نحن الآن نقف بعد خمسة أشهر و14 يوما من تحقيق الثورة المصرية إنجاز إزاحة حسنى مبارك ورءوس عصابته من سدة الحكم، لكن المفارقة أن تلك السرعة فى تسجيل الهدف الأكبر أضرت بالثورة وعرقلت حركتها كثيرا، بل إن عبارات من نوعية «الثورة ترجع إلى الوراء» و«ثورة تايهة يا ولاد الحلال» باتت معبرة بشكل كبير عن اللحظة التى تعيشها مصر الآن. لقد سبق أن قال الأستاذ هيكل ما مفاده إن بلادة الرئيس المخلوع وبطء فهمه واستجابته لمطالب الثوار وتلكؤه فى الرحيل منح الثورة زخما وقوة دفع هائلة، بما يعنى أن كل يوم تأخر فيه مبارك عن اتخاذ خطوة كان يرفع من سقف مطالب الثورة ويزيد انتشارها أفقيا ورأسيا. وهذا صحيح للغاية، لكن الصحيح أيضا أن الثورة لم تترك لها المساحة لكى تنضج وتكتمل، بل حدث ما يشبه الانقضاض عليها أو ترويضها، فى عملية احتواء نفذت بمهارة شديدة، ولسان حال منفذيها يقول للثوار «ارجعوا أنتم ونحن سنأتى لكم بما تريدون» وقد صدق الثوار، أو معظمهم، ذلك فخلدوا إلى الهدوء والراحة إيمانا منهم بأن الذين وعدوا بقيادة قافلة الثورة إلى نهاية الطريق سيصدقون الوعد وينجزون ما تبقى. غير أن الأيام والأسابيع والشهور مضت دون أن يلمس الناس تقدما أو تغييرا يساوى الثمن الذى دفع، بل إن المشهد الراهن يحمل الكثير من ملامح ما قبل 25 يناير، وعاد الترمومتر يمتلئ بزئبق الاحتقان مجددا، حتى ارتفع المؤشر إلى حد ينذر بانفجار الغضب مرة أخرى، دون أن نلمس اقترابا حقيقيا وجادا من الأسباب التى تجعل الغضب يعتمل فى الصدور التى ضاقت بالإجراءات الشكلية، والقرارات الصادمة والمناقضة تماما لكل ما تفرضه وضعية الثورة. إن رجال جمال وسوزان مبارك لايزالون يتمتعون بالأفضلية فى التعيينات الحكومية حتى الآن، بل إن تشكيلة الحكومة الحالية تضم أسماء لا تنتمى بأى حال من الأحوال إلى هذه الثورة، ويكفى نموذج وزير الخارجية الجديد والأمر نفسه قائم فى حركة المحافظين، والمناصب الأدنى، فضلا عن أن المحليات مستمرة على حالها كما كانت قبل 25 يناير، والصورة لا تختلف كثيرا فى الإعلام والجامعات. إن كل مطالب التطهير التى قامت من أجلها الثورة جرى الالتفاف عليها أو تعطيلها، وكأن هناك من يخطط بمنتهى العبقرية لتأجيج الغضب فى النفوس، والإمعان فى إحباط الجماهير حتى تنفجر مرة أخرى. والأخطر من كل ذلك أن خدم نظام مبارك تبوأوا مقاعدهم خدما للمجلس العسكرى الآن، ويمارسون الأدوار ذاتها وبشكل أكثر فجاجة ووقاحة بلغت بأحد الذين لا يزالون عالقين فى روث قوائم العار أن يصم شباب الثورة بأنهم لصوص وسماسرة ميدان التحرير. إن قوة مهما بلغت شدتها لن تمنع هذه الثورة من الاكتمال، وهناك قطاع عريض من المصريين يسأل «أين ذهبت الثورة». ولكل ذلك وغيره فإن سحبا قاتمة تتجمع فى سماء مصر الآن، والخوف أن نكون فى انتظار الإعصار.