بالأسماء، المرشحون على عضوية رابطة محرري الشئون الخارجية بنقابة الصحفيين    توقعات بوصول الكيلو ل 100 جنيه.. قفزة كبيرة في أسعار الدواجن قبل شهر رمضان    الغرف التجارية: انخفاضات جديدة بأسعار السلع بنسبة 7% خلال 2026    كبير الأثريين: مصر تسجل رقمًا تاريخيًا بوصول عدد السائحين إلى 19.5 مليون ب2025    سوريا تعلن تمديد تعليق الرحلات الجوية من وإلى مطار حلب حتى مساء غد الجمعة    تفاصيل جلسة معتمد جمال مع لاعبي الزمالك قبل انطلاق مران اليوم    لتنفيذ أعمال المونوريل، غلق شارع 26 يوليو للقادم من كوبري 15 مايو    غلق كلي بشارع 26 يوليو لمدة 3 أيام لتنفيذ أعمال مونوريل وادي النيل – 6 أكتوبر    حملات العلاج الحر بالدقهلية تضبط منتحلة صفة طبيب وترصد مخالفات في مراكز علاج الإدمان    السيطرة على حريق بشقة سكنية فى سوهاج دون إصابات    المايسترو حازم القصبجي يختتم حفل عيد الثقافة    انطلاق حفل توزيع جوائز ساويرس الثقافية بالجامعة الأمريكية    فيلم السادة الأفضل يحقق 78 مليون جنيه منذ عرضه    خبير عسكري: ما جرى فى الفاشر يعكس سلوكا عدائيا متجذرا داخل ميليشيا الدعم السريع    صحة الفيوم: فحص 3650 طفلا حديث الولادة للكشف المبكر عن الأمراض الوراثية    استعدادًا لشهر رمضان، طريقة عمل الطحينة في البيت للتوفير في الميزانية    مسئول حكومي ل«الشروق»: سوريا ولبنان ستستفيدان من شحنات الغاز الإسرائيلي الموردة لمصر    استمرار التحقيق مع المسؤولين عن وفاة السباح يوسف محمد في يناير    خالد الجندي يحذر: لا تخلطوا بين الغضب وكظم الغيظ والحِلم    محافظ الأقصر: حماية الطفل أولوية قصوى ولا تهاون مع أي بلاغات    بث مباشر الشوط الأول من مباراة الهلال والحزم في الدوري السعودي    ريهام حجاج محجبة في مسلسل توابع    محمد منير يواصل البروفات التحضيرية لحفلته مع ويجز في دبي    أمم إفريقيا - مؤتمر مدرب السنغال: لسنا في حرب مع مالي.. ووالدتي من هناك    محافظ الجيزة يبحث آليات تنفيذ المرحلة الأولى من تطوير طريق «المنيب - العياط»    بث مباشر.. قمة نارية بين أرسنال وليفربول في الدوري الإنجليزي.. الموعد والقناة الناقلة وموقف الفريقين    بعد سحب عبوات حليب الأطفال من مصر وعدة دول.. ماذا يحدث مع شركة نستله العالمية؟    أزمة جديدة في الزمالك.. أحمد سليمان يرفض حضور اجتما الإدارة    سانتفيت مدرب مالي: تنتظرنا معركة شرسة أمام أقوى فرق ربع نهائي أمم أفريقيا    محافظ قنا يكرم فريق منظومة الشكاوى بعد تحقيق استجابة كاملة بنسبة 100%    وزارة العمل تُعلن فرص عمل جديدة برواتب مجزية بمشروع الضبعة النووية    فتح باب تسجيل استمارات التقدم لامتحانات الثانوية العامة 2026.. الأحد    وكيل صحة أسيوط يعقد اجتماعا لبحث احتياجات عيادات تنظيم الأسرة من المستلزمات الطبية    ورش مهرجان المسرح العربي بالإسماعيلية تسلط الضوء على فن تشكيل الصورة البصرية    العراق يعرب عن قلقه من التطورات الأخيرة في حلب    اليمن.. تصعيد عسكري والجنوب يراهن على وحدة الصف    الفضيحة تمتد