"التموين": دمغ 150 سبيكة ذهب أسبوعيا من منجم السكري    زيادة تعريفة ركوب وسائل النقل العام في غانا    الأرصاد الجوية تنشر بيانا بطقس اليوم الأحد    الحكم بسجن فنان شهير بسبب خيانته الأمانة ضد زوجته الفنانة    تسجيل صوتي منسوب لزوجة محمد علي تطالبه بالاهتمام بشؤون ابنته    ظهور 3 حالات إصابة بفيروس زيكا في سنغافورة    دراسة: أمهات اليابان يفضلن دور الحضانة لرعاية أطفالهن أثناء العمل    بعد إعصار دوريان.. أومبرتو تجتاح جزر الباهاما    "صباحي انت" تحصد مليون مشاهدة في أقل من 72 ساعة!    من المهلكات جسد معطل عن طاعة الله    فعلها مع "ماي".. نكسة جديدة ل"بوريس جونسون" باستقالة نائب آخر من حزبه    صبط 3 سائقين يتعاطون المخدرات أثناء القياده بالبحر الأحمر    زى النهاردة 1928.. ألكسندر فلمنج يتوصل لعقار البنسلين    زكي: اتصلت بمؤمن زكريا اليوم وذُهلت مما سمعته    هيئة البحرين للسياحة تحتفل باليوم الوطنى السعودى 19 سبتمبر الجارى    سفير مصر في أوكرانيا يزور الطلاب المصريين المتضررين بجامعة الدونتسك الوطنية بكيرفوجراد|صور    اليوم.. وزير النقل في زيارة خاطفة لمحافظة البحيرة    عقب مؤتمر الشباب الثامن.. هاشتاج نثق بالجيش نثق بالسيسي يتصدر تويتر    محمد كمال التهامي : بث الشائعات جريمة تستوجب أقصى العقوبات    قادة غرب أفريقيا يتعهدون بمليار دولار لمكافحة الإرهاب    سرقة مرحاض من الذهب الخالص من داخل قصر بريطاني    عمرو أديب يكشف القيمة الحقيقية لشهادات "قناة السويس".. ويوجه رسالة للإخوان.. (فيديو)    من المهلكات عمل لا إخلاص فيه    شاب يطعن شقيقه بمطواة في بولاق الدكرور    ضمن المبادرة الرئاسية " حياة كريمة ".. أوقاف أسيوط توزع 9 طن لحوم على الاسر الفقيرة بالقرى    مقتل شخص وإصابة 4 في إطلاق نار بمدينة ميسيسوجا بكندا    الرخاوي: نستهدف إحداث طفرة في مسار وتقنيات العلاج النفسي الجمعي في مصر والعالم العربي    ضبط راكب حاول تهريب أكثر من ألف قرص مخدر    حقيقة فقدان عاصى الحلانى الذاكرة    تصريحات السبت|أول تعليق من ماني على أزمته مع صلاح.. وطبيب الأهلي يكشف حجم إصابة أشرف    مرتضى: أسعدنا جماهير الزمالك بمشاهدة فريقهم.. ولم نفعل مثل رئيس الأهلي    وزارة الطاقة الأمريكية: واشنطن مستعدة لاستخدام احتياطيات النفط عقب هجمات السعودية    المخرج تامر الخشاب: أثق في تقدير الرئيس ولا يجب أن نصدق كل ما نشاهده    خالد الغندور يشيد بهدف مصطفى محمد    "كلنا كده عايزين صورة".. أبطال الألعاب الأفريقية المكرمون ل"الوطن": السيسي فرحنا    عمرو أديب ل«محمد علي»: البلد دي قوية وعنيدة.. وهيجي يوم وتروح منك زي وائل غنيم    فعاليات ثقافية وفنية "للأطفال المعرضين للخطر" بالإسكندرية    "تحليل خطاب".. الهارب "محمد علي" يستهدف عديمي الخبرة والفيديوهات "مملة"    وزير الخارجية الأمريكي: إيران المسئولة عن الهجمات على المنشآت النفطية بالسعودية    برلمان مقدونيا الشمالية يوافق على إقالة النائب العام المختصة بفساد المسئولين    دعاء في جوف الليل: اللهم الطف بنا لطف الحبيب في الشدائد ونزولها    ‫الجفري يوضح الفرق بين استفتاء القلب واتباع الهوى    علماء الدين: الشائعات سلاح المنافقين.. ومصر ترد بمزيد من الإنجازات والتنمية    الانتخابات التونسية.. حسابات ما قبل التصويت    وزير الطاقة السعودي يدعو للمحافظة على إمدادات الطاقة ضد الهجمات الإرهابية    وزير النقل يبحث مع رؤساء الموانئ البحرية الموقف التنفيذي والمالي للمشروعات    بوسي تكشف حقيقة القبض عليها من منزلها بالتجمع الخامس (صور)    طبيب عيون يُكذب محمد على: لا توجد حساسية للعين من الماء    اليوم.. الجنايات تواصل سماع مرافعات الدفاع في" كتائب حلوان"    ضبط دقيق مدعم قبل بيعه فى السوق السوداء بالدقهلية    اتحاد السلة يعلن عن موعد مباراة السوبر بين الزمالك والجزيرة    الحاج ضيوف يصافح «تيجانا» وأحمد جلال بعد مباراة الزمالك وجينيراسيون    مواقيت الصلاة اليوم الأحد 15 سبتمبر 2019    "عاشور" يكرم 600 من أبناء المحامين المتفوقين دراسيا    تونس.. صناديق الاقتراع تحسم «خليفة السبسي» (ملف خاص)    كارليس بيريز: أنا أستمتع باللعب مع برشلونة مثل أي طفل صغير    نيمار يكشف سبب طلبه الرحيل عن باريس سان جيرمان    خلال ساعات.. انطلاق المؤتمر الدولي ال30 ل"للشؤون الإسلامية" برعاية السيسي    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





ضد الظلام والظلامية: ألف ليلة وليلة والأربعين محامى!
نشر في صباح الخير يوم 04 - 05 - 2010


إعداد : قسم التحقيقات
ما يحدث الآن عبث يجب أن يتوقف فورا ودعاوى الحسبة التى تطارد أعمالنا الإبداعية ومبدعينا من حين لآخر يجب أن نتصدى لها بغرض القضاء على تلك الأفكار الرجعية المتخلفة، فالمسألة أكبر من بلاغ للنائب العام لمصادرة «ألف ليلة وليلة» ولكنه فكر يحاول أن يقضى على مناخ الحرية فى مصر.
كيف نقضى على هذا العبث الذى يعود بنا خطوات إلى الوراء؟ هذا ما أردنا أن نتعرف عليه ونؤكده مع نخبة من المثقفين والمبدعين الذين طرحوا فى السطور القادمة أفكارا وحلولا للخروج من المأزق الذى يحاول المتطرفون والرجعيون وضعنا فيه.
وحسنا فعل المثقفون والتنويريون فى المجتمع حين هبوا جميعا لمساندة ألف ليلة وليلة وتصدوا بالرأى واللقاءات والمؤتمرات للوقوف بجانب الكتاب ومواجهة الفكر بالفكر لأن القضية أصبحت أكبر من مجرد بلاغ لمصادرة كتاب، بل تجاوزتها إلى فكر ظلامى ومتطرف يحاول أن يقضى على حرية الإبداع والتفكير والتنوير فى مجتمعنا ويكسب أرضا جديدة تحاول القضاء على مناخ الحرية والإبداع.
«صباح الخير» تطلق صرخة تحذير لكل المجتمع لمواجهة هذا الفكر الظلامى ووراءها عشرات من المثقفين والمبدعين والأدباء والإعلاميين والفنانين الذين أدانوا ورفضوا ما حدث لألف ليلة وليلة وطالبوا بضرورة مواجهة الأفكار الظلامية ووأدها فى مقتل رافضين الوصاية على المجتمع من قبل أفراد متطرفين لا أحد يعلم من وراءهم ولا من يمولهم، فمصر مع الحرية وتأبى منطق الوصاية والتطرف.
ضد المصادرة
فى البداية قال د. أحمد مجاهد رئيس هيئة قصور الثقافة: إننا نفتخر بإعادة نشر كتاب ألف ليلة وليلة ضمن سلسلة الذخائر بالهيئة التى تعنى بنشر أمهات الكتب التراثية غير الموجودة لما لهذا الكتاب - أى ألف ليلة وليلة - من أهمية قصوى باعتبارها عملا أدبيا وإبداعيا وتراثا إنسانيا استفاد منه كل الأدباء والمبدعين فى العالم، ولهذا لا يجوز التنصل منه بل الإقبال عليه، وما حدث عندما نفدت الخمسة آلاف نسخة التى أصدرناها فى أقل من يومين، وما يدل على أن اتجاهات القراء المصريين الواعين بأهمية الكتاب سليمة وتتنافى مع ما يردده بعض المتطرفين وأصحاب التيارات الرجعية .
وأكد مجاهد على أن ما يحدث بشأن ألف ليلة وليلة هو أمر مفتعل ولا يجوز الانسياق وراءه، بل ينبغى تكاتف كل المثقفين والداعين لحرية التعبير والإبداع ضد هذه الأفكار الرجعية التى تحارب الإبداع بقراءات مغلوطة وقاصرة كما ينبغى التصدى لتلك الأفكار والتمسك بتراثنا الأدبى والإبداعى الذى يمثل جزءا مهما من ذاكرتنا الثقافية والإبداعية ودور المثقفين التنويريين فى مقاومة هذه الأفكار المتطرفة ضرورى وملح، ولهذا قررنا إعادة طبع ألف ليلة وليلة مرة أخرى خلال الفترة القادمة حتى تكون متاحة للقراءة وحتى نرد على الأفكار الرجعية بشكل عملى وفاعل على أرض الواقع.
وأضاف رئيس هيئة قصور الثقافة.. إنه لا مجال للحوار مع من يرهب المختلفين معه فى الرأى بدعاوى الحسبة وأنه لا أحد يملك مهما كانت حيثية التفاوض على حذف جزء من التراث، لأنه كما قلنا يمثل ذاكرة أمة وتاريخ شعب.. وإننا لن نسمح بمصادرة ألف ليلة وليلة حتى لو تنازل أصحاب البلاغ أنفسهم لأن ما يهمنا كمثقفين ومسئولين أن نحارب التطرف ونكسب أرضا جديدة للإبداع والتنوير وأن نتقدم بمصر للأمام لا أن نردها للخلف بأفكار متخلفة ورجعية.
تربص بالإبداع
وقال الكاتب محمد سلماوى رئيس اتحاد الكتاب إننا نرفض جملة وتفصيلا حالة التربص بالإبداع والمبدعين التى كان آخرها استهداف كتاب ألف ليلة وليلة أحد أهم كتب التراث العربى والذى يحتوى على قدر كبير من الخيال الإبداعى ولا يجوز حصره فى قراءة جنسية مكبوتة تردنا عشرات السنين إلى الخلف.
وأضاف : لقد رأينا أن يكون موقفنا فاعلا تجاه نصرة الإبداع والمبدعين وحرية التعبير لذلك نحشد - اليوم - الثلاثاء نخبة من الأدباء والكتاب والمثقفين فى مؤتمر لليوم الواحد بعنوان «ألف ليلة وليلة ومستويات التلقى»، نلقى فيه نظرة شاملة على كتاب «ألف ليلة وليلة» ونختتم المؤتمر بجلسة ختامية تعبر عن موقف كتاب مصر إزاء الهجمة المتطرفة التى تحاول النيل من الإبداع.
وأوضح سلماوى أن المؤتمر الذى يبدأ صباح اليوم يشارك فيه نخبة من المثقفين الداعمين لحرية الإبداع ومنهم د. جابر عصفور رئيس المركز القومى للترجمة ود. أحمد مجاهد رئيس هيئة قصور الثقافة وجمال الغيطانى الكاتب الكبير ورئيس تحرير سلسلة الذخائر بهيئة قصور الثقافة، ويناقش المؤتمر فى جلستين أوراقا بحثية بعنوان «ألف ليلة وليلة» والواقع الاجتماعى وحرية التعبير وحرية التلقى والخيال الدرامى بها.. وتدور الجلسة الثانية حول ألف ليلة وليلة فى الأدب الفرنسى والإسبانى والإنجليزى، وأعلن رئيس اتحاد كتاب مصر أن الهيئة العامة لقصور الثقافة ستقوم بطبع الأبحاث المشاركة فى المؤتمر فى كتاب تذكارى يخلد كتاب ألف ليلة وليلة الذى ينبغى أن نحافظ على مكانته وقيمته الإبداعية لا أن ندينه ونقرأه قراءة مغلوطة تقيد حرية الإبداع.
