حين تشرق الروح في معارج طهرها، وتستشرف الأنفس أسمى شأوها في هذه الغرر البواقي من ضياء الشهر الفضيل، ينسلخ الاستغفار عن جلباب العادة؛ ليستحيل عبادة تفيض بالنور؛ فلا يغدو حينئذٍ مجرد همس يلوكه اللسان، أو نافلة عابرة، تزجيها الشفاه، بل ينقلب برنامجًا تربويًا يقوّم الوجدان، ويلمّ شعث القلوب، ويرتق ما تهرأ من نسيج الفطرة، ويصهر بوتقات الكيان؛ ليعاد سبكها، وصياغتها في محراب العبودية المستدامة، وفي هذه اللحظات الإيمانية، لا نحصي الأنفاس بمواقيت الفناء، ولا نعدُّ الثواني بمقاييس المادة، بل نزن الزمان بمقدار ما انقدح في سويداء الضمائر من إدراك قويم، وما أحدثه في شغاف الأفئدة من تحول عميق، يصف ارتقاء يجاوز حدود التراب؛ ليستشرف آفاق الكمال، ويستنزل سكينة، لا يبلغ كنهها إلا من أدمن الوقوف بباب الغفار، طالبا لروحه عتقًا، ولنفسه مآبًا، ومهدًا. ارتقاب المغفرة في ميقات العبادة يعد السراج، الذي ينير دروب النفس، والمرآة، التي تصقل الضمائر، والسور الذي يحيط بالوجدان؛ فيغدو القلب آمناً من غفلة الدنيا، والروح مستريحةً من أدران الغرور، ودروب النفاق؛ إذ ليس الأمر مجرد انتظار؛ لصفح يهبط من علياء الغيب، بل هو ممارسة متواصلة؛ للانكسار لرب السماء، والمراجعة الشجاعة، والإياب العميق؛ فيصقل الأخلاق، ويقوّي البصيرة، ويهذّب المشاعر؛ فينبت في الأعماق شعور بالمسؤولية، ووعي بالخطأ، وفقه بالصواب؛ ويغدو كل زلل فرصة للارتقاء، وكل لحظة ضعف مدخلاً للنمو الروحي؛ حتى تصبح المغفرة منهجاً للتربية في إطارها المستدام، وسبيلاً للسموّ، وسقفاً يحمي النفس من مخاطر النزوات، والشهوات، ومقصداً يوجه الأفعال إلى رحاب الطهارة، والصفاء؛ فتتجلى الذات في ضياء الطاعة، ويعلو الوجدان فوق قيود المادة، تصير الحياة تنمية للروح، تتلمس فيها القلوب طريقها إلى طريق الرشاد، وتستنير بها النفوس في سبيل السعادة. في هذه العشر المباركات تتجلى تربية الإرادة في أبهى حللها، وتشرق في النفوس أشعتها؛ فتوقظ الفؤاد بعد غفلة، وتسمو بالوجدان بعد سكون؛ حيث ينكسر طغيان العادة، ويُدعى الإنسان؛ ليعتلي صهوة الترفع عن صغائر الأمور، ويصير صعوده صعوداً للنفس نحو أفق السمو؛ هناك حيث يروّض المرء لجام انفعاله، ويهذّب لسانه؛ ليكون ملقى للطيب من القول، ومجالاً لنور البلاغة، واتصاف لنبل الصدق؛ ويغسل صدره، حتى يغدو مأرزاً للنقاء، لا مستنقعاً للضغائن، ولا مستودعاً للغل، والحقد؛ وهنا تتحوّل فلسفة الاستعلاء إلى ارتقاء فوق الأهواء، والأدران، وتحليق بعيد عن كل كدر، يثقل كاهل الروح؛ ومن ثم تترقرق المشاعر، وتستقيم القلوب على صراط العزّة؛ فيصير كل فعل، وقول، وشعور، جزءًا من منهج التربية الإيمانية، الذي يغذّي نوازع الوجدان. مع أفول شمس الشهر، لا يعلن الرحيل نهاية المدارسة، بل يؤذن بانبلاج فجر الثمرة؛ حيث تشرق في النفوس عزائم التغيير، ويولد في حنايا الصدر وعي أشد صفاءً، وعزم لا يتضعضع على استدامة التربية، ودوام التزكية؛ فيغدو كل قلب منارة للمعرفة؛ فيتحول الختام إلى انطلاقة كبرى، وتتقلب الليالي إلى سُلّم من نور، يرتقي به السالك مدارج التقوى؛ ومن ثم تصبح القيمة سلوكاً، يمشي بين الناس، وعملاً يشرق به المدى؛ فتتهذب النفوس؛ فتسير الذات في رحاب الروح، وتعلو عن صغائر الدنيا. هذه الأيام ينهل فيها القلب، والعقل، ويدرك اللبيب أن اللحظة الخاطفة قد تكون بذرة لخلود، لا يذبل، وأن الدقيقة إذا صبغت بالإخلاص، صنعت وعياً يبني أمماً، ويضيء ظلمات، تغرس في النفس الثبات، وتقوّي الإرادة، وتسمو المشاعر؛ فتصير الذات روحاً متعالية، وقلباً، يفيض بالصفاء، والنور، وعقلاً يضيء دروب الآخرين، اللهم اغمرنا، ومن رحلوا عن سماء الدنيا بمغفرتك، وارزقنا تربية الروح، والوجدان، ونور القلوب، وثبات العقل، وصفاء النفوس، وعلوّ المشاعر، ودوام الإيمان، والسمو في الحياة، والتزكية في كل فعل، يا رحيم غفور. ____ أستاذ ورئيس قسم المناهج وطرق التدريس كلية التربية بنين بالقاهرة _ جامعة الأزهر