عالميا.. ديلي ميل وتيلجراف عن هاجر عبد القادر: أدائها الأسوء في تاريخ التنس    إيكيتيكي ينافس نجوم مانشستر سيتي على جائزة لاعب الشهر في الدوري الإنجليزي    تخصيص قطعتي أرض لتوفيق أوضاع عمارات إسكان اجتماعي بمحافظة جنوب سيناء    ضبط شخص بحوزته بندقية آلية لإطلاقه النار احتفالا بفوز مرشح انتخابى فى الدلنجات    ضبط طالب بالإسماعيلية لإدارته صفحة لبيع الأسلحة البيضاء عبر الإنترنت    تقديرا لدورهن في بناء الأجيال.. تضامن قنا يعلن مسابقة الأم المثالية 2026    «التنمية المحلية» تعلن تشغيل 4 مجازر جديدة لسكان 3 محافظات    وزيرة التنمية المحلية تعلن إطلاق مبادرة «أنا متعلم مدى الحياة»    وزير الخارجية الأمريكي: للولايات المتحدة حق التدخل العسكري أينما تشاء.. وليس فقط في جرينلاند    لجنة انتخابات الوفد تستقبل طلبات الترشح لرئاسة الحزب لليوم الأخير    "تغيّر المناخ" يحذر من شتاء أشد برودة وتقلبات حادة تؤثر على المحاصيل والمواطنين    الصحة تطلق حملة توعوية متخصصة في صحة الفم والأسنان لفحص 5671 شخصا خلال 10 أيام    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بإسقاط الجنسية المصرية عن 5 أشخاص    اتصال هاتفي بين وزير الخارجية ونظيره البوركيني    اسعار المكرونه اليوم الخميس 8يناير 2026 فى محال المنيا    أكثر من مليون أسرة في أوكرانيا أصبحت بلا تدفئة ولا مياه    دار الإفتاء تحدد آخر وقت لصلاة العشاء: الاختيار والجواز والضرورة    المستشار حامد شعبان سليم يكتب عن : و يا لها من رفقة!?    مواقيت الصلاه اليوم الخميس 8يناير 2026 فى المنيا    رئيس كولومبيا: أطلعت ترامب على جهود مصادرة المخدرات في البلاد    واشنطن تفرض إشرافًا صارمًا على إيرادات النفط الفنزويلي    ما حكم أرباح الوديعة البنكية والإنفاق منها على البيت؟ أمين الفتوى يجيب    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الملا محمد عمر زعيم طالبان.. جاذبية القيادة وغموض المواقف

كان ذلك في مارس على ما أعتقد من عام 1995 حين التقيت زعيم الحركة الملا محمد عمر -رحمه الله- لأجري معه لقاءً صحفيًا مهما كنت على يقين بأن لقاء الملا ليس بالأمر السهل يومها ولا بعدها؛ فهو لا يحب الأضواء ولا الإعلام، ولكن نظرًا لتغطيتي أحداث الجهاد الأفغاني لأكثر من عقد يومها، ونسجي لعلاقات مع قادة أفغان كثر، فقد تمكنت من لقائه.
وصلت إلى قندهار معقل الحركة وأمضيت يومين أو ثلاثة مع وكيل أحمد متوكل، مدير مكتب الملا محمد عمر صاحب الأخلاق الرفيعة والمباسطة والمزاح بعكس ما قد يُشاع عن الحركة وأتباعها، متوكل ترقى بعدها لمنصب وزير الخارجية، ورافقنا خلال اليومين أيضًا الشيخ معصوم أفغاني مفتي الحركة، تصادف وجودي في قندهار عاصمة الدولة الأبدالية في القرن الثامن عشر مع إرغام حركة طالبان الصاعد نجمها لطائرة شحن روسية كانت تقل أسلحة وذخائر للتحالف الشمالي وقائده العسكري الأبرز أحمد شاه مسعود، فكنت في الزمان والمكان الصح؛ حيث ضربت عصفورين بحجر واحد، لقاء الملا، ولقاء الرهائن فكانا سبقين صحفيين..
في حضرة أحمد شاه الأبدالي:
صباح يوم جميل من أيام مارس؛ حيث السنة الأفغانية الجديدة، اصطحبني وكيل أحمد متوكل إلى دار الحكومة الأفغانية؛ حيث قصر الملك أحمد شاه الأبدالي الذي حكم أفغانستان 1747 من هذا القصر، كان كل شيء في القصر يحكي عراقة وتاريخًا، عبق التاريخ في كل زاوية، يطغى على كل شيء، الحديقة الغناء التي تحولت على ما يبدو إلى حديقة مهجورة، فانتشر تحت ظلال أشجارها الوارفة مجاهدون ومقاتلون كثر، يتجاذبون أطراف الحديث عن الحركة الوليدة وانتشارها الصاروخي؛ إذ تمكنت حتى ذلك التاريخ من إخضاع معظم المناطق الجنوبية الغربية، كنت أتمشى مع وكيل أحمد متوكل الذي بدا كاتم سر الملا، وبينما كنا نتحدث عن طالبان ورأيها في الأحزاب الجهادية الأفغانية، إذا بي أرمق شابًا في أواسط الثلاثينيات يتمشى صوبنا حاملاً رداءً أو "البتو" الأفغاني، لم أفكر للحظة واحدة أنه الملا محمد عمر؛ فالبساطة والعفوية سمة الملا، الذي يفتقر إلى أي نوع من أنواع الحراسة، والبروتوكول الذي اعتاد عليها قادة الأفغان المجاهدون الذين رافقناهم خلال سني الجهاد معدومة، فقدومه وهيئته يرسلان رسائل واضحة أن القوة والحضور والسلطة في الشخص لا في أدوات شكلية..
لم يبق بيني وبينه إلاّ خطوات، مصرًا على التحديق بالأرض وليس النظر إلينا، التفت إلي وكيل أحمد متوكل ليبلغني أن أمامك (الملا محمد عمر مجاهد)، ويومها لم يكن قد أُطلق عليه أمير المؤمنين الذي خُلع عليه بعد أكثر من عام من اللقاء إثر السيطرة على كابول أولًا، ثم اجتماع لأكثر من 1500 عالم وشيخ قبيلة ليبايعوه على المنصب الجديد، سارعت إلى التسليم عليه والحديث إليه باللغة العربية، التي لا يفهمها، وأحيانًا بالفارسية التي أتكلمها، أشار عليّ بالجلوس تحت شجرة ضخمة من أشجار قصر أحمد شاه الأبدالي الذي يعد أحد أجداده كونه ينتمي إلى نفس القبيلة، نثر الملا " البتو" أو الرداء على الأرض لنجلس مقابل بعضنا، بينما ظل وكيل أحمد متوكل يجلس على بعد متر أو مترين، وبدأ الحوار الذي غطى ظروف ونشأة الحركة ورؤيته لما جرى ويجري وانقلابه على الجماعات الجهادية الأخرى..
بدا الملا محمد عمر المفتقر إلى الرؤية العالمية لما يجري حوله وهو ما وفره له لاحقًا تنظيم القاعدة وزعيمه أسامة بن لادن، لكن الملا أظهر بوضوح ماذا يريد محليًا، وأن الحل بإقامة الإمارة الإسلامية وتطهير أفغانستان من كل القوى المتحاربة التي سعت إلى تضييع كل سنوات الجهاد الأفغاني، لم يمض على هذا اللقاء سوى عام واحد حتى تمكنت الحركة من قرع أبواب كابول والقضاء على أكبر حزبين أفغانيين لم يتمكن الاتحاد السوفييتي في عزه ومجده من تركيعهما لعشر سنوات..
الملا عمر وأسامة بن لادن
حتى ذلك الحين، كان زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن في السودان، وصل ابن لادن لاحقًا إلى جلال آباد شرقي أفغانستان بطائرة خاصة بعد أن تم طرده من السودان، وذلك ضمن صفقة بينه وبين قادة جلال آباد المحليين، ومع وصوله إليها كانت حركة طالبان الأفغانية قد اقتربت من المدينة وسيطرت عليها، فلعب قادة جلال آباد المحليين من سازنور والمهندس محمود دورًا في تعريف أسامة بن لادن على الملا محمد عمر، ونشأت الكيمياء بينهما.
لم يكن ابن لادن على علاقة ومعرفة بالملا على الرغم من قتاله لسنوات طويلة في أفغانستان كون قتاله تركز في الشرق الأفغاني، بينما الملا كان يقاتل في الغرب الأفغاني؛ حيث فقد في إحدى المعارك عينه، واللافت أكثر أن ابن لادن القادم مما توصف ب"المدرسة السلفية" السعودية لم يجد غضاضة في مبايعة زعيم الحركة الملا محمد عمر كأمير للمؤمنين المنحدر من المدرسة الحنفية الماتوريدية..
ما زلت أذكر حين التقيت زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن في جلسات مطولة استمرت لساعات طويلة في كابول وقندهار2000 ومطلع 2001 وهو يتحدث عن الملا باحترام وتقدير كبيرين، فقد كان ابن لادن يروي قصص رفض الملا لمغريات ضخمة عُرضت عليه مقابل بيعه ابن لادن أو طرده على الأقل، وما زلت أذكر ما قاله أسامة بن لادن لي يومها من أن الملا حين طلب من أسامة بن لادن التخفيف من تصريحاته، فقال له الأخير إذًا لنبق النساء والأولاد عندكم ونحن نرحل إلى أرض الله الواسعة، فما كان من الملا إلا أن قال له إذًا خذني معك، فبكى الطرفان، كل هذا يشير إلى مدى العلاقة القوية بينهما.
حدثني أحد القادة الطالبانيين المقربين من الملا كيف رفض عرضًا صينيًا بتعبيد كل طرق أفغانستان بالمواصفات العالمية مقابل تسليمه بضع مئات من المسلمين التركستانيين الذين لجأوا إليه، وهو الموقف الذي يذكر بموقف السلطان عبدالحميد الثاني لهرتزل برفضه تسديد ديون الخلافة مقابل بيعهم فلسطين.
تظل أحجية ولغز أحداث الحادي عشر من سبتمبر حدثًا مهمًا لفهم طبيعة العلاقة بين الملا وابن لادن؛ فوفقًا لمصدر أفغاني طالباني مطلع، فإن ابن لادن أبلغ الملا عمر بعمليات الحادي عشر من سبتمبر 2011 قبل حصولها، وأن الملا نصحه بألا يفعل ذلك؛ فالأولوية لتثبيت الإمارة والحكومة الإسلامية الأفغانية، ومع إصرار ابن لادن على طلبه لم يجد الملا عمر بُدًا من الموافقة، لكنه لم يكن راضيًا بالكامل عن العمليات..
بدايات كنهايات.. غموض وألغاز
لا شيء تشبه نهايته كبدايته، كحال العظماء ومن يدخلون التاريخ، ظهور الملا محمد عمر جسّد ذلك بأقوى صوره وتجلياته، فالحركة التي ظهرت بشكل غامض وتمكنت -كما أسلفت- من قرع أبواب العاصمة في غضون سنتين من نشوئها، ثم تحدّت العالم كله بإصرارها على إيواء المطلوب الأول أميركيًا أسامة بن لادن، هي نفسها الحركة بقيادة الملا محمد عمر التي قاتلت تحالفًا دوليًا ضم 50 دولة من أقوى دول الأرض، وبتعاون استخباراتي عالمي غير مسبوق، ومع هذا فشل العالم كله في تعقب الملا، الذي لم يجزم حتى الآن بشكله أو بصورته، فقاتل بغموض شخصيته، ورحل عن الدنيا غامضًا تاركًا العالم يتجادل بشأنه كما تجادل وربما بشكل أقوى يوم حياته..
لم يكن الملا محمد عمر مولعًا بالإعلام وشاشاته كما هي حال ضيفه زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن الحريص على الظهور إعلاميًا والتأثير على اتجاهات الرأي العام العربي والدولي، فقد كان يُنقل عن الملا محمد عمر حين يُطالب بتوضيح مسألة معينة "نحن نصنع التاريخ وغيرنا يكتبه"، فقد كانت آخر رسالة صوتية للملا عمر عام 2006 وربما هي الرسالة الصوتية الوحيدة، وباقي الرسائل الواردة منه كانت مكتوبة فقط..
حين وُوجه الملا محمد عمر عقب رفضه تسليم أسامة بن لادن وقبوله التحدي الأميركي بأن الرئيس الأميركي جورج بوش وعد قواته بالنصر وبإلحاق الهزيمة بطالبان قال قولته المشهورة: "هناك وعد بوش ووعد الله وسنرى أي الوعدين أصدق، فنحن كمؤمنين نؤمن بوعد الله بنصر عباده المؤمنين".
قاتل الملا عمر التحالف الدولي وأرغمه على الانسحاب من أفغانستان وقتل منه باعتراف المصادر الأمريكية 3490 جنديًا أجنبيًا، لكن مع هذا يرحل الملا عمر تاركًا إرثًا ثقيلاً، ربما قد يكون إرثًا شبيهًا بالإرث الذي خلّفه ضيفه أسامة بن لادن؛ إذ انقسمت القاعدة إلى تنظيم الدولة ومجموعات قاعدية هنا وهناك، واليوم تتقاسم طالبان مجموعات، فمجموعة أختر محمد منصور الذي قيل إنه تم اختياره من قبل مجلس الشورى القيادