■ بقلم: د. محمد راشد عضو مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية فضَّل الله سبحانه ليلة القدر على سائر الليالي، وميَّزها بنزول القرآن فيها، وجعل لمن يُقيم ليلها إيمانًا واحتسابًا أجرًا عظيمًا، وهو مغفرة ما تقدَّم من الذنب. ولكن المتأمِّل في حديث قيام ليلة القدر يجد أن النبي صلى الله عليه وسلم قد أكَّد على شرطين لقبول قيامها المترتِّب عليه الأجر من الله، وهما: التصديق والإخلاص. فعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (مَن قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غُفِر له ما تقدَّم من ذنبه...) [صحيح البخاري]. قال ابن بطَّال في شرحه: قوله (إيمانًا) يريد تصديقًا بفرضه وبالثواب من الله تعالى على صيامه وقيامه. وقوله (احتسابًا) يريد بذلك أن يحتسب الثواب على الله، وينوي بصيامه وجه الله. وهذا الحديث دليلٌ بيِّن على أن الأعمال الصالحة لا تزكو ولا تُقبل إلا مع الاحتساب وصدق النيات. وقال بدر الدين العيني رحمه الله في كتابه عمدة القاري: قوله (إيمانًا) أي تصديقًا بأنه حق وطاعة. وقوله (واحتسابًا) أي إرادة وجه الله تعالى لا للرياء ونحوه؛ فقد يفعل الإنسان الشيء الذي يعتقد أنه صادق، لكنه لا يفعله مخلصًا، بل رياءً أو خوفًا أو نحو ذلك. وعليه، فإن التصديق هو الاعتقاد الجازم بأن العمل حق وشرع من عند الله عز وجل، تصديقًا يؤدِّي إلى الانقياد والاستسلام والاتباع؛ فالعبد يؤدِّي العمل باستسلام وانقياد لله سبحانه وتعالى الذي يختار ما يُسعد العبد في الدنيا والآخرة، ويؤدِّيه أيضًا باتباعٍ لرسوله صلى الله عليه وسلم، فيصلِّي كما كان يُصلِّي الحبيب صلى الله عليه وسلم، ويصوم ويحج ويفعل الطاعة كفعله عليه الصلاة والسلام. ففي الحديث الشريف: (وصلُّوا كما رأيتموني أُصلِّي) [صحيح البخاري]، وقال صلى الله عليه وسلم أيضًا: (لتأخذوا مناسككم، فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه) [صحيح مسلم]. أمَّا الإخلاص، فهو أن يقصد العبد بعمله وجه الله سبحانه وتعالى؛ فيصوم لله، ويقوم الليل لله، ويتصدَّق لله، ويتعلَّم لله، ويعتمر لله، لا يفعل العمل من أجل مدح الناس وثنائهم عليه، ولا من أجل منصب أو مال أو غرض دنيوي. قال تعالى: {إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا} [الإنسان: 9]. وقال سبحانه: {إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ ۞ أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ} [الزمر: 2–3]. فالخسارة الكبيرة أن نجتهد ونفعل الطاعة ولا يقبلها الله. وقد جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أرأيت رجلًا غزا يلتمس الأجر والذِّكر، ما له؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا شيء له). فأعادها ثلاث مرات، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا شيء له). ثم قال: (إن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصًا وابتُغِي به وجهه) [سنن النسائي]. ومن هنا يتبيَّن لنا أن الإخلاص شرط قبول الطاعة؛ فلنجتهد في إخلاص نيتنا وطاعتنا لله وحده، وأن نؤدِّي العمل بإيمان لله واتباع لنبيه صلى الله عليه وسلم ليكون صوابًا. وهذا هو هدف العبد في الدنيا: أن يحقِّق العمل الأحسن دائمًا؛ لينجح في اختبار الله له. قال تعالى: ﴿ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ ﴾ [الملك: 2]. وقد قيل لأبي علي بن الفُضيل بن عياض: يا أبا علي، ما معنى أحسن العمل؟ قال: "أخلصه وأصوبه". قيل: ما أخلصه؟ وما أصوبه؟ قال: "إن العمل إذا كان خالصًا ولم يكن صوابًا لم يُقبل، وإن كان صوابًا ولم يكن خالصًا لم يُقبل، حتى يكون خالصًا صوابًا". قيل: يا أبا علي، ما هو الخالص الصواب؟ قال: "الخالص: أن يكون لله، والصواب: أن يكون على السُّنَّة". فلتكن ليلة القدر بدايةً جديدةً لنا مع الله، نُخلِص فيها العمل لله سبحانه وتعالى، ونؤدِّي العبادة وفق تعاليم وهدي رسولنا الكريم عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم.