عشت مؤمناً بكلام عمنا «إدوارد خراط».. فهو القائل: «لو حاولت أن تفكر فيما يدور حولك لأصابك الجنون». لكننى كسائر «الشعب المصرى الشقيق» انقلب حالى.. وباعتبارى عضواً أصيلاً بل عمدة مؤسس للجالية المصرية فى القاهرة اكتشفت لبضعة شهور أن الجالية تحولت إلى أغلبية فى الوطن فى أعقاب ثورة 25 يناير.. وبمرور الزمن بدأنا نتأثر بالحصار المضروب علينا.. وشيئاً فشيئا أكلتنا عجلة الإنتاج المتوقفة. فهذه العجلة شاءت لها الأقدار، أن تدوس على الذين يحلمون بمستقبل حقيقى لهذا الوطن.. ورغم أنها لا تدور.. فقد زادت إيرادات قناة السويس.. زادت تحويلات المصريين فى الخارج.. لم تنقص إيرادات السياحة سوى بمليارى دولار – عائدات السياحة 10 مليارات فى 2011 – كما أن محصولى القمح والقطن حققا نتائج غير مسبوقة.. أضف إلى ذلك أن جميع العاملين بالدولة والقطاع العام زادت رواتبهم ومكافآتهم.. بل إن عدداً كبيراً جداً من الذين كانوا يعملون بصفة مؤقتة، صدرت قرارات تعيينهم وتثبيتهم.. كل هذه مؤشرات تؤكد أن مصر تتعافى لمجرد أن ثورة 25 يناير، خلعت رأس النظام وقلة قليلة من كبار اللصوص.. وهذا دعانى للتفكير فيما يدور حولى.. ويبدو أننى أخطأت فكسرت قاعدة عمنا «إدوارد خراط»! لكننى ضبطت نفسى مضطراً للعودة مؤمنا بهذا الكلام الحكيم.. يرجع ذلك إلى ما يحدث فى ساحة الإعلام المصرى.. فبعد الثورة كان التربص بهذا الإعلام يتجلى ويتضح يوماً بعد الآخر.. لنبدأ مثلاً من الإعلام المرئى والمسموع.. فقد أقدم الفريق «أحمد شفيق» على إلغاء وزارة الإعلام.. وأكد ذلك الدكتور «عصام شرف» الذى لفقوه لنا، كرئيس وزراء اختاره الثوار. ثم ما لبث الدكتور شرف – وأحلى من شرف ما فيش – أن تراجع عن هذا النهج.. فإذا به يختار لغماً لاحتلال هذا المنصب.. ومعلوم بالضرورة أن الإعلام المرئى والمسموع المصرى، كان قد أراد له الاهتزاز بعنف حتى يفقد قدرته على التأثير.. فكان التمسك باستمرار المهندس «أسامة الشيخ».. ثم تعيين الدكتور «سامى الشريف».. وبينهما اللواء «طارق المهدى» راعياً لاستمرار العواصف داخل ماسبيرو.. وعلى الجانب الآخر كانت عملية تحريك الزلازل الصناعية داخل الصحف القومية.. تمت الإطاحة بأغلبية رجال مبارك، مع الإبقاء على بعضهم.. ثم تعيين الصف الثانى من رجال مبارك، مع تقديم بعض الوجوه المحترمة بشرط أن يمثلوا أقلية.. وكان ما حدث بإفساح المجال للإعلام الخاص.. تلك العمليات والهندسة الوراثية، لم تقدم للذى فكر فيها ما كان يريد. أثبت الإعلام المصرى أنه كان يحتاج إلى تلك الحالة من خلط الأوراق.. انتفض محاولا التخلص من أمراضه.. حاول الإعلام الرسمى دخول المنافسة، ولم تنجح محاولات ترويض الإعلام الخاص.. فإذا بهذا الإعلام فى إجماله ينقلب إلى داعم رئيسى وواضح لأهداف ومبادئ ثورة 25 يناير.. أؤكد للتوضيح أن هذا الإعلام مازال يعانى من الطابور الخامس الذى يفتقد القدرة على الوعى والفهم.. المهم أن من حاولوا حرق الإعلام، جاءتهم المفاجأة المذهلة بأن الإعلام يحرقهم ويحرق من حولهم.. ولم يحرق الثورة عن عمد وعن غير عمد! عملية ترويض الإعلام بالشفرة فشلت فشلاً ذريعاً.. فبدأنا نقرأ صفحة تدمير الإعلام بوضوح.. سربوا لنا ما يفكر فيه حزب الحرية والعدالة المفقوس عن جماعة الإخوان المسلمين.. وتحدث به الدكتور «وحيد عبد المجيد».. ولن أندهش إذا صمتت نقابة الصحفيين.. فسيادة النقيب يقوم بدور خطير، فهو ينفذ ما تريده الجماعة باعتباره أحد مفصوليها.. وقد يكون أنقذ نفسه بكل ما امتلك من حيل وألاعيب، فاستطاع أن يكسب الأغلبية ليفوز بموقعه.. ولأنه يعلم أن الذين فصلوه، يصعب عليه استرداد ثقتهم.. راح يبحث عما يعزز موقعه ويحمى مستقبله.. لذلك يتحرك مسابقاً الزمن والأحداث.. هدفه الفوز بمنصب داخل مؤسسته يدعم نفوذه أملا فى العودة إلى حظيرة الجماعة.. وكل ذلك جعله يمارس لعبة هو يجيدها.. استهلاك الوقت وإهدار قيمة المواقف، ليتجنب سيف أغلبية مجلس النقابة المسلط على رقبته.. يسعى لما يزعم أنها مكاسب لجموع الصحفيين.. وفى الكواليس يقدم نفسه كبديل لرئيس تحرير الأهرام الحالى.. وتلك حكاية ليست قائمة على الخيال، لكن الدكتور «كمال الجنزورى» رئيس مجلس الوزراء يعلم أسرارها.. وقد لا يعلمها بضع العشرات الذين وظفهم لإرسال برقيات المطالبة به رئيسا للتحرير. وهذا لا يهمنى فى شىء.. ما يهمنى هو أن الإعلام يتعرض لمؤامرة تتضح معالمها يوماً بعد الآخر.. تلك المؤامرة لن تنجح إلا بتحويل العاملين فى الصحافة والتليفزيون والإذاعة إلى ائتلافات متعددة ومتصارعة.. هنا يمكن أن يكسب الذى يلعب بالعرائس خلف الكواليس معركته.. الحكاية طبق الأصل مما حدث مع ثوار ميدان التحرير! حزب الحرية والعدالة بمشروعه الخبيث تجاه الإعلام، ليس أكثر من حلقة ضمن حلقات المؤامرة على كل ما كان يمكن أن نعلق عليه الأمل فى نجاح ثورة 25 يناير.. أدق ناقوس الخطر وأؤكد أن الإعلام المصرى، سينشغل بنفسه فى الأيام المقبلة.. سيتحول العاملون فى ميدانه إلى ديوك تتصارع.. وهنا ستبدأ المرحلة الثانية من تشويه هذا الإعلام.. قد تنجح المؤامرة.. لكن الحقيقة أقوى من كل المؤامرات.. ففى مصر إعلام بديل تجاوز هذا الميدان التقليدى.. أقصد بذلك الإعلام الإلكترونى وذكاء مع حيوية شباب الثورة الذين أجادوا استخدام الوسائط الحديثة – فيس بوك وتويتر – وهذا ما جعل حزب الحرية والعدالة يضعه ضمن مخططه لنسفه فى عملية شاملة هدفها إصابة الأمة بالعمى.. فالإعلام هو العين التى يمكن أن نرى منها الماضى والحاضر والمستقبل.. لا تسألونى عن التفاصيل.. أسألكم التفكير!