بدء اجتماع مجلس الوزراء برئاسة «مدبولي»    توزيع أجهزة تعويضية لطلاب الجامعات من ذوي الإعاقة    وزير الصحة يستقبل رئيس جامعة هيروشيما اليابانية لبحث تعزيز التعاون    بنك باركليز: خروج الإمارات من "أوبك" يدعم زيادة الإنتاج مع تأثير محدود على الأسعار    لجنة القوى العاملة بمجلس النواب توافق نهائيا على تعديلات قانون التأمينات الاجتماعية والمعاشات    الرقابة المالية تنظم جلسة توعوية لتعزيز مجال الأمن السيبراني في الأنشطة المالية    الجيش الإسرائيلى يعلن إصابة أحد جنوده جراء انفجار طائرة مسيرة جنوبى لبنان    الحرس الثوري الإيراني يهدد ب"تقنيات ذكية" لضرب السفن الأمريكية في هرمز    وزير الخارجية الإسرائيلي يكشف سبب مهاجمة طهران    وزير الرياضة ومحافظ شمال سيناء يتفقدان عددًا من المشروعات باستاد العريش    فيفا يعتمد "قانون فينيسيوس".. طرد مباشر للاعبين بسبب تغطية الفم أثناء الشجار داخل الملعب    المعاينة: اختلال عجلة القيادة من سائق النقل وراء حادث أتوبيس كرداسة.. صور    فيديو تعاطي المخدرات.. ضبط 3 عاطلين بحوزتهم حشيش في الإسكندرية    حماية المستهلك يضبط مخزنا غير مرخص بالجيزة لتصنيع المراتب مجهولة المصدر    «جريمة تهز المطرية».. نيران الغضب تحرق زوجة شابة    السجن المشدد 15 عاما للمتهم بقتل مواطن حاول منعه من التعدي على والده في الشرقية    ترقب جماهيري ل«الفرنساوي».. موعد عرض الحلقتين 3 و4 يشعل السوشيال ميديا    موعد ميلاد هلال ذو الحجة ووقفة عرفات وعيد الأضحى المبارك 2026    إشادة دولية بعد حصوله على بطولة أفريقيا للمصارعة.. عبد الله حسونة يروى كواليس التتويج    عاجل غارات إسرائيلية مكثفة تتجاوز "الخط الأصفر" إلى شمال الليطاني جنوب لبنان    التحريات فى واقعة سرقة القمح بالشرقية: المتهم استعان بصاحب آلة حصاد وسائق    "الإحصاء": تراجع معدل البطالة إلى 6.3% عام 2025    مهرجان الإسكندرية للفيلم القصير.. خيري بشارة: كابوريا نقطة تحول بعد أفلام الواقعية    1 مايو.. مصمم الاستعراضات الإسباني إدواردو باييخو يقدم عرضه الشهير «اللغة الأم» على مسرح السامر    أول ظهور للحاكم العسكري في مالي بعد هجمات دامية.. ويؤكد: الوضع تحت السيطرة    كارثة إثيوبية جديدة، شراقي: توربينات سد النهضة توقفت والبحيرة ممتلئة    وزير التعليم العالي يتابع أداء الجامعات المصرية في التصنيفات الدولية    الدوري المصري، موعد مباراة الجونة وحرس الحدود والقناة الناقلة    الدوري المصري، الاتحاد السكندري ضيفا على المتصدر دجلة في مجموعة الهبوط    رئيسة القومي للطفولة تطالب بإعداد برنامج تأهيلي للمقبلين على الزواج    وزير التخطيط: نتطلع لآفاق أوسع من التعاون مع البنك الإسلامي للتنمية    مجلس جامعة بني سويف يوافق على تنظيم عدد من الفعاليات والمؤتمرات والندوات بكليات ومعاهد الجامعة    نائبة تتقدم باقتراح برغبة لاعتماد برنامج للتوعية