الجهلاء يسيئون للإسلام
أما الكاتب الكبير جمال الغيطانى - رئيس تحرير سلسلة الذخائر - فيصف المطالبين بمصادرة ألف ليلة وليلة بالجهلاء ويقول : «إنهم يسيئون أكبر إساءة للإسلام لأن نظرة الغرب لنا خاصة هذه الأيام لا تتحمل مثل هذا الجهل لأن إساءتهم لجزء من التراث الإسلامى إساءة للحضارة الإسلامية، وتظهر المسلمين ضد الثقافة والأدب والمعرفة ولا تتخيلوا رد الفعل السلبى من العالم الخارجى، وعام 1985 تقدم من يطالب أيضا بمصادرة الكتاب قضائيا، وقررت محكمة الاستئناف نفى الحكم، وأن مثل من يطالب بهذا يعد جاهلا فى نص الحكم، وكان حكما قويا وأدين من طالب بهذه المصادرة، وأهم موقف الآن هو موقف المثقفين والمفكرين لردع هذا الإجراء وقد قام بالفعل مجموعة من كبار المفكرين ببلاغ للنائب العام ضد هؤلاء المتطرفين الأقلية الذين إما طالبو شهرة وإما مدفوعون بجماعة من التنظيمات المتطرفة.
الإسلام والإبداع
وأكد المفكر الكبير الدكتور أحمد كمال أبو المجد أنه ضد مصادرة حرية التعبير وكان الدليل هو كتابته لمقدمة كتاب رواية أولاد حارتنا للأديب نجيب محفوظ بعد حالة من الجدل استمرت قرابة نصف قرن لتأتى حاسمة وواضحة، حيث قدم أبو المجد رؤية إسلامية معتدلة ومختلفة مع ما ذكره الشيوخ الثلاثة الذين كانوا يعترضون على الرواية، وقال أبوالمجد إن المجلس القومى لحقوق الإنسان فى تقرير له أمام الأمم المتحدة أكد على ضرورة تعديل قانون المرافعات وقانون الإجراءات الجنائية لوقف الدعاوى الجديدة التى تستخدم ضد المفكرين والكتاب والصحفيين والأدباء، على اعتبار أنها أداة جديدة للإرهاب الفكرى مطالبا بضرورة إصدار قانون حرية تداول معلومات عادل، وقال أبو المجد إن مصر تشهد حالة من الحراك السياسى والاجتماعى انسحب إلى ساحة المثقفين والكتاب، حتى بات المجتمع المصرى يعيش حالة من الشد والجذب الشديدين غير مضمونة العواقب. وأشار إلى أن جانبا من هذا الجدل يكمن فى محاولة فرض الوصاية من قبل بعض مدعى الدفاع عن الإسلام على حرية الإبداع.
وأكد أبوالمجد على أن الإسلام يدافع ويدعم حرية الإبداع وأن محاولة الاعتراض ومصادرة الكتب بدعوى تعارضه مع بعض المبادئ العامة بعيدا عن روح الإسلام ومبادئه السمحة. لافتا النظر إلى أنه اطلع على بعض مؤلفات الشباب وكتاباتهم المنشورة على الإنترنت، وكانت تتضمن أفكارا جديرة بالاهتمام والتوقف عندها. وطالب بضرورة إفساح المجال أمام الشباب للإبداع والمساهمة فى بناء جيل خلاق ومبدع.
ردة وإرهاب
وأعلن د. «عماد أبو غازى» - أمين عام المجلس الأعلى للثقافة - رفضه القاطع لمحاولات البعض مصادرة الطبعة الجديدة من «ألف ليلة وليلة» الصادرة عن سلسلة «الذخائر» التابعة للهيئة العامة لقصور الثقافة، لأن إعادة نشرها أمر جدير بالترحيب وليس المصادرة وأن المسئولين عن إعادة نشرها لا يستحقون سوى التكريم، قائلا : «من غير المعقول أن يكون من سبقونا أكثر تقدما وتحررا منا، فمن الغريب أن تطبع «ألف ليلة وليلة» بمنتصف القرن التاسع عشر ويقوم بتصحيحها ومراجعتها شيخ أزهرى ولا يجد بها ما يخدش الحياء، وعند إعادة طبعها بالقرن الواحد والعشرين يظهر من يطالب بمصادرتها و محاسبة المسئولين عن نشرها، وما يحدث ظاهرة سلبية تعد ردة للإبداع وإرهابا للتراث ولا أعتقد أن من قاموا بكتابة «ألف ليلة وليلة» ومن تداولوها عبر مئات السنين أقل حرصا على الأخلاق من هؤلاء الذين تقدموا بالبلاغ، «ويضيف قائلا» : «ليس من حق أحد أن يكون وصيا على المجتمع، ويحدد له ما يقرأه وما لا يقرأه هذا إلى جانب ضرورة الحفاظ على التراث الإنسانى ونشره كما هو دون حذف أى جزء منه، فمن لا يرغب فى قراءته لن يرغمه أحد على ذلك، لذا لابد من وجود حملات لمواجهة الإرهاب والتخلف الفكرى وعلينا جميعا أن نتكاتف لمواجهة هذه التيارات الظلامية التى تحاول هدر قيم المجتمع فلا شىء يعلو فوق قيمة حرية الفكر والإبداع، وعلينا كذلك دعم جميع صور الإبداع المستنير والخلاق، فهذه القضية لا تخص الأدباء وحدهم، وإنما تخص الأمة وحريتها وواجبها فى الحفاظ على تراثها».
«فيه تخلف أكتر من كده؟!» بهذه الكلمات بدأ المخرج السينمائى «مجدى أحمد على» حديثه قائلا : «كيف نتعامل مع نص «ألف ليلة وليلة» بشكل غرائزى، وكأنه منتج جنسى، وهو التراث الإنسانى الذى أغنى الحضارات الإنسانية جميعا بخياله وبمستواه الأدبى وبشخصياته، وإذا كان هذا هو الحال مع أعمال تراثية قديمة ومتداولة منذ آلاف السنين، فكيف سيكون الحال بالنسبة للأعمال والأفكار والرؤى الإبداعية الحديثة والمختلفة، بالتأكيد سيكون هناك قهر على الروح الإبداعية مما سيؤدى إلى التخلف والرجعية، فهؤلاء الأشخاص رافضون للخيال ولا يضعون الأمور فى سياقها الحقيقى. ويستنكر «مجدى أحمد على» تكرار قضايا الحسبة التى يتم رفعها ضد الإبداع قائلا : مازالت ظاهرة قضايا الحسبة السياسية والدينية التى باتت وسيلة سهلة للشهرة، وتضييق الحصار على الكتاب والصحفيين والمبدعين مستمرة نتيجة تراخى الحكومة فى حصر هذا النوع من القضايا، وهؤلاء المحامون الذين تقدموا ببلاغ للنائب العام ضد نشر كتاب «ألف ليلة وليلة» بعضهم يسعى إلى تحقيق الشهرة والبعض الآخر ممول من قبل بعض الجهات لإرهاب الأفكار المتحررة وإرهاب الخيال والقضاء عليه وعلى الدولة أن تحسم موقفها وتتصدى لهؤلاء الذين يقومون بنشر الأفكار الوهابية الرجعية».
الحكم للقراء
د. حامد عمار شيخ التربويين قال لنا: إن مسألة أن نحاسب التراث بقيم ظلامية لا تخضع لأى اعتبارات أدبية ولا ثقافية لمجرد أنه يحتوى على بعض العبارات التى لا يقبلها هؤلاء الظالمون مسألة مرفوضة تماما.
وجعل ساحة المحكمة هى الفيصل فى الأمور الأدبية الخاصة بالإنتاج الفكرى سواء كان قديما أو حديثا مرفوض أيضا، والأمن الثقافى لا علاقة له بالمحكمة ولا ساحات القضاء ولكن الذى يحكم فيه ويجيزه أو يعترض عليه هو جمهور المثقفين فهو الذى يقيم العمل الفنى وبالتالى عندما يلمح فيه أى خلل يرفضه.
وألف ليلة وليلة وثيقة درامية تاريخية كتبت فى عصور سابقة وتم تعديلها بالحذف والإضافة عاما بعد عام ونسخة تلو الأخرى وهى الآن ملك للقارئ ولا يجوز أن نحجر على حريته فى قراءتها أو عدمه فنحن راشدون بدرجة كافية ولا نريد وصاية من أحد على اختياراتنا الأدبية والفكرية.
وأضاف: إن ألف ليلة وليلة كتاب عادى ولا يوجد به ما يشين وكله مشاهد وحوارات جميلة ولا يجب أن ننسى القيمة التراثية والأدبية لهذا العمل العظيم لمجرد لفظ أو اثنين فيهما بعض التجاوز.
وهذا ما فعله طه حسين عميد الأدب العربى عندما وافق على اختيار سهير القلماوى لكتاب ألف ليلة وليلة لنيل رسالة الدكتوراه حيث كان المشرف على الرسالة ولو كان يرى فيه ما يشين لرفض الإشراف على الرسالة وطالبها بتغيير الموضوع.
وأنا مندهش من العقلية التى يفكر بها هؤلاء الناس من أشباه المثقفين وأقول لهم: هل تم حل كل القضايا المصيرية والمشكلات التى نعانى منها حتى تحاكموا كتابا صدر منذ أكثر من مائة عام؟!!
وأكد د. حامد عمار على ضرورة اتخاذ وقفة تقودها الصحافة وكبار الكتاب وكل المثقفين فى مصر وتكون مهمتها أمرين:
الأول: شرح أهمية هذه الأعمال الأدبية التراثية ودورها فى إثراء الحركة الأدبية وإثراء خيال الكتاب فى مصر والعالم كله.
الثانى: نزع الأقنعة عن هؤلاء المتطرفين لأن هدفهم الحقيقى هو الشهرة وجذب الأضواء إليهم وليس الغيرة على الثقافة والأدب كما يدعون.
ردة ثقافية
الناقد السينمائى على أبوشادى يعلق على الأمر على أنه ردة ثقافية على حد قوله وأضاف: «كان اسمى على الطبعة التى صدرت منذ 15 عاما للرواية من هيئة الثقافة الجماهيرية ويكفى أن الشيخ محمد العدوى كان هو محقق النسخة ولم يرى أى شىء خارجا بها، فهل القرن السادس عشر كان يتمتع بحرية أكبر مما نعيشه الآن؟! ويعلق أبوشادى: «الررواية من ذخائر التراث وما يحدث الآن أقل ما يطلق عليه «ردة ثقافية» ومثل هذه المطالبات تضر بسمعة مصر وتدمرها ونحن بلد الحضارة منذ آلاف السنين، وفى رأيى أن الحل الوحيد لدى اتحاد الكتاب واتحاد النقابات الفنية وكذلك المجتمع المدنى والمحامين الشرفاء وكل من يهتم بحرية التعبير بأن يسعى لتكوين جبهة ضد قوى التخلف لنحافظ على سمعة بلدنا.
ثقافة الحوار
أما الدكتورة زينب رضوان وكيل مجلس الشعب وأستاذ الفلسفة الإسلامية وعضو المجلس القومى لحقوق الإنسان فتقول: يجب النظر للتراث على أنه قيمة وبصرف النظر عن الموافقة أو الرفض فإن دورنا تسجيل التراث وليس مهاجمته كما هو فالآثار الفرعونية وبوذا والحضارة الرومانية وأى حضارة سابقة تترك آثارها، وكما يجب احترامها يجب احترام حرية الرأى فهى من أبسط حقوق الإنسان بأن نتناقش ونتجادل بأسلوب حضارى، أما المطالبة بوقف رواية ألف ليلة وليلة وزعم أنها تخدش الحياء فيتطلب تجمع أصحاب الرأى فى المجتمع والإعلام ويوضح كل جانب رأيه ليقنع الآخر فلا يوجد رأى مطلق واجب التنفيذ فيجب تبنى ثقافة الحوار، وفى رأيى أن من يهاجمون ويؤيدون ينطلقون وراء الأمر دون أن يقرأوا العمل من الأساس وكما قلت فإن التراث يجب أن يحترم ويسجل كما هو.
أعداء التراث
الناقد السينمائى المعروف مصطفى درويش يقول عما يحدث: مثل هذه المطالبات بإلغاء ومصادرة نفائس من التراث العربى تكررت قبل ذلك وهى إن دلت على شىء فإنما تدل على عداء هؤلاء الناس للتراث والثقافة عموما، فرواية «ألف ليلة وليلة» من ذخائر العرب والتراث الإنسانى ولها وهجها ليس فى العالم العربى فقط وإنما بمشارق الأرض ومغاربها. وترجمت من اللغة العربية إلى اللغة الإنجليزية فى القرن التاسع عشر واعتبر هذا حدثا أدبيا مهما جدا فى إنجلترا.
ومن طالبوا بمصادرة ألف ليلة وليلة سبقهم مَنْ طالب بمصادرة كتاب «دارون» وإن طبع بعد ذلك ثانية، ففى كل مكان هناك أناس مع أو ضد والغلبة فى النهاية لحرية التعبير كما حدث أيضا مع قصص نجيب محفوظ وغيره من العظماء، ولكنها نكسة مؤقتة وردة للتيار الإنسانى الذى لا يلبث وينقلب.. والتاريخ أثبت أن كل المعارك تنتهى بانتصار حرية التعبير وهو بمثابة انتصار للإنسانية.
وعن مواجهة مثل هذه الدعاوى الزائفة قال الناقد مصطفى درويش: نحن كمفكرين وأصحاب رأى مهمتنا الدفاع عن الحرية بالكتابة والحديث عبر وسائل مواجهة هذا التيار الظلامى تليفزيون وصحافة وندوات ومواجهتهم بكل إصرار وحزم لأن مثل هؤلاء لا يملكون شجاعة المواجهة فهم ينقضون ثم يتراجعون وقد ينقضون ثانية فهى معركة أزلية معركة بين حرية الرأى وتيار الظلام وأثبت التاريخ أن التيار الإنسانى هو المنتصر.
تكاتف
أكد د. قدرى حفنى أستاذ علم النفس السياسى بكلية الآداب جامعة عين شمس أن «كتاب ألف ليلة وليلة» قديم وقرأه الأطفال الصغار قبل الكبار منذ سنوات طويلة ولا أظن أن أحدا فى تاريخ الأمة طالب بمصادرته ولا أعرف المبررات التى يستند إليها المحامون فى بلاغهم فربما يستندون إلى قصص أو روايات تتضمن شيئا عن سلوك جنسى ولكنه فى المقام الأول كتاب أدبى والجنس غريزة بشرية تناولها القرآن والكتب المقدسة لافتا إلى أن أى عبارة تكتب فى أى كتاب روائى تتوقف على السياق الذى يتم تداولها فيه. ولهذا أرى أى مبرر لمصادرة الكتاب لأنه كتاب تاريخى.
ويضيف د. قدرى أنه ينبغى ألا نشعر بالانزعاج من محاولة هؤلاء المحامين فهو تيار عام يحاول أن يستند إلى موقف الدين فى كل شىء .. وشئنا أم لم نشأ، فهناك بعض التساؤلات عن الأمور التى يعتبرها جيلى «أمورا طبيعية» مثل إثارة الحديث عن بعض القضايا مثل ملابس النساء أو الرجال أو عمل المرأة فهذه قضايا قديمة تثار بين حين والآخر.
ويؤكد قدرى أنه ينبغى أن نأخذ مثل هذه الأمور بالحوار ونتعرف على المبررات التى يستندون إليها لمصادرة الكتاب وهل المصادرة مجدية؟ قائلا إن الكتاب من الممكن تصفحه عن طريق الإنترنت ومن يريد أن يقرأه فسوف يفعل ذلك، ومصادرة الكتاب «النسخة الورقية» لن تفيد لأن من يريد قراءته سوف يبحث عنه فى أى مكان.
وصفت الكاتبة فريدة الشوباشى أن ما حدث مؤخرا من قيام بعض المحامين بإقامة دعوى لمصادرة الرواية ظاهرة سيئة للغاية موضحة أن ألف ليلة وليلة كتاب يخاطب العقل. وترى فريدة أن الدولة مطالبة بفتح الباب للثقافات المستنيرة وأن يكون لها دور على الساحة الإعلامية، فللأسف نجد بين الحين والآخر خطوة تشد المواطنين إلى الوراء مثل بعض الأقاويل من بعض التيارات بإيجاد ما يسمى بالسينما النظيفة وما يردد بين الحين والآخر عن مصادرة بعض الكتب الأدبية أو الروائية.
وعن مواجهة مثل هذا الأمر تقول فريدة إن حرية الحوار هى السبيل الأفضل لمواجهة ذلك الأمر لأن الصمت لن يفيد فكلنا كمجتمع مصرى يجب أن نتكاتف ضد هذا التيار الظلامى.
ضد المنع
يقول الدكتور عبدالمعطى بيومى عضو مجمع البحوث الإسلامية إن كتاب ألف ليلة وليلة به بعض الألفاظ المكشوفة إلا أنها لا تستحق إصدار حكم بمنع النشر أو المصادرة، وأضاف: أوافق على نشر الرواية لأن هناك فى تراثنا العربى مثل هذه الألفاظ فهل سنمنع نشر كتب التراث كلها؟! فلدينا كتاب الأغانى للأصفهانى ولدينا كتاب «المستطرف فى كل فن مستظرف»، وهى كتب موجودة حتى الآن ولدينا كتب الفقه الإسلامى التى تحتوى على العديد من التعبيرات الصريحة فهل ستصادر كتب الفقه أيضا وهى كتب نحترمها ونقوم بدراستها وتدريسها لأبنائنا وبناتنا.
وقال بيومى: القارئ هو القادر على استيعاب مثل هذه الألفاظ أو استهجانها وتنقيتها بالتميز بين الجيد والردىء والحل لن يكون بالمصادرة وإلا فلنقم بمصادرة قنوات التليفزيون أيضا، وقال بيومى: إن الأعمال الأدبية لا تصادر إلا إذا هاجمت أصول الدين أو ما علم منه الدين بالضرورة، لكن مصادرة كتب الأدب والنقد فهذا تجنًّ على حرية الفكر والإبداع وعودة إلى عصور الظلام الماضية، وقالت الدكتورة سعاد صالح الأستاذ بجامعة الأزهر: أنا ضد الدعوى القضائية المرفوعة لأن هذه الرواية من كتب التراث، وهذا التراث موجود من مئات السنين، وعلى رأسه رواية «ألف ليلة وليلة» التى كنا نلتف مع العائلة لسماع قصصها والتفاعل معها، كما أن هذه الرواية غير متداولة على المستوى العام ولكنها خاصة بالأدباء. وعن منع الرواية من الإصدار أضافت: إن المنع من الإصدار يجب أن تكون له أسباب قوية كتناول المقدسات أو الحديث عن أشخاص معتبرين، وهذه الأسباب لا توجد فى هذه الرواية فهى قصة أسطورية تحكى أساطير فى زمن ما.
وقالت د. سعاد صالح.. إن هؤلاء المحامين قد يكون الهدف لديهم هو السعى إلى الشهرة ولكن عليهم قبل كل شىء أن يراعوا الضوابط الشرعية التى تستوجب منع الإصدار أو مصادرته، وينبغى على فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب أن يضع هذه الضوابط، وأن يقرها مُجمع البحوث الإسلامية، حتى يُغلق الباب تماماً أمام كل مُدَّع أو باحث عن الشهرة، وحتى لا نترك الحديث عن كُتب التراث فى يد العابثين الباحثين عن شو إعلامى، كما طالبت شيخ الأزهر بأن يضع هذه القضية ضمن مهام عمله، وأن يُصدر بشأنها قراراً حتى يغلق الباب أمام أصحاب الفكر المتجمد الذين يسيئون للإسلام، لأن مثل هذه الأمور تتخذ ذريعة ضد الإسلام، ويتم اتهام أهله بالتخلف والجمود، فى حين أن الإسلام برىء من هؤلاء، وأنه لا يحجر على فكر أحد، بل على العكس فإن الإسلام يُشيد بذوى العقول وأصحاب الألباب.
وقالت الكاتبة الكبيرة «سكينة فؤاد»: فرغت قضايانا المهمة ولم يعد إلا حصار العقل.. القراءة تتوقف على حجم اتساع الأفق.. فعندما يضيق على الهستيريا الجنسية، ويفسر الفن تفسيراً جنسياً فقط، تصبح كل كتابة فى ضوء هذه الرؤية غير صالحة للنشر.. لأن الفن يتجاوز الرؤية المباشرة وتكون رؤيته أعمق.. والعقل عندما يستنير يدرك الأبعاد ولا يتم حصاره فى المنطقة الجنسية للتعبير عن المجتمع ومشاكله.
القضية قضية إضاءة أو إظلام.. عندما يتفتح العقل تشاهد وتبحر وتقرأ القصص قراءة شاملة، وهناك فرق بين قراءته قراءة فنية أو قراءته قراءة حسية ضيقة. هل كان العقل البشرى فى السابق أكثر استنارة من الآن؟! هل تريد أن نضع قانون الطوارئ داخل العقل؟!
أنا أربأ بمحامين محترمين أن يفسروا الفن تفسيراً مظلماً، وأن تكون نظرتهم للعقل المصرى، والثقافة المصرية بهذه الدونية.
جهل بالتراث
وصف الفنان حسين فهمى ما يحدث بأنه ردة ثقافية ناتجة عن جهل بمفهوم التراث الإنسانى بأكمله، «فألف ليلة وليلة»، ليست تراثاً يخصنا وحدنا، إنما يخص العالم بأسره، فهى تجمع قصصا وروايات من الهند والعراق وإيران، فهذا يعد جهلاً شديداً بالقصص، ومن المستحيل أن يكون هؤلاء المحامون قد قرأوا هذا الكتاب أو أى جزء منه، ولابد من وقفة صارمة للحفاظ على الثقافة والحضارة الإنسانية، لأن ما يحدث من الممكن أن يؤدى إلى شىء خطير للغاية وهو طمس تاريخنا وهويتنا العربية.
جرم كبير
أما الكاتبة إقبال بركة فقالت: أنا سعيدة بنشر ألف ليلة وليلة، وأحبذ هذا لأن الدنيا بأكملها تحتفل بكتاب «ألف ليلة وليلة»، ولا يجوز مهاجمة أى أحد للكتب العريقة مثل «ألف ليلة وليلة» لأنها تعتبر من التراث ولها تاريخها فأغلب أحداثها وقعت فى القاهرة المملوكية، كما أن ألف ليلة وليلة علَّمت الدنيا بأكملها فن الرواية عندما ترجمت للغات الأجنبية، وأثارت بداخلهم فن الرواية، فإنجلترا مثلاً تعلمت هذا الفن فى القرن 18 أى بعد ظهور ألف ليلة وليلة بقرون، وأشكر محكمة الاستئناف التى قالت فى قرار سابق لها أن رواية «ألف ليلة وليلة» تعتبر من «عيون الأدب» ونشرها وتوزيعها لا يوجد به جرم، لأنه يعلم الجميع أن مصر لها دور كبير فى الحكايات، ولهذا أنا سعيدة بأن إدارة النشر فى قصور الثقافة طبعت ألف ليلة وليلة كاملة دون أى نقصان وأنا ضد شطب أو مسح أى جزء من أى عمل أدبى، لأن فى ذلك جريمة فى حق النشر والأدب والمؤلف والقارئ.
طليعة المدافعين
يؤكد الشاعر سيد حجاب أن ظاهرة المصادرة تعكس مدى التردى، والانحطاط الفكرى الذى وصلنا إليه، فحين يقف بعض الحقوقيين الذين يُفترض أن يكونوا فى طليعة المدافعين عن حقوق الفكر والتعبير فى صف القهر والتعسف، وفى مواجهة بعض كتب التراث نكون حقاً فى مشكلة، ولو قام مجتمعنا باتباع ما يقولونه لقمنا بمصادرة كل كتب التراث التراث التى هى مليئة بما يمكن أن يعتبروه خارجاً عن الآداب العامة، فألف ليلة وليلة وطوق الحمامة لابن حزم، والعديد من كتب التراث مليئة بما يمكن أن يعتبره هؤلاء المحامون خروجاً عن الآداب، وهذا يعنى أنهم أكثر تخلفاً من فقهاء عصور الاستنارة الإسلامية السابقة، وفى اعتقاده أن ما يحدث هو نوع من الانسياق وراء فكر الوهابيين الصحراوى الرعوى العدوانى الذى حاول أن يحكم سيطرته على منطقتنا العربية، وعلى إسلامنا المعاصر،
ويكمن الحل من وجهة نظره فى يد نخبنا المثقفة، فهى مطالبة بالوقوف فى وجه هذه الحملة الظلامية المقيدة للحريات، فلن ندخل إلى العصر الحديث، ولن نؤسس دولتنا الحديثة إلا بإطلاق حرية العقيدة والفكر والتعبير، بالإضافة إلى كف يدى الغلاة المتشددين الذين يستخدمون الإسلام عن خطأ وتعسف فى مواجهة التقدم والحرية.
ويرى د. عبدالمنعم تليمة- أستاذ النقد العربى بجامعة القاهرة- أن رواية ألف ليلة وليلة لا تعتبر فقط عملاً أساسياً فى صناعة تراثنا العربى لكنها موجودة فى كل بيت مصرى وعربى وإسلامى، فهى زمرة تراثنا لأن شعبنا هو الذى تبناها وبعد ذلك استلمها فنانون وموسيقيون وشعراء وأدباء، لذلك فمن يطلب مصادرتها هو ضد الإنسانية، لأنه بذلك ليس ضد عمل محدد لكنه ضد ما تجنى البشرية ونحتفظ به فى وجداننا ونفخر به، فبالطبع كل من يتقدم لمصادرة «ألف ليلة وليلة» يكون خارج دائرة البشرية.
ويؤكد الدكتور تليمة أن الحل من وجهة نظره يكون فى السكوت، فهو أفضل لأننا كلما تحدثنا فى الموضوع ساعدنا على نشر تلك الدعوة المتخلفة، وأعطيناها اعتباراً ليس لها لكننا إن سكتنا سينتهى الموضوع بأسرع مما نتصور، وبجانب السكوت.. على اتحاد الكتاب والنقابات الفنية وجمعيات المجتمع المدنى وكل الجهات المختصة أن تصدر بيانات محددة للاستنكار التام لمثل هذا الهذيان والعدوان، لكن كما ذكرت فى السابق علينا ألا نعطى للموضوع اعتباراً أكثر من حجمه.
ويؤكد الفنان محمود ياسين أنه ضد مصادرة حرية الفكر والتعبير فى أى إبداع، و«ألف ليلة وليلة» تعتبر من أهم كتب تراثنا العربى الذى لا يمكن لأحد أن يتحدث عنه لأنه رمز لنا جميعاً، الحقيقة أننى استغربت كثيراً من عدة آراء متناقضة استوقفتنى فى بعض الصحف، فهناك من يؤيد مصادرتها وهناك من يعارضها، فكيف يحدث ذلك ويتخلى الناس عن مبدأ أن أى فكرة وأى عمل إبداعى فى جوهره يحمل معانى قيمة وأبعاداً جديرة للتأمل علينا أن نتوقف كثيراً أمامها قبل أن نصدر عليها أحكامًا، كما أنه لا يجب على أحد أن يصادر فكرة تتعلق بالإبداع والقيمة الفكرية، فلكل إبداع رؤية منطقية.
أما د. منال الطيبى- مدير المركز المصرى لحقوق الإنسان- فكان رأيها قاطعاً حيث قالت إن تقديم بلاغ لمصادرة رواية «ألف ليلة وليلة» عبث وتخلف، فكيف لأحد أن يقف ضد أى عمل إبداعى؟! وإذا كانت هناك حالة من الاعتراض على فكر، فلابد أن يواجه بالفكر وليس بالقضاء، وقد لاحظت فى الآونة الأخيرة ظهور حالة من التربص المجتمعى لبعض الأعمال مثلما حدث سابقاً مع رواية «عزازيل» والذي يحدث الآن مع «ألف ليلة وليلة»، وللأسف هذا يدل على تراجع أفكار مجتمعنا المصرى عن فترة الستينيات والسبعينيات، وأنا من وجهة نظرى أن السبب هو عدم وجود قضية وطنية ندافع عنها ونتبناها كما كنا نفعل فى السابق مما أدى إلى تشتت هويتنا واتباع بعضنا التيار السلفى المتشدد فى الأفكار والقضايا وأيضاً ظهور مشاكل مجتمعية ليست لها علاقة بالدين بقدر علاقتها بالثقافة السائدة عندنا، والحل هو تكاتف كل الهيئات من مجتمع مدنى وأحزاب ونقابات أمام أى ظاهرة تحاول أن ترجعنا إلى الوراء.
دور المؤسسات
ويرى الروائى إبراهيم أصلان أن ما يحدث الآن هو نوع من الهزل حيث التعدى على جزء مهم من التراث الإنسانى، وأرى أن المسئول عن هذه الوعكات الفكرية هو المؤسسات الثقافية التى تراجع دورها وازدادت الأجواء جهالة فيها وتراجع دور العقل وأصبح هناك سعى غير طبيعى نحو الشهرة دون الإحساس أو إدراك قيمة هذا الموروث الثقافى، ويعد ما فعله هؤلاء المدعون نوعاً من الإساءة لمصر خاصة أننا لم نسمع بمثل هذه الأشياء تحدث فى أى مكان آخر بالعالم العربى.
وعلى أية حال فهؤلاء القلة لا ينصفهم القضاء، لأن قضاءنا أكثر استنارة وفكراً وحفاظاً على التراث.
أما د. صلاح قنصوة - عميد معهد النقد الفنى السابق- فيقول: ما يحدث ويشهده المجتمع الآن ليس مثارا للدهشة إنما هو نتاج طبيعى للجو الثقافى السائد فى مصر، فعندما تكون هذه الأجواء والتى تدعو للظلام والتعتيم هى الوضع القائم، فبالتالى يكون المناخ مناسباً لظهور أناس يدعون إلى أفكار واتجاهات متطرفة وكل منهم يعبر بطريقته، فالتربة المصرية قد قحلت وبالتالى لا نتوقع منها غير هذه الأشواك.
وهذا يعد مظهراً طبيعياً يكمل مع مظاهر أخرى الصورة العامة للمجتمع المصرى. فالنقاب والألبسة القصيرة والحجاب هى تربة لا تنتج سوى حشائش ضارة لا قيمة لها، وبدلاً من وجود معايير فى اختيار موقف هو الحرية والرغبة فى إصلاح الوطن تختفى فكرة البحث عن إيجاد فضائل بالمجتمع إلى معايير الحلال والحرام.
ومازالت الفرصة متاحة لتغيير وتعديل هذه الأوضاع الخاطئة للسماح بالتعبير عن الحريات وإعطاء فرصة جيدة للتفكير السليم وبالتالى لن يقع الناس تحت وطأة هؤلاء المضللين، والحل يجب أن يكون جذرياً لكى نصنع مجتمعاً ديمقراطياً مثقفاً وواعياً ولديه قدرة على التفكير حتى تختفى كل هذه الهوامش تلقائياً.
ويقول بهيج إسماعيل- مخرج مسرحى- إن هذه الضربات المقدمة على الثقافة والفكر تعكس مناخاً متخلفاً فى المجتمع ناتجة عن التزمت والرجوع لأفكار القرون الوسطى حيث كانت هناك وصاية باسم الدين والأخلاق راح ضحيتها كثير من المستنيرين.
وأن يحدث هذا فى القرن الواحد والعشرين فهذا ناتج عن الفراغ الفكرى حيث لا توجد مشروعات ثقافية حقيقية فى مصر تشغل المثقفين.. إذن هى قضية الهدف منها ممارسة الشو الإعلامى فقط والبحث والتفتيش على طريقة محاكم التفتيش فى القرون الوسطى.. وطبع الكتاب مرة ثانية بعد نفاد نسخه هى الطريقة المثلى للتعامل مع كل من يقف فى طريق الحرية والتنوير والتفكير السليم.
وقال الكاتب الكبير صلاح عيسى: إن كتاب «ألف ليلة وليلة» من أهم كتب التراث فهو الوحيد الذى ترجم بكل لغات العالم، وكل الحضارات العربية والغربية على دراية بأهميته، فمن الصعب مصادرته فهو كتاب خيالى يضم روايات عربية قديمة من خيال مؤليفها.
وإن الغرض من هذا الكتاب مجرد الاستمتاع بكل رواية من رواياته وليس الغرض منه الجنس ولا يعنى أن ورود بعض صور وألفاظ خادشة للحياء إنه كتاب جنسى، ولا يجب أن نتوقف عند هذه الألفاظ والصور فى ظل التطور والتقدم اللذين وصل لهما المجتمع المصرى.
ويرى أنه لابد من سد هذا الباب لأنه استغلال سيئ لحق القانون ويشغل القضاء بمشاكل لا يمكن وضعها فى الاعتبار ولابد من سد كل الثغرات القانونية التى يمكن استغلالها لإجهاد القضاء. ويجب أن نضع قانوناً لمنع كل من حاول تشويه التراث بالاتفاق مع وزارة الثقافة لمنع كل من يحاول تشويه تراثنا الإنسانى العالمى ولابد من أن هذه الأمور ينظمها القانون.
قضاء شامخ
قال الدكتور سيد خطاب رئيس الرقابة على المصنفات الفنية: إن مجرد محاولة بعض المحامين رفع مثل هذه الدعاوى يعتبر جريمة فى حد ذاتها، وهم مقصدهم الأول والأخير الشهرة فقط اعتقاداً منهم أن ذلك فرصة ذهبية لتضييق الحصار على الكتاب والمثقفين والمبدعين.
ويرى أن هذا موضع تربص بالإبداع، حيث إن كتاب «ألف ليلة وليلة» من أهم الكتب التراثية التى عرفت على مر العصور وهو مجموعة من القصص الشعبية المستقاة من الحضارة العربية، وهو ضمن التراث الإنسانى والعالمى ويرجع زمن كتابة الروايات الموجودة بداخله إلى ما بين القرنين الثالث والرابع الهجرى لهذا فهو عيون الأدب العربى على مر العصور وألف ليلة وليلة يضم أشخاصا محفورة فى أذهاننا وأثرت فى حياتنا، فمن منا لا يعرف شخصية علاء الدين، على بابا والأربعين حرامى، والرواية الشهيرة الملك شهريار والجارية شهرزاد.
وأكد أنه من المفترض أن يحفظ النائب العام هذا البلاغ امتداداً لروح مصر الحضارية وقضائها الشامخ.
ويجب على المثقفين والمبدعين ألا يقفوا مكتوفى الأيدى أمام هذا الفكر المشوش. وأن تضع وزارة الثقافة ضوابط معينة تحمى التراث لأنه ليس من حق أحد أن يصادر إبداع الآخرين.
الحفاظ على التراث
وقال الناقد عبدالنور خليل: إن كتاب «ألف ليلة وليلة» ليس ملكنا فقط ولكنه ملك للعالم بأسره فهو متواجد فى كل الأساطير القديمة سواء العربية أو الغربية، وكذلك يوجد فى الأساطير اليونانية، وهو عبارة عن قصص مستوحاة من العالم كله وليس من الحضارة العربية فقط والدليل على ذلك أن «بيكاسو» الإيطالى قدم كتاب «ألف ليلة وليلة» على الطريقة الإيطالية وكان عبارة عن حواديت تحكى عن شعوب وسحر وممالك من الخيال ليس من الواقع الفعلى.
وأكد أنه من الصعب مصادرة خيال الكاتب لأنه الشىء الوحيد الذى يفجر الإبداع عند كل المفكرين والمثقفين، ومن الصعب التوجه إلى هذه الظاهرة حالياً فى ظل التقدم والتطور التى عرفته الثقافة المصرية، وأن هذه الظاهرة لا أساس لها من الصحة بعد أن تم عمل أكثر من مسلسل عن كتاب «ألف ليلة وليلة» ورواياته تحولت إلى أكثر من فيلم ليس فى الوطن العربى فقط، وكذلك فى الغرب حيث قدم فيلم «بيكشو 70» لأكبر ثلاثة مخرجين وهو مؤخوذ عن أكبر 3 مخرجين.
ويعد كتاب «ألف ليلة وليلة» من أكبر الكتب الثقافية التراثية حيث تربى عليه أكثر من جيل فى مختلف العصور، فلماذا بعد هذا التطور الهائل نقف لتشويه تراثنا؟! ولابد أن نحافظ عليه ونحميه من هذا الجهل.
ولابد أن يقف الأدباء والمفكرون صفاً واحداً لمنع هذا التشويش الثقافى، ونرجو من القضاء أن يرفض هذه الدعوى.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.