منذ وجدت الأديان على الأرض وجد أعداؤها، أولئك الذين احترفوا لعبة استفزاز مشاعر العامة من خلال التهكم على معتقداتهم الدينية، لكن الغريب والجديد بل الخطير هو ما يحدث الآن فى مصر وفى غيرها من بلدان الشرق.. تأجيج مشاعر الانتقام من أصحاب الدين الآخر و تحفيز مشاعر الكراهية فى النفوس الضعيفة على أساس الاختلاف الدينى لا أكثر.. متناسين أننا جميعا ننتمى لأرض واحدة، أو فلنقل أم واحدة هى مصرنا وأب واحد أيضا هو تاريخنا المشترك.. حيث يعيش فيها كل المصريين بغض النظر عن الديانة أو العرق, مصر التى يكون فيها الجميع متساوين فى الحقوق والواجبات. على مدى سنوات طويلة تعرفت على زميلات كثيرات طوال سنوات الدراسة وفى العمل. ولم يحدث فى مرة أن سألت إحدانا الأخرى عن ديانتها لتقرر إذا ما كانت تستحق أن تصاحبها أم لا، وأذكر أيضا أنى ساعدت كثيرين وطلبت المساعدة من كثيرين دون أن أفكر ودون أن يفكروا هم أيضا إن كنت أنتمى لنفس الطائفة التى ينتمون إليها أم لا! وأذكر أيضا أمى وجارتها المسيحية، امرأتان عظيمتان - مصريتان أصيلتان - أعطتنا لنا دروسا فى التسامح الدينى وقبول الآخر، فكعادة أهل المناطق الشعبية فى مصر كانتا تتشاركان فى كل شىء (كعك العيد: عيدنا وعيدهم، تربية الأولاد، دردشات آخر الليل، الساعات المحببة أمام التلفاز، النزهات، الأفراح، المآتم، كل شىء حتى أدق تفاصيل الحياة اليومية). لماذا الآن أرى الجميع وقد أعلن الحرب على الجميع؛ بعض محترفى استفزاز المشاعر من المسيحيين أسسوا قناة فضائية كل همها سب المسلمين والإسلام، وأمثالهم من مشيعى الكراهية من المسلمين راحوا يكفرون المسيحيين ويلقنون أبناءهم دروسا فى كيفية تحاشى التعامل مع المسيحيين، والمؤسف أن يصل الأمر إلى منابر المساجد والكنائس، فبدلا من أن تصبح أماكن للوعظ وإرشاد الناس إلى طريق ربهم، صارت أماكن لتعليم الناس كيف يكرهون بعضهم البعض فى نفس الوقت الذى تمنيهم فيه بأحلام الخلاص والنجاة والفوز بالجنة الموعودة! رأيت زميلاً وهو للأسف صحفى ينتمى فكرياً إلى التيار الدينى الإسلامى - يزعق فى الميكرفون فى إحدى الندوات داخل نقابة الصحفيين النقابة التى تعد منبراً لكل أصحاب الرؤى المختلفة أن مصر لن ينصلح حالها قبل أن نطهرها - نحن المسلمين - ممن دنسوها، وكان يقصد هنا أصحاب الديانات الأخرى بوجه عام وأصحاب الدين المسيحى على وجه الخصوص، ثم تقمص شخصية أفلاطون واستطرد فى حديث طويل حول صورة مصر الإسلامية، شىء أشبه بأسطورة المدينة الفاضلة التى حلم بها أفلاطون فى يوم من الأيام.. ونسى الزميل المبجل أن المدنسين الذين يتحدث عنهم هم أيضا مصريون مثله، والمسيحيون تحديدا كانوا أصحاب الأرض قبله، أى أن مصر كانت فى يوم من الأيام مصر المسيحية. قلت له هذه الكلمات فاتهمنى بعدم الإيمان والوفاء لدينى ومداهنة الكفرة!! ما يُقال جد خطير، ويوشك بأن يحوِّل مصر إلى لبنان جديدة، لأن معظم النار من مستصغر الشرر! والفتنة تبدأ صغيرة وتنمو ثم تنفجر! ولضمان ألا يحدث ذلك أن نبدأ مرة أخرى فى تعلم كيف نتعامل جميعا مع بعضنا البعض من منطلق أن كل منا إنسان، له مطلق الحرية فى أن يحيا حياته كما يحب هو و ليس كما أحب أنا، هذا هو الحال الذى يجب أن تكون عليه مصر المصرية، مصر أم المصريين وليست أم المسلمين فقط أو المسيحيين فقط، أو ..... أو ...... أو. إنها مهمة المدرسة بالدرجة الأولى ثم الإعلام والفن بعد ذلك.. وهذه بعض الأفكار المفيدة فى هذا الصدد: إعداد أناشيد قصيرة فى حب الوطن، عمل حوار بين الطلاب فى حب الوطن خلال الإذاعة المدرسية،إعداد قصص قصيرة تهدف لتنمية الحس الوطنى، عمل برامج تتضمن صوراً للبلد والمسئولين والتوضيح عنهم وكيفية الاهتمام بمدينتك والمحافظة عليها، إعداد مسابقات تربوية تنمى الحس الوطنى.. بدلاً من ترك الأمر برمته لأصحاب الصوت العالى من الوعاظ الدينيين ليسكبوا البنزين فوق النيران الخامدة فى النفوس. وأخيراً أقول: إن اختلافنا وتنوعنا نعمة من الله.. فبالله عليكم لاتضيعوها، حتى لا تلاحقنا اللعنات فى الأرض وعندما نواجه رب السموات!!؟