بمخاطر الألعاب الإلكترونية    "المعهد القومي للأورام": جراحات متقدمة وخطط علاج شاملة للسرطان وفق نوع ومرحلة الورم    حملة "صحتنا حياتنا" بجامعة قناة السويس: طلاب علوم الرياضة يقودون مبادرة توعوية لمواجهة أمراض سوء التغذية    أقل شقة بمليون جنيه …الإسكان الإجتماعى للأغنياء فقط والغلابة خارج حسابات الحكومة    صحة غزة: المستشفيات استقبلت خلال ال24 ساعة الماضية 5 شهداء و7 إصابات    وفاة مختار نوح.. تحديد موعد ومكان العزاء غدًا بمصر الجديدة    «هيكل وبهاء: ترويض السلطة».. علي النويشي: التجربتان أسستا لقيم المهنة ودور الصحافة في كتابة التاريخ    رامي علم الدين: خطوات غير مسبوقة لدعم واستثمار المصريين بالخارج    «ترزي حريمي».. شخصية مختلفة ل"شريف منير" في فيلم "ريد فلاج"    قمة أوروبية مشتعلة الآن.. أرسنال في اختبار صعب أمام أتلتيكو مدريد بنصف نهائي دوري أبطال أوروبا 2026 (بث مباشر + القنوات والتشكيل)    الأرصاد تكشف تفاصيل حالة الطقس اليوم.. احذروا الظواهر الجوية    قصر العينى يشهد اجتماعا علميا مصريا فرنسيا موسعاً لتعزيز الأبحاث المشتركة    "أبيض من الداخل وغريب الشكل".. علامات تشير إلى معرفة البطيخ المسرطن؟    أوكرانيا تعلن إسقاط أكثر من 33 ألف مسيرة روسية في شهر واحد وتكثف تطوير دفاعاتها الجوية    أسعار اللحوم اليوم الأربعاء 29 أبريل في الأسواق    تحريات لكشف ملابسات تعرض مطرب شاب لاعتداء بالمنيرة الغربية    بعد غياب طويل.. شيرين عبد الوهاب تعود لجمهورها بحفل في الساحل الشمالي    وزير الخزانة الأميركي: ضغطنا الاقتصادي تسبب بتضاعف التضخم في إيران وانخفاض عملتها بشكل حاد    الأهلي وسبورتنج يتأهلان إلى نهائي دوري السوبر لكرة السلة للسيدات    ترتيب هدافي دوري أبطال أوروبا بعد مهرجان أهداف مباراة سان جيرمان وبايرن ميونخ    محمد مختار جمعة: قوة الردع هي الضمانة الأكيدة للسلام.. وجيش مصر يحمي ولا يبغي    خبيئة الكرنك.. الدماطي يكشف قصة ال17 ألف تمثال التي غيرت خريطة الآثار المصرية    استشاري يكشف علامات تحسن مستوى السكر وأعراض ارتفاعه والتفرقة بينهما    بالكعبة وملابس الإحرام.. تلاميذ ابتدائي يجسدون مناسك الحج بفناء المدرسة في بني سويف    خالد الجندي يوضح علامات أولياء الله الصالحين    هل تُجزئ النوافل عن فوائت الصلوات المفروضة؟ ومتى يسقط ترتيبها؟.. الأزهر يجيب    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الوقت الضائع داخل المصنع
نشر في صباح الخير يوم 30 - 11 - 2010

«ثقافة العنبر» عنوان كتاب، يدور موضوعه حول ثقافة الطبقة العاملة المصرية، تأليف سمير شحاتة الأستاذ بمركز الدراسات العربية بجامعة جورج تاون الأمريكية.
وبتعبير أدق عن التكوين الطبقى للعامل المصرى، من خلال الثقافة التى تنتقل إليه فى غمار النشاط اليومى والعملية الإنتاجية والتفاعل مع الآخرين الذين يشاركونه فى مكان العمل.
والأكثر إثارة فى النتائج التى توصل إليها الباحث، وأدعى للإعجاب، هو المنهج والأسلوب الذى انتهجه لبحث موضوعه.
فالأدوات التقليدية فى مثل هذه الدراسات الأنثروبولوجية، هى توجيه أسئلة عن طريق استمارات و استبيانات لأفراد عينة ثم تحليلها.
أما هذا الباحث فقد اختار طريقة، ربما تكون جديدة.. فقد اختار أن يعمل بنفسه، فى مصنعين للغزل والنسيج بالإسكندرية أحدهما قطاع عام والآخر قطاع خاص، لمدة كافية وصلت إلى سنة تقريبا يعيش خلالها حياة العامل، من الألف إلى الياء، ويعتبر الاحتكاك والملاحظة والنقاش والممارسة، هى الوسائل التى يعتمد عليها فى الفهم والتقدير والوصف.
وقد اعتادت الدراسات السابقة، فى هذا المجال، أن تكشف عن رحلة التكوين الطبقى وشعور العامل بهويته، من خلال دراسة وتحليل الإضرابات والاعتصامات والتنظيمات العمالية وطابع العمل الجماعى.. إلخ.
ولكن سمير شحاتة رأى أن يعايش بنفسه هذه الحياة، عاملا على ماكينة البرم، عامل حقيقى، يصل قبل الثامنة صباحا، ويترك الماكينة، بعد دق جرس الخروج فى الثالثة مساء، ويتناول الإفطار مع زملائه فى المصنع ويعقبه الشاى الذى يصنعونه بأيديهم، ثم شاى الساعة العاشرة، الشاى الثقيل بالسكر زيادة - العمال لا يحبون شاى الفتلة ولا بطاطس الشيبسى كما تأكد - والذى تبدأ طقوسه بصرخة عامل البوفيه : «الشاى يا منايفة يا بهايم»، مشاركا وحاضرا ومنغمسا بجماع نفسه فى هذا العالم.
قام بدور العالم، حقيقة، وليس تمثيلا، وإذا كان بعض الممثلين، لكى يتقنوا دورا معينا، يفعلون نفس الشىء، بل إن بعض الممثلين الجادين، يبذلون نفس الوقت والجهد، ولكن فى حالة سمير شحاتة، لم يكن هدفه التقمص أو التركيز على الملامح البارزة، ولكن الهدف معايشة فعلية.
وربما كان إنجاز مثل هذه المهمة، كما خطط لها، ممتعا له.. ولكن الجهد والعذاب - عذاب حقيقى - هو فى إقناع المسئولين وغير المسئولين بإجراء البحث، على هذا النهج. أما الحصول على تصريح من الأجهزة المعنية، فتلك قصة وحدها.. وقد تدهش، أو لا تدهش ربما، إنه لم يحصل على تصريح مكتوب أبدا. ولولا مساعدة واقتناع مسئول كبير فى جهاز أمنى ما استطاع إتمام عمله.
أما الاندهاش أن يأتى باحث أمريكى من أصل مصرى، من ذوى الياقات البيضاء، وأبناء الأصول، ويلبس الأفرول ويجلس أمام الماكينة ثمانى ساعات، ولا يغادر مكان العمل، قبل تنظيف الآلة بخرقة غير نظيفة طبعا وكنس الأرض، فهو اندهاش لم يفارق الآخرين أبدا.
* للإدارة فقط
لقد كان عليه فى كل خطوة، أن يقنع المسئول، بدءا من رئيس مجلس إدارة الشركة، حتى العامل الذى يعمل على الماكينة المجاورة له، بطابع بحثه، ويرد على اقتراحاتهم لتسهيل مهمته، أى إراحته شخصيا، بأن أى تعديل، يهدم عمله.
ومنذ اللحظة الأولى، التى قابل فيها رئيس الشركة، الذى استدعى كل المديرين لإخطارهم بمهمة الباحث الأمريكى - تعجب من الطريقة التى وقف بها المديرون أمام رئيس الشركة والأسلوب المتسم بالتعالى من جانبه، بل وازدراء المرءوسين - وكانت هذه بداية تعرفه على البيروقراطية المصرية.
وسأله الرئيس إنت ساكن فيه ؟ ثم أشار إلى أحد المديرين، هو ساكن جنبك، تجيبه كل يوم بعربيتك.
وسارع الباحث إلى القول إنه يفضل أن يحضر بأوتوبيسات العمال.
وساد صمت. قبل أن يفهم أنه لا توجد مواصلات للعمال، حيث عليهم أن يأتوا بطريقتهم الخاصة. وهذه اللقطة كانت بداية البحث.
ولكن هناك أوتوبيسات للإداريين. وكان الحل أن يحضر مع الإداريين.
وكان اليوم الأول له مع الأوتوبيس، تجربة لا تنسى، حرص أن يضمها بحثه، لأنها كشفت له عن «التراتبية» التى تحكم العلاقات بين العاملين فى الشركة. تراتبية صارمة. تحدد لكل فرد مكانه بين من يرأسونه وبين من يرأسهم تحديدا صارما. أين يقف وكيف يقف وطريقة الخطاب.
فحين دخل الأوتوبيس، وكانت معظم الكراسى خالية، واختار مكانا فى المنتصف رآه مريحا. ولكن حدثت جلبة وصياح وحوار بين السائق والباقين حوار، يعلو كل لحظة، وفهم بعد وصوله، أن مكان جلوسه فى الكرسى الثالث وراء السائق. وأن الجلوس فى الأوتوبيس محدد، بترتيب المكانة فى الشركة.
ومع كل يوم يمر عليه فى ميدان العمل، تفهم هذه التراتبية، التى تحكم النظام وأسلوب العمل فى الشركة بصرامة لا تعرف التهاون.
وفى هذه التراتبية، يتربع رئيس الشركة على القمة، بسلطات لا حدود لها، كل الهيئات إلى جانبه، ليس لها أى تأثير، مجلس المديرين ومجلس الإدارة، واللجنة النقابية. هو وحده الذى يملك كل المفاتيح فى يديه، وتعجب من طريقة خطابه للمديرين، وقد سمعه يوما يخاطب أحدهم : إنت حمار. وفى بعض الحالات والمستويات الوظيفية، يستخدم يديه فى الضرب، وأحيانا بالشلوت.
وقد سجل فى أوراقه يوما كلمة سمعها من أحد العمال «إحنا شغالين فى عزبة الباشا»، ثم شرح لقارئه دقة هذا التعبير، وكيف أن هذا المصنع والمصانع الأخرى التابعة للشركة هى عزبة الباشا.
وحين كان يستعرض الأسماء التى يطلقها العمال، على رؤسائهم فإن لقب رئيس الشركة لديهم هو الباشا.
وبالمناسبة هو توقف عند الأسماء والنعوت، التى ينعتها العمال ويتداولونها، عن بعضهم أو رؤسائهم المباشرين ومن فوقهم، كخيط من الخيوط التى تصنع ثوب الهوية الخاص بهم.
من قواعد هذه التراتبية أن مشرف الوردية ينادى أى عامل فى العنبر «ياوله» بينما عليهم جميعا مخاطبته باحترام : يا ريس.
وقد توقف مطولا عند هذه التراتبية، وحمايتها بالقوانين، وانعدام فعالية المؤسسات الموازية، بما فيها اتحاد العمال، حيث رصد قصة صعود أحد رؤساء اتحاد العمال - السيد راشد - والذى بدأ عاملا فى نفس العنبر الذى كان يعمل فيه سمير. ومع أضرار هذه التراتبية سجل رأى عامل زميل له فى العنبر حولها، «إذا لم توضع مسافة، فإنه لا احترام، لا توفيق، لا أداء للواجب، وفى النهاية لا إنتاج»
* الفطار
فهذه التراتبية جزء من الثقافة السائدة.
إن التكوين الطبقى للعامل، يتشكل من هذه الأنشطة والطقوس اليومية، الإفطار الجماعى ومن طبق واحد، حيث يحمل كل عامل إفطاره معه وزيادة، لصناعة إفطار مشترك. ولما كان الجلوس ممنوعا فى العنبر ولا توجد كراسى يتحايل العمال لصناعة كراسى من البراميل والكراتين وأوعية البلاستيك. وهذا التحايل يشمل قائمة طويلة من تطويع ما تحت يديهم لاستخدامات أخرى. وهى ترتبط بالعمال إلى درجة أنها يسميها ثقافة الاستخدامات البديلة.
ويصنعون الشاى الأول بعد الإفطار بأيديهم، وبأجهزة صنعوها من المواد المتاحة.
وكل هذا يحدث قبل بداية العمل.
ولكن اللقاء الذى يسبق طقس الإفطار، يساهم فى بناء الهوية الطبقية، فهم يلتفون أمام الباب، قبل فتح البوابات، حيث تتاح فرصة للحديث وتبادل الأخبار.
وبعد الاندفاع من البوابة، والمرور بالتفتيش، فإن وقوفهم فى انتظار الأسانسيرات وقراءة الإعلانات والتحرك فى دوائر هو فرصة أخرى للقاء يومى مهم.
هذه الطقوس اليومية، تخلق تقسيما للوقت خاصا بهم، فعندما يخرج عامل من العنبر، لسبب ما، ثم يعود، لا يسأل عند عودته عن مدة الغياب وساعة خروجه وإنما الأسئلة من نوع : شربتوا الشاى «المشرف مر عليكم، صليتوا الظهر، القبض تحت، الفطار خلص».
فالوقت محسوب ومقسم طبقا لنشاطات مشتركة، توقف الباحث عند كل منها بالتحليل العميق، مثلا: صلاة الظهر، إفطار الصباح، شاى الضحى، لحظة قبض الأجور، وهى ليست شهرية، ولكنها تتكرر أكثر من مرة.
وليست مصادفة أنه لا توجد ساعة حائط، فى كل المصنع، بأدواره التسعة، فالوقت عندهم له ساعته الخاصة.
* لغة الأيدى
ولهم لغة الأيدى الخاصة، وإشارات معينة، وأسماء مبتكرة لمختلف المسئولين فعندما يفاجئهم مسئول كبير، للتفتيش على سير العمل، وهو لم يفاجئهم فى الحقيقة، لأنهم بإشارات سريعة، يبلغون كل العاملين فى العنبر، بحيث يراهم المسئولون وكأنهم ملتزمون بقواعد العمل، وحتى لو كانوا جالسين حول أطباق الطعام - هو طبق واحد مشترك - وإن كل شىء يختفى فى لمح البصر.
وإذا كان للإدارة كافيتريا ودورة مياه خاصة بهم، فكذلك العمال، ولكن الطابع العمالى هنا واضح فى المكانين.
فليس هناك غير دورة مياه للعمال، تجد المترددين عليها، وهم يغسلون أعضاءهم التناسلية، بالماء فى كل مرة، وعن طريق خرطوم المياه فى الحوض.
وعلى ذكر هذه النقطة، فإن من المظاهر المتكررة، أن يفرك العامل خصيته ويعدل وضعها، داخل البنطلون، عدة مرات، وبشكل تلقائى .
وإذا كانت الملابس تميز العمال فى العنبر، فإن أكثر ما يميزهم هو الصندل.
لقد أطال المؤلف الحديث، عن الصندل فى أقدام العمال، كعلامة مميزة، إلى درجة أنه فكر فى شراء صندل واستخدامه، لولا اعتراض الجميع عمالا وإداريين.
لقد حاول هذا الباحث القدير، أن يفكك بنية الهوية العمالية، ويحدد كل ما يميزهم عن غيرهم، ويصنع خصوصيتهم، فى الملبس والمأكل والهزار الخشن وباليد وساعات الصفو ولحظات الإجهاد والملل بتأمل وتدقيق، حتى حجم اللقمة فى الفم، توقف عند الفرق بينها وبين غيرهم.
وناقش باستفاضة أثر العملية الإنتاجية، فى بناء الهوية الطبقية لدى العامل، من خلال عمله فى المصنع الذى يتبع القطاع العام، والذى تم تأميمه سنة 1961، ويقوم على 500 فدان ويعمل به أحد عشر ألفا من العمال، و المصنع الآخر الأحدث ،المنشأ حديثا ومملوك للقطاع الخاص.
وقد استطرد فى توضيح طبيعة العملية الفنية، وتركيب الآلة التى يعملون عليها، وهى عملية معقدة، لم أفهمها بسهولة، وتعجبت كيف تمكن منها هذا الباحث الذى لم تكن لديه خبرة سابقة فى هذا المجال.
وناقش أسلوب العمل بالتفصيل، وأسباب الأعطال، وكيف تتم مواجهتها، وكيف يجرى قياس إنتاجية العامل ومحاسبته.
ولم تفلت منه - طبعا - ملاحظة إيمان كثيرين، بقدرات المصريين على إصلاح وتعديل أجهزة الخواجات، بمواهب الابتكار والذكاء، بل والتفوق عليهم، وحللها تحليلا دقيقا، ولكنه فى النهاية لم يقتنع بهذا الزهو، وذلك من واقع تجارب عملية، وقال إنه أفضل وأسلم الالتزام بالقواعد وأداء الواجب واستيعاب الكتالوجات.
* المقاومة
وكانت العملية الإنتاجية مدخلا، لبحث المقاومة التى يمارسها العمال فى مواجهة الإنتاج ورأس المال والإدارة، أى الآخر.
وهى ملمح قوى فى بناء الهوية والتكوين الطبقى
ومن المعروف أن الفلسفة والأدبيات الماركسية، تحدثت كثيرا عن الصراع الطبقى، ولها فى هذا ترسانة من الدراسات والبحوث، وقف عندها المؤلف طبعا، بل ووافق على بعضها.
وقد عرف جوهر هذه المقاومة، من خلال عمله ووقوفه أمام ماكينة البرم.
وحرص أن يسجل التجربة العملية التى مر بها بالتفصيل.
وألخصها لك. فقد تغيب أحد العمال يوما، وحل محله أمام الماكينة عامل جديد جاء فى اليوم التالى ليقول ببساطة إنه أنجز أمس ست اسطوانات. ولكن العامل الغائب الذى عاد أكد أن هذا غير ممكن، وأصر العامل الشاب على موقفه، وحدث شجار وتخاشن.
واضطر سمير شحاتة إلى التدخل قائلا إن هذا ممكن، ورد عليه فتحى - العامل الغائب - بغلظة، وتكهرب الموقف، وتراهن الشاب أنه يستطيع أن يكرر هذا الإنجاز.
وزاد الموقف اشتعالا حين قال سمير إنه يستطيع أن ينجز سبعة، ولننتظر للغد.
وفى اليوم التالى، بذل فتحى مجهودا خارقا لإفشال الرهان، بل إنه وصل مبكرا وعطل المكنة.
وكان يوما عصيبا. وحين استعاد سمير شحاتة الموقف فيما بعد، وجد أنه ليس فتحى وحده الذى حرص على عدم نجاح الرهان، ولكن العنبر كله.
وبدت له جلبة الأمر، فإن العمال يستطيعون بالفعل زيادة الإنتاج ولكنهم لا يريدون، حتى وإن كان هذا يعنى زيادة أجورهم.
لأن هدفهم الرئيسى هو تقليل الوقت والجهد المبذول.
وأنهم يعرفون فى الحقيقة ، أن زيادة الإنتاج، لن تعود عليهم بزيادة الأجور، وأن الوضع الذى يبذلون فيه جهدا أقل ويضيعون وقتا أطول، أضمن وأربح لهم. وقد حسب أشكالا عديدة لتضييع الوقت.
وانتهى إلى أنه طالما أن العمل هو سلعة، فإن العمال مضطرون إلى المقاومة.
ولم يكن هذا هو الشكل الوحيد للمقاومة، فقد حصر أشكالا كثيرة للمقاومة، منها سرقة الوقت، كما يبدو من المثال السابق، وتخريب المعدات والسرقة الفعلية التى ضرب بها أكثر من مثل، ونقد المسئولين دائما والشكوى والسرقة الفعلية التى ضرب لها أكثر من مثل، والشكوى الدائمة من كثير من الأوضاع الأخرى والتشهير والسخرية ونعت الأسماء المضحكة وإطلاقها على الأطراف الأخرى.
وهناك سؤال كان يطن فى أذنى، وأنا أتابع رحلة الباحث المثيرة، كيف نجح باحث أجنبى، رغم أنه من أصول مصرية، فإن تكوينه وثقافته وجنسيته أمريكية، فى النفاذ والتغلغل فى مجال، لا يصل إلى أعماقه إلا واحد من أبناء البلد.
* من هو ؟
وكأنه كان يستمع إلى سؤالى، فقد أفرد الفصل الأخير للإجابة عن مثل هذا السؤال ومعتبرا إجابة السؤال وتقديم نفسه جزءا فى البحث، يتناول تحليل مدى كفاءة غير أبناء البلد فى الوصول إلى الحقيقة، والذاتية والموضوعية فى الأبحاث العلمية.
وبدأ هذا الفصل الممتع، إنه كان طوال وجوده فى المصنع، عرضة لأسئلة تفصيلية، عن حياته ونشأته ودينه وبحثه وبلده. بعضها مغرق فى الشخصية لدرجة أثارت عجبه مثل هل أنت متزوج ؟ ولماذا لم تتزوج للآن، وهل يمكن أن تتزوج مصرية؟.
وكان يجيب عن كل الأسئلة، وشرح أنه من مواليد الإسكندرية، ولكنه هاجر مبكرا، وقضى معظم حياته بين إنجلترا وأمريكا ويجيد العربية.
ورغم أصوله المصرية فإن ثقافته وتكوينه أمريكيان.
وهوياته المتعددة هذه كأمريكى من أصول مصرية، ذكر، أعزب، باحث أنثربولوجى، يجيد العربية، اسكندرانى الأصل، كانت على تعددها عونا له.
وبعضها كان له مزايا وعيوب، فكان يوظف الميزة، فكونه أعزب كان يصعب عليه دخول بيوت العمال، لأنها ضيقة ولوجود الزوجات والبنات.
والشىء الأهم أنه كسب ثقة العمال، بعد اختبارات ليست هينة، من جانبهم، حتى يتأكدوا أنه ليس جاسوسا للإدارة، فإنهم يعتقدون - عن حق - أن الشركة تحرص على بث عيونها وسط العمال.
وكان يوما واقفا، يتحدث مع زملائه حول مشكلة تواجههم، حين اشترك فى الحديث عامل من عنبر آخر، وقف صامتا مشيرا بعينيه إليهم إلى هذا الغريب، فأجابوه جميعا : إتكلم ده معانا.
واكتشف أنه من غير المفيد استخدام جهاز تسجيل أو توزيع استمارات واكتفى بالملاحظة والحوار، وكان يسجل نقاطا فى نوتة أثناء النهار، أحيانا فى دورة المياه.
وفى النهاية كتب بحثا يفيض بالحيوية وقوة الفكر والابتكار، يذكر هذا النوع من الدراسات التى بدأت بشائره عندنا على أيدى سيد عويس وحامد عمار.. ولكن يبدو اليوم أن الأجانب وبالذات دار النشر بالجامعة الأمريكية هى التى تتفوق فى نشر روائعه.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.