مضى بعض الوقت بعد حادث المنصة، ومالت أحوال البلاد للاستقرار بعد أن تمكنت الأجهزة الأمنية المختلفة من القبض على أسباب الفتن، وحدث أن أصدر الرئيس الجديد حسنى مبارك أمرا بإطلاق سراح جميع المعتقلين السياسيين، مما خفف كثيرا من حالة الاحتقان فى البلاد، ولكن قرار العفو لم يشمل بالتأكيد هؤلاء الذين تورطوا فى أعمال إرهابية وتلطخت أيديهم بالدماء.. وكان لقرار العفو أثره الإيجابى على سجن الاستقبال، حيث خفت أعداد المتحفظ عليهم وبلغوا فى أقصى تقدير 300 متحفظ عليه فقط، ولكن مع مرور الوقت بدأنا فى استقبال ضيوف جدد خصوصا فى النصف الثانى من شهر أكتوبر، وكانوا عبارة عن مجموعة من أعضاء تنظيمات متطرفة، وجاءوا إلينا وهم مصابون بعد أن واجهوا الشرطة بالأسلحة، ودخلوا مع أفرادها فى معارك مسلحة وأذكر منهم الإرهابى عاصم عبدالماجد الذى قاد مجموعة قتالية إرهابية وقام باقتحام منشآت شرطية يوم 8 أكتوبر فى محافظة أسيوط، أما إصابته فقد كانت جسيمة ولولا الرعاية الفائقة التى أولتها له الدولة طبيا لفقد ساقيه بعد أن اخترقت ركبتيه دفعات من الرصاص، وبالمناسبة آثار هذه الإصابة موجودة حتى يومنا هذا وهو لا يستطيع إنكار هذا الأمر، ومعه كان هناك شخص على مستوى من الخطورة بالغة اسمه على الشريف جاء مصابا بطلقات نارية فى البطن وعصام دربالة، وهو الإرهابى الذى كانت إصابته غريبة وبالغة فى ذات الوقت، فقد أمسك بقنبلة يدوية فى يده وهو يهم بإلقائها على رجال الأمن انفجرت بين يديه فبترت أصابع يده، وقد نالوا جميعا العناية اللازمة من الناحية الطبية، وعلى الرغم من ذلك فقد امتلأت نفوس هؤلاء بكل المشاعر السيئة، كانوا على قدر رهيب من العنف فى التعامل اليومى معنا ينظرون إلينا وكأننا لسنا من مخلوقات الله عز وجل، اللهجة التى يتحدثون بها معنا تحمل كراهية لا حدود لها وكان الغل المكبوت داخلهم يكاد ينفجر فى أى لحظة! ذات يوم حضر إلينا شخص قيل إنه مصنف على أساس أنه من العناصر شديدة الخطورة، وكان طبيب امتياز واسمه ناجح إبراهيم عبدالله وفى جبهته إصابة خفيفة ربما من أثر القبض عليه، أو من جراء عملية شل حركته، وأثناء استلامى له فى مكتبى استدعيت له الطبيب الذى قام بالكشف عليه وعمل اللازم ولم تستدع حالته الذهاب إلى المستشفى، فقد كانت الإصابة سطحية ولم يكن ناجح إبراهيم طوال حياته شخصا من آحاد الناس، بل إنه كان - وعلى الدوام - متميزا حتى وهو طالب، كان له شأن خطير بين الأوساط الطلابية ونفوذ عظيم وسطهم لدرجة أنه ارتقى إلى مكان أثير وهو رئيس اتحاد طلاب جامعة أسيوط، والغريب فى الأمر أن وزير الداخلية اللواء النبوى إسماعيل كان يقوم بالاتصال به حال وقوع أى اضطرابات فى الجامعة، ولما كان لناجح إبراهيم من نفوذ وتأثير عظيمين وسط الطلاب فقد نجح على الدوام فى تهدئة الأمور ووأد الفتن وإخماد براكين الغضب، وكان اللواء النبوى إسماعيل فى حقيقة الأمر يلجأ إلى ناجح إبراهيم حتى لا يكون الحل الأمنى دائما هو الحل الأوحد.. أما ناجح نفسه فقد كان مختلفا تماما عن الآخرين فلاحظت منذ الوهلة الأولى أن علامات الدهشة مرسومة على ملامح وجهه وأحسست أن داخله شعورا بالذنب وأن ضميره يؤنبه على ما جرى من أحداث ومن ذهب من ضحايا، ولم يكن مثل بقية زملائه يناصبنا العداء أو يكن لنا مشاعر الغضب، بل العكس كان صحيحا فقد مال سلوكه للهدوء ورد فعله كان متوازنا وهو يمضى أغلب أوقاته فى التأمل صامتا.. وعندما تسلمته من أفراد حراسته وأجريت له ما يلزم من كشف طبى على إصابته.. اكتشفت أن السماحة ارتسمت على قسمات وجهه تقديرا لحسن المعاملة معه.. المهم أن السجن أصبح على هذا الحال فى الأيام التالية.. نستقبل الجديد كل يوم.. وبدأت عمليات أمنية عالية الحرفية من قبل الأجهزة الأمنية لفرز العناصر الإرهابية ومعرفة المحركين والمشاركين والممولين والمنفذين.. للعمليات الإجرامية التى شهدتها البلاد.. وعلى وجه الخصوص.. ما وقع منها فى مديرية أمن أسيوط ضمن مخطط رهيب للاستيلاء على بعض محافظات الصعيد وإحداث حالة ارتباك فى المشهد السياسى للبلاد.. وتبين أن من بين المقبوض عليهم بعض الصوفيين والدراويش ليس لهم فى الأمر لا ناقة ولا جمل، هؤلاء تم الإفراج الفورى عنهم من بينهم جماعة الشيخ الفرماوى وجماعة الشيخ طه السماوى والشيخ الجليل حافظ سلامة بطل المقاومة الشعبية وأيقونتها فى مدينة السويس وأيضا خرج الشيخ كشك صاحب «الخطب النارية» وإمام وخطيب مسجد كشك بحدائق القبة، وبالإضافة إلى هؤلاء كان أيضا الشيخ المحلاوى الذى تم الإفراج عنه، ومع الأسف كان هناك بعض المشعوذين والدجالين وأصحاب الفتاوى المضروبة وتجار الدين الذين يتخذون من حفظ آيات الله وسيلة للرزق وإخراج الجن وصنع «الأعمال» وفكها وما شابه ذلك، وخرج مع هؤلاء بعض المحامين ممن لم تثبت إدانتهم على الإطلاق أو اشتراكهم فى أى من الأعمال الإجرامية ومنهم المحامى عبدالله رشوان والمحامى محمد محمود المسمارى والمحامى محمد شمس الدين الشناوى والصحفى محمد عبدالقدوس والطبيب حلمى الجزار ود. عصام العريان وصالح مصطفى عشماوى، والدكتور عبدالمنعم أبوالفتوح، والحق أقول إنه بالنسبة للأطباء فقد تولت نقابتهم دون غيرها من النقابات رعاية أمورهم والاستفسار عن أوضاعهم المعيشية والصحية وتقديم خدمات لهم وأيضا تزويدهم بالغذاء والملابس والأدوية، وكانت إدارة السجن حريصة على الاستجابة لجميع المطالب الإنسانية للنزلاء، ومن أجل هذا فقد خصنا السيد نقيب الأطباء فى ذلك الوقت الدكتور حمدى السيد بخطاب شكر باسم مجلس نقابة الأطباء على حسن معاملة المقبوض عليهم وبناء على التحريات تم إخلاء سجن الاستقبال من كل العناصر الإخوانية بعد عملية الفرز.. فيما عدا قيادى واحد جاءت التعليمات مشددة بالإبقاء عليه وهو الشيخ محمد كمال السنانيرى والذى تم تسكينه انفراديا بالغرفة رقم «3» بالدور الأرضى بالعنبر «م».. فى هذا التوقيت كان للرجل من العمر ما يزيد على الستين عاما بقليل، وهو رجل هادئ الطبع وديع ترتسم علامات البشر على وجهه قليل الكلام، فإذا تحدث كانت ردوده تلغرافية.. علمت بأنه سبق أن حكم عليه بالأشغال الشاقة وفوق ذلك تم اعتقاله عدة مرات، ولم يكن غريبا على رجل عاش فى المعتقلات والسجون أن يكون ملما بقوانينها حافظا لها عالما بكل صغيرة وكبيرة داخل السجون، وأكاد أجزم بأن معلوماته كانت تفوق فى وقتها معلومات بعض الضباط المعاونين لى.. وهذا الأمر مكننى من أن ألجأ إلى نفس الحيلة التى لجأ إليها السيد الوزير النبوى إسماعيل مع ناجح إبراهيم.. فقد كنت ألجأ إلى الشيخ السنانيرى من أجل تهدئة ثورة الشباب المنتمى إلى جماعات إرهابية.. وأشهد أن الرجل كان يتعاون معى لأقصى الحدود تعاطفا بالفعل مع أبنائه من شباب تنظيمات الفكر المتطرف والذين يحكمهم فورة الشباب وحمقه، وهكذا كنت أتجنب الدخول فى صدام قد لا تحمد عقباه.. ولكننى وبعد عدد من المحاولات التى نجح فيها الرجل فى إخماد ثورة الشباب والقضاء على تمردهم بأساليب سلمية مستخدما حكمة السنين وعصارة التجارب، وفى الحقيقة من شدة تفانى الرجل فى مهمته من أجل المحافظة على النظام وعدم وقوع صدام أثار الرجل الشك داخلى وتفكرت كثيرا فى أمره، وبدأت أفسر الدوافع التى تحرك الرجل فى هذا الاتجاه، هل هى محاولة للحفاظ على شباب الجهاد من أى أذى قد يلحق بهم إذا ما أعلنوا عصيانا أو تمردا.. أم أنها جزء من خطة إخوانية تكون هذه هى بدايتها ولا يعلم نهايتها إلا الذين خططوا لها.. والغريب والمريب فى الأمر أن كلمة الرجل كانت تشكل بالنسبة للشباب حكما واجب النفاذ والطاعة لا يستطيع أحد أن يرد له كلمة أو يخالفه الرأى أو يجادله فيه، واهتديت إلى أن الرجل بالفعل كان حريصا على تجنيب الأطراف كلها مغبة ما يمكن أن يحدث لو وقع صدام أو عراك. ومر شهر نوفمبر وتكشفت أبعاد المخطط الأسود الذى كانت الجماعة بصدد تنفيذه، وكان يهدف إلى الاستيلاء على المواقع الحيوية بالدولة وعلى رأسها مبنى الإذاعة والتليفزيون واغتيال كبار رجال الدولة، ثم فى نهاية المطاف إعلان الدولة الإسلامية، وبالطبع اكتشفنا أن الأداة المخططة والمحركة للأحداث هى جماعة الإخوان المسلمين والتى اعتادت الدفع بجماعات تحت أسماء مختلفة مثل الجهاد.. والجهاديين السلفيين وأنصار بيت المقدس.. وفى حالة نجاح أى من هذه التنظيمات، فإن الجماعة سوف تكون هى اللاعب الأوحد على مسرح الأحداث.. أما إذا فشلت هذه التنظيمات.. فتصبح الجماعة فى مأمن من أى سؤال، ولكن ظل سلوك هذا الرجل محيرا جدا بالنسبة لى - كمال السنانيرى - فلماذا أصرت أجهزة الدولة على بقائه وحده دون سواه وأفرجت عن الرموز الأخرى وما السر فى احتجاز هذا الرجل الذى يملك من الحكمة ما يؤهله ليكون ورقة رابحة من قبل الأجهزة فى التعامل مع نزق الشباب المنتمى للجماعات المتطرفة.. وأنا أعدد الاحتمالات رجحت أن يكون للرجل علم بالتنظيم العنقودى الذى لجأت إليه الجماعة للتمويه والحفاظ على تشكيلاتها كى تصعب عملية اكتشافها من قبل أجهزة الأمن، خصوصا أن التشكيل العنقودى صعب جدا اكتشاف ما فوقه أو تحته من تنظيمات عنقودية بعكس التنظيم الهرمى الذى إذا اكتشفت فردا واحدا فيه انهار الهرم التنظيمى بأكمله، وبالمناسبة كل عنقود فى التشكيل العنقودى يطلق على نفسه لقبا مختلفا.. فمنهم الجهاد ومنهم التكفير والهجرة ومنهم الناجون من النار وهكذا، ولكنهم فى النهاية ينتمون إلى رأس مفكر ومدبر ومخطط واحد وهو مكتب الإرشاد الذى تتبعه الجماعة! وكان الرأى السائد لدى الأمن العام أن مفتاح اللغز فى أيدى كمال السنانيرى وحده، وأن المجموعة التى قامت باغتيال السادات والتى نفذت عملية أسيوط الدموية تحركها خيوط لاعب واحد وأن كمال السنانيرى لديه الأسماء والمخططات، لذلك فقد تم التحفظ عليه وحده دون سواه، وكانت أجهزة الأمن قد أعدت ملفاتها كاملة وضمت تحرياتها ومعلوماتها وشهادات الشهود واعترافات المتهمين.. وأصبح الملف جاهزا ولم يتبق سوى المواجهة والسؤال والجواب.. وكان الجميع ينتظر اليوم الذى سوف نفك فيه الشفرة ونعلم ما خفى وهو بالتأكيد عظيم.. وكان السنانيرى يعلم أن التحقيق سوف يناله وأن جهات أمنية سوف تستدعيه وتستجوبه بعد أن تحول إلى الصندوق الأسود للجماعة.. وبالطبع كنا جميعا نعلم أن هذه المسألة لن تأخذ وقتا طويلا وكانت الأفكار والتساؤلات تشغلنا على الدوام من ضباط إلى مساجين إلى أجهزة أمنية، بل إنها طالت بالتأكيد الرجل الذى تحول إلى كاتم الأسرار كمال السنانيرى نفسه.. ولكن قطع حبل الأفكار والتساؤلات حادث جلل بالتحديد يوم 5/11/1981 ففى تمام الساعة الواحدة والنصف ظهرا كنت أجلس فى مكتبى أباشر مهام عملى فإذا بالرقيب سلطان متولى مسئول الدور الأرضى عنبر «أ» يقتحم علىّ المكتب فى حالة من الفزع وبصوت متهدج قال: كنت باوزع وجبة الغداء يا أفندم وفتحت حجرة «3» للمسجون كمال السنانيرى لم أجده على مرتبته فدخلت دورة المياه فوجدته ملقى على الأرض وناديت عليه بصوت عال أكثر من مرة لم يرد.. وعلى الفور انتفضت من مكانى وناديت على الطبيب إيهاب محمد سعيد واتجهنا بأقصى سرعة ممكنة إلى حيث عنبر «أ» فى الدور الأرضى.. وتجاذبتنى بعض الأفكار وقل إن شئت الدقة الأمنيات بأن يكون الأمر مجرد أزمة قلبية.. أو إغماءة خفيفة يمكن السيطرة عليها من قبل الطبيب الماهر إيهاب، فالرجل - كمال السنانيرى - كان صاحب أخلاق حميدة وسلوك قويم وهو نموذج يحتذى به داخل السجن وهو مرجع فى الأزمات لديه تجد الحلول السلمية.. ووقفت أمام الغرفة 3 ودخلنا أنا والطبيب واتجهنا إلى دورة المياه التى يفصلها عن الحجرة حائط من الطوب.. فوقعت عينى على مشهد أدخل الحزن إلى قلبى وتسمرت قدماى وأيضا عيناى وراح الطبيب يمارس عمله وكنت فى واد آخر ودخلت فى حالة من الحزن والغضب ومر علىّ شريط الذكريات وانفصلت عن المكان الذى أنا به حتى أعادنى إليه صيحة من الطبيب ليبلغنى ما وصلت إليه من خلال مشاهدتى، فالرجل الطيب كمال السنانيرى أصبح رقما فى أعداد الموتى.. ومضيت أستمع إلى الطبيب وهو يقول إن الجثة لاتزال تحتفظ ببعض حرارتها والتى فقدتها الأطراف والتى أصبحت باردة وتمت معاينة الجثة وأبلغنا جميع الجهات وجاء إلينا الدكتور إبراهيم زكى مدير الخدمات الطبية والعميد صفوت جمال الدين مدير المنطقة وقامت الجهات المعنية بمعاينة الجثة وتبين الآتى: وجود قطعة من القماش زرقاء تم تشبيكها مع بعضها على شكل «خية» وداخل الفم وجد منديلان.. أما الغرفة فقد كانت مساحتها 2* 3 أمتار ويفصلها كما قلت عن دورة المياه حائط مبنى من الطوب والحجرة بها مرتبة إسفنجية فوقها بطانية وتحتها أخرى وكان المرحوم كمال السنانيرى ملقى على ظهره وفى رقبته قطعة من القماش زرقاء اللون معقودة على شكل «خية» وتوجد قطعة أخرى من ذات اللون انفصلت عن تلك التى كانت حول الرقبة مربوطة أسفل حوض المياه وعلى الرقبة آثار فى الأعلى عند الاتصال بالرأس وذراعاه أسفل جسده مربوطتان داخل منديل، فقد عقد المنديل من طرفيه على شكل رقم 8 بالإنجليزى حتى يضع يديه داخله وبطريقة تضمن عدم استجابة الذراعين لعملية الانتحار لحظة الوقوع على الأرض وضمان بقاء اليدين مقيدتين عاجزتين عن الحركة أسفل الجسد، أما فى باطن القدمين واللتين استخدمتا لعملية الدفع.. فقد وجدت آثار للجير الذى طليت به الجدران كما وجدت بصمات القدمين على الجدار المقابل.. وتبين للجميع أن الرجل تخلص من حياته عن طريق عملية يبدو أنه كان عالما بكيفية تنفيذها بدقة متناهية وبطريقة لا تقبل الخطأ فى التنفيذ ولكننى ذهبت فى نوبة من الأحزان على الرجل الذى غادرنى وكان لى خير عون فى حقيقة الأمر لم يكن سجينا اعتياديا.. بل كان أقرب ما يكون إلى ضابط إيقاع.. عنده دائما وجدت حكمة العمر الذى استغلها لصالح شباب الجماعة المتطرفة، فحقن بفضلها الدماء ومنع الصدام ووأد الفتنة ولديه وجدت شخصا بارعا فى السيطرة على المجموع، قادراً على إخماد براكين الغضب بكلمات منمقة وبالاستناد إلى أحاديث الرسول «ص» وآيات القرآن الكريم.. تعجبت كيف لرجل حفظ القرآن وأحاديث الرسول الكريم أن يقدم على عملية مثل هذه.. ويتخلص من حياته بالانتحار وهو أمر منكر فى ديننا الحنيف.. ومرة أخرى أجد أن الغرفة رقم 3 قد امتلأت عن آخرها وأنا أجرى عملية التحرى اكتشفت كلمات محفورة على الباب من الداخل.. اتضح أن المرحوم كمال السنانيرى قد قام بكتابتها مستخدما «استيك» ساعته والكلمات تقول: هذا أفضل من الإضرار بغيرى وساعتى هديتى «لنوتو» و«إنا لله وإنا إليه راجعون» السنانيرى، والتاريخ 8/1/1402ه، إذن فقد اختار السنانيرى أن يتخلص من حياته ووجد أن الخسارة هنا وهى قليلة إذا ما قورنت بحجم الخسارة فى حالة استجوابه ومعرفة كل ما يختزنه من أسرار ساعتها سوف تكون التكلفة جدا باهظة، وقد حاولت كل الأجهزة التى تولت التحقيق فك الشفرة «وساعتى هديتى لنوتو» ولم يهتد أحد إلى معرفة الحقيقة ولكن ما هو ظاهر للجميع أن الرجل اختار التضحية بنفسه فى سبيل المجموع، وقد تولت النيابة العامة التحقيقات وتم إيداع جثمان كمال السنانيرى مشرحة زينهم، حيث أكد تقرير الصفة التشريحية أنه توفى شنقا.. وحضر قريبه وكان عميدا سابقا بالقوات المسلحة وتسلم متعلقاته ولم يبد الرجل أى اعتراض ولم يتوجه إلينا بأى سؤال وتسلم كل ما يخصه ومضى هو الآخر فى صمت بليغ.ولكن حكاية الرجل الذى قضى حياته فى المعتقلات والسجون الذى عرف كل شىء ولم يعرف عنه إنسان أى شىء.. أقول صحيح أنه مضى إلى رحاب الله ولكن حكايته لم تنته.. فقد قامت الدنيا ولم تقعد بعد أن أنكر البعض مسألة الانتحار وأكد على أن إدارة السجن قد عذبت كمال السنانيرى حتى توفاه الله، وبالطبع نشرت بعض الصحف هذه الأمور وتوجهت أصابع الاتهام إلى ضباط السجن.. ويشهد الله أننى فى حياتى الوظيفية بأكملها لم أستخدم سلطاتى على الإطلاق فى إيذاء أحد من خلق الله وعلى وجه الخصوص هؤلاء المتحفظ عليهم أو المقبوض عليهم أو المحكوم عليهم خصوصا وأنهم بلا حول ولا قوة.. وليس من الدين ولا الأخلاق ولا الرجولة استعراض القوة أمام رجل فقد حريته وفقد حقه فى الحياة مثل غيره من البشر، بل وأصبح أسيراً داخل زنزاته ولكننى ومع أنى معروف عنى سواء بين الزملاء أو حتى فى أوساط السجناء والمشهورين الذين التقيت بهم، فقد أحزننى أن اتصل بى ذات يوم العم محمود السعدنى وكان قد جاء من المنفى منذ أيام قليلة على تاريخ الاتصال فى العام 1982 وسألنى عن أحوالى وأولادى وطلب منى الحضور إليه فى بيته المطل على شاطئ النهر فى الجيزة وكان داخلى يقين بأن عم محمود سوف يسألنى عن حكاية السنانيرى.. وبمجرد أن تلقانى العم محمود ضحك وقال: الله.. حلقت أصلع يا عم محسن.. فضحكت وقلت ما خلاص بقى يا عم محمود مابقتش أروح للحلاق شوية الشعر اللى كانوا موجودين طاروا والحمدلله.. وجلسنا على طبلية السعدنى لنتناول الغداء واستعدنا ذكريات جميلة فى سجن القناطر وبعد الانتهاء من الطعام طلب كوبايتين شاى صعيدى وهو يمسك بكوب الشاى ويرشف منه رشفة ثم وضع الكوب إلى جواره ثم نظر إلىّ نظرة المحقق «كولومبو» وقال: إيه حكاية الجدع اللى انتوا قتلتوه ده يا عم محسن؟!! لم أستطع أن أفعل مثل عم محمود وآخذ رشفة من الكوب الذى كان فى طريقه إلى فمى فوضعته أمامى وقلت بنبرة يعتصرها الحزن: بقى ده معقول يا عم محمود.. ده أنت عاملتنى فى سجن القناطر كنت باخد بالى من الكبير والصغير وأطمن على الكل قبل ما أغمض عينى وأنام وأعنف أى عسكرى يستخدم القوة ضد المساجين.. وقلت بصوت مرتفع: أنا أقتل سجيناً، أو أموت إنسانا يا عم محمود وحكيت له ما جرى بالتفصيل.. وأكدت أننى لست جهة تحقيق يمكن أن ألجأ إلى استخدام القوة لانتزاع اعتراف، أنا لما المسجون يدخل عندى بقى أمانة فى رقبتى.. وأمضيت هذا اليوم بأكمله مع العم محمود وصحبنى فى المساء إلى مصطبة الحاج إبراهيم نافع عمدة الجيزة وربوعها، التقيت بكل فنانى وكتاب وأدباء البلد.. وقلت لعم محمود.. أنا لما أخرج معاش ح آجى أقعد معاكم هنا.. فقال: طيب ماتيجى من دلوقتى قلت: يا عم محمود أنا باصحى بدرى وبانام بدرى فقال ضاحكا: على الطلاق كل اللى قاعدين دول هنا بيناموا بدرى.. كلنا بننام الساعة ستة الصبح.. وضحكنا واستأذنت فى الانصراف وبعد يومين من لقاء العم محمود استقبلت اتصالا هاتفيا من مكتب مصطفى بيه أمين وجاء صوت الرجل وكأن السنين لم تنل منه شيئا على الإطلاق بنفس الدفعة المتدفقة من الأمل.. سألنى عن كل أحوالى ثم طلب منى أن أزوره فى صباح اليوم التالى فى مكتبه بالأخبار، وبالفعل ذهبت وسألنى عن قضية كمال السنانيرى ورويت له ما جرى بالتفصيل وقال فى النهاية: وأنت تحليلك إيه يا محسن بيه فى قضية الانتحار؟ قلت: يا مصطفى بيه.. هو بعملية الانتحار قطع النور والمية عن جهات التحقيق التى هى على ثقة تامة من أن كمال السنانيرى على معرفة تامة ودقيقة بكامل التنظيم العنقودى وبوفاته مات معه سر عظيم من أسرار التنظيم، ونظر مصطفى بيه فى فضاء غرفته يتجول ببصره فى أرجاء المكان وكأنه ينظر إلى أمر خفى.. وسرح بخياله بعيدا وقبل أن يعود ضربت بكفى على رجلى وقلت: اسمح لى أن أنصرف يا مصطفى بيه وأترك سيادتك لمشاغلك التى أعرف أنها أكثر من الهم على القلب، وصافحنى الرجل على وعد باللقاء وفى يوم 10/3/1982 وجدت الرجل وقد خصص عموده الشهير بالأخبار «فكرة» ليتناول فيه الموضوع، موضوع انتحار الرجل الذى لم يخالف لوائح السجون وحفظ قوانينها وفوق ذلك حفظ أمنه فى أوقات عصيبة ولعب دورا لم يكن مطلوبا منه على الإطلاق ونال ثقتى كاملة فيه ونشأت بيننا علاقة إنسانية رائعة لم يعكر صفوها سوى ريبتى من سلوكه الذى يحسب له ولايحسب عليه.. ولكن عملية الانتحار هذه كانت الفجيعة الكبرى.. فكيف يمكن لرجل أن يقدم على الانتحار وهو يعرف الله ويحفظ كتابه.. لقد كانت الأسباب غير عصية على الفهم، فالرجل أراد لنفسه السوء الذى سيحفظ الجماعة من كل شر فقرر أن يضحى بنفسه فداء لها. رحمة الله على السنانيرى الذى نال احترام الجميع وفاز بثقتى وثقة كل من تعامل معه ونال الرخاء السامى من قبل الجماعة.. هذه الجماعة التى كانت أثمن لديه حتى من حياته نفسها!∎