ما أن تطأ قدمك مطار فرانكفورت حتى تكتشف أنها مدينة تعدد ديانات وثقافات. بصورة رائعة. ففيها تجد مسجداً وكنيسة كاثوليكية وإنجيلية فى غرفة واحدة ومعبدا يهوديا وكنيسة روم أرثوذكس. ألمانيا تعلمت الدرس جيدا بعد محارق النازى - هتلر. طوال الرحلة لاحظت أن الألمان الذين التقيت بهم يتجنبون ذكر اسم هتلر، ولكنهم يقبلون تاريخهم بكل ما فيه ولذلك لايكررونه.فى فرانكفورت يعيش مواطنون من نحو 170 دولة. وهناك أديان سماوية وأديان إنسانية، فيوجد فى ألمانيا هناك حوالى 2000 مسجد. ذهبنا إلى مسجد أبوبكر الصديق وهو مسجد كبير وذو طراز معمارى متميز. وحضرنا فيه صلاة الجمعة وقد استنكر رئيس مجلس إدارة المسجد وهو مغربى يدعى نور أبوعقيل أن يعانى الأقباط فى مصر من مشكلة بناء الكنائس فى حين تتمتع الجاليات العربية ببناء المساجد فى الدول الأوروبية فى الوقت ذاته.وفى نفس الوقت التقينا بعدد من المسلمين أتراك ومغاربة يشكون من غياب حرية بناء المساجد. ورأينا عدداً من المساجد المبنية فى غرف صغيرة. المشكلة تكمن فى أن كل جالية تريد مسجداً لها - الأتراك والمغاربة والمصريون - ويرفضون فكرة المسجد الكبير الجامع. كذلك قمنا بزيارة مسجد لليوغوسلافيين فى حى جالوس. كما زرنا معبدا لبوذا، حيث التقينا بعدد من الراهبات حليقات الشعر. وأخبرننا أنهن يصلين إلى بوذا باعتباره طريقا إلى الله. وعندما سألت إحداهن من هو الله.. أجابت ببساطة لا أعرف وفى المعبد حضرنا جلسات سلام النفس والتأمل مع شرب الشاى الأخضر، حيث تقوم معلمة الشاى بإعداده على أنغام الموسيقى الهادئة فى ظل حالة من السلام والهدوء، ورأينا الصلاة التى كانت تطلب بركة للمزروعات من بوذا بلحن جميل وقامت الراهبة بعد الصلاة بإلقاء الأرز خارج المعبد لتنتشر البركات فى أنحاء المدينة. كما قمنا بزيارة معبد يهودى واكتشفنا أن أرصفة الشوارع تحتوى على لوحات ذات لون ذهبى تذكر العابرين بضحايا هتلر من اليهود وهذا المعبد هو الوحيد الناجى من التدمير الذى ألحقه النازى بالمعابد والمعبد يشبه لحد كبير المعابد المصرية وتزينه نباتات اللوتس رمز الحضارة المصرية القديمة. كما شاركنا فى قداس صلى فيه الكاثوليك مع الإنجيليين، والغريب أن القداس شاركت فيه قسيسة إنجيلية هى القسيسة ايلونا كلمنت مسئول حوار الأديان بفرانكفورت. على الرغم من أن الكاثوليك لايعترفون برسامة المرأة قسيسة. وفى ذات القداس ألقى الشيخ إبراهيم رضا إمام مسجد الخازندار بشبرا خطبة أكد فيها أن الخطاب القرآنى واضح فى التوجه نحو الإنسانية، حيث توجد آيات عديدة تبدأ بالقول «يا أيها الناس»، كما أكد على أهمية تقديم تجربة فرانكفورت فى التعايش المشترك، لقد رأينا مبادئ قبول الآخر التى شرحتها لنا القسيسة الحكيمة ومسئولة حوار الأديان «يلونا كلمنت»لا ككلمات مجردة، بل حياة معاشة.
من الأمور التى اندهشنا لها فى ألمانيا وجود ما يسمى بضريبة الدين. وهى ضريبة يدفعها الشخص المنتمى إلى ديانة ويواظب على حضور الصلوات كجزء من الضريبة العامة .وهذه الضريبة تعود بعد ذلك من الحكومة الى الكنيسة أو المسجد أو المعبد. لتجديده أو ترميمه أو تسديد احتياجاته. ولابد أن تكون المؤسسة الدينية مسجلة بالحكومة ويدفع رعاياها الضريبة لتعود لها. وعرفنا أن الأقباط الأرثوذكس غير منضمين لهذه الضريبة وكذلك المسلمين. وبذلك لاتدفع لهم الحكومة شيئا. ورأى البعض أن هذه الضريبة تشجع على ترك الأديان فى المجتمع الألمانى؟ كمصرى شعرت بالفخر الشديد وأنا أتجول فى بيت الكتاب المقدس الكائن على نهر الماين بفرانكفورت. هذا المكان الذى كان كنيسة، ثم تحول إلى متحف للكتاب يعتمد بشكل كبير على عدد من المخطوطات المجلوبة من مصر.رافقنا فى الجولة مدير المتحف البروفيسور جيرقن شيفيز والقس الإنجيلى فيت دهيك، والأب كميل سمعان - كاهن كاثوليكى مصرى قام مشكورا بالترجمة من وإلى الألمانية. وقال مدير المتحف إن فكرته جاءت بهدف إظهار ما وراء نصوص الكتاب المقدس والذى جاء إلينا كنص من الشرق، وسياقه شرقى سواء كنص أو كبيئة اجتماعية ولكن هذه الخلفية الشرقية جعلتنا كغربيين فى حاجة إلى فهم هذا السياق لكى نصل إلى آيات وأمور تعد لنا غامضة. وينقسم المتحف إلى ثلاثة أقسام: - أولها يضم مخطوطات للعهد القديم - والثانى عصر المسيح - والثالث خاص بأبو الآباء إبراهيم. وهو قسم يلاقى إقبالاً من المسلمين فى زيارتهم للمتحف. وعن قسم المخطوطات يوجد نموذج لكنز قمران الذى اكتشف على ضفاف البحر الأحمر. حيث هناك جرة يوجد فى داخلها لفائف كتلك التى وجدها محمد الديب من قبيلة التعالبة عام 1947 على ضفاف البحر الميت. وباعوه وهو لايدرك أنه يقدم أكبر مكتبة متكاملة تحتوى على معظم أسفار العهد القديم. حيث وجد أول نص كامل للعهد القديم (أشعياء) وأقدم بألف عام من المخطوطات المعروفة. - مجسم لهيكل الملك هيرودس بتقنية الثلاثى الأبعاد.
تقديم نماذج من الملابس والأدوات انطلاقا من شرح الكيفية التى كان يعيش بها الناس.. للمقدرة على فهم أكثر للإنجيل. ومن أهم هذه النماذج موديل خشبى لمركب صيد بالحجم الطبيعى. كتلك التى كان يصطاد تلاميذ المسيح فيها. كذلك نموذج عباءة أصلية لتقريب فكرة الحج إلى أورشليم من اليهود. كما يوجد بهذا القسم - 30 قطعة معدنية حقيقية عمرها 2000 عام من دراهم مجلوبة من بلدة صيدا وهى 30 قطعة من الفضة وكانت العملة المعتمدة أيام هيرود وتساءلت هل هى العملة التى أخذها يهوذا. فقالوا لا هى نفس العدد ونفس القيمة وأصلية ولكن لاندعى أنها ما حصل عليه يهوذا. والصدفة وحدها هى التى جعلتنا نجد نفس العدد بالضبط. وفى هذا القسم يوجد عدد كبير من مخطوطات العهد الجديد ونسخة كاملة باللغة اليونانية لإنجيل متى. ويوجد نص منحوت على حجر يسجل بعض أعمال أغسطس قيصر ونموذج لبئر السامرية. كما يوجد نموذج لمطبعة يوحنا جوتنبرج. يقوم الزائر باستخدامها بنفسه باتباع طريقتها فى الطباعة ليحصل على النموذج الذى طبعه من أحد إصحاحات الكتاب المقدس. وقال لنا المدير: هناك 28 ألف زائر للمتحف سنويا، 3/4 من الزوار من الشباب والمدارس. كاثوليك - إنجيليين - غير مؤمنين. - يأتى إلى المتحف مختلف الأشخاص من كل الأديان - 2003 إنشاء المتحف - مخطوطات «شستير بيتى» للكتاب المقدس المأخوذة من الفيوم تعرض 3 شهور فقط فى السنة حتى لاتتعرض للتلف. أكد لنا مدير المتحف أكثر من مرة أن الرهبان الأقباط كان لهم دور كبير فى المحافظة على الكتاب المقدس ووصول مخطوطاته لنا. وأنا خارج من المتحف قلت إن مصر لها حق كبير فى هذا المكان.