في مصر أحزاب لا يعرف أحد عددها، من بينها حزب واحد يتمتع بالأغلبية البرلمانية المطلقة منذ عشرين عاما، وهو وضع يبدو مناقضا لجوهر التعددية التي تعني فيما تعني إمكانية تداول السلطة بين الأحزاب السياسية، كما يحدث في النظم الديمقراطية الأخري، وربما لأن الحياة الحزبية في مصر أحادية فقط، غاب كثيرون عن المشاركة السياسية اقتناعا بعدم جدواها. لكن الغياب الشعبي عن الحياة السياسية لا يمكن إرجاعه إلي أن المصريين لا يفهمون بالسياسة بقدر ما يمثل رسالة سياسية تحمل أكثر من معني لعل علي رأسها أن المواطنين يريدون تنوعا وتعددا حقيقيا وعندها قد نراهم عند صناديق الاقتراع. ولأن التغيير لا يحدث علي أرض الواقع، اتجهت قطاعات عديدة من المصريين علي رأسها الشباب إلي ممارسة العمل العام بشكل مختلف، وذلك عبر الواقع الافتراضي الذي يوفره الإنترنت في المواقع الإخبارية والمدونات والفيس بوك. ومن يراجع حركة المصريين علي الشبكة العنكبوتية سيكتشف أنهم لا يقاطعون السياسة والعمل العام، لكنهم صنعوا لأنفسهم عالما موازيا يعبرون فيه عن آرائهم ويتناولون الشأن العام الذي يقاطعونه في الواقع الحقيقي. وفي حين تبدو السياسة علي الإنترنت خطوة قد تكون مهمة نحو عودة الناس لممارستها في الشارع، فإنها في نفس الوقت تكرس نوعا من الازدواجية التي أصبحت تميز حياة المصريين في شتي المجالات، فنحن أكثر شعوب العالم تدينا، بينما لدينا نسب فساد مخيفة.. وبينما تتوسع الحكومة في بناء المدن الجديدة المنظمة والمخططة، تتسع وتتزايد العشوائيات لتخلق مجتمعات موازية، لا علاقة للدولة بها.. ولا علاقة لسكانها بالدولة والقانون.. وحتي في الاقتصاد يطارد وزير المالية الموظفين وأصحاب المشاريع الصغيرة لتحصيل الضرائب بينما نسبة كبيرة من الاقتصاد الوطني غير رسمي لا يسدد أصحابه تأمينات أو ضرائب.. ولا تعرف عنه الدولة أي شيء علي الإطلاق. وفي ضوء أن السياسة أصبحت أون لاين فقط أخشي أن تتكرس هذه الازدواجية، فتنشأ أحزاب وتجري انتخابات وتتشكل حكومات موازية عبر الإنترنت، وعندها تتحول مصر إلي مصرين.. واحدة نعيش فيها علي الأرض فقط، وأخري افتراضية علي الإنترنت نتنفس فيها كما نشاء.