً فقد صفعنى لأول.. ولآخر مرة فى حياتى فأنا لم أسمح لأى شيء أياً كان يضعنى فى مثل هذا الموقف مرة أخرى ومرت أشهر قليلة وإذا بالحرب العالمية الثانية تضع أوزارها فى العام 1945 وكان لى من العمر 15 عاماً وكنت طالباً فى المدرسة الإبراهيمية الثانوية التى كانت قريبة من منزلنا.. ولفت نظرى الفريق الخاص بالتمثيل فى المدرسة فقد كانوا يقدمون مسرحيات عالمية وتمنيت أن أنضم إليهم بعد أن شاهدتهم عدة مرات وانبهرت بأداء أفراد الفريق ولكن عندما حاولت أن أشاركهم التمثيل وجدت أن شيئاً ما أو قوة لا أستطيع تحديد مصدرها داخلى كانت تمنعنى بقوة وعنف من ممارسة هذه الهواية وتركت فريق التمثيل واتجهت إلى فريق الموسيقى فى المدرسة.. وعندما علم أبى بالأمر كانت سعادته لا توصف.. وقام ذات يوم بشراء «كمان» وأهدانى إياه وقال أريدك أن تتعلم العزف عليه.. لكننى فى فريق الموسيقى لقيت نفس مصيرى مع فريق التمثيل واكتشفت أن حب الموسيقى والاستمتاع بها شيء وممارستها شيء آخر تماماً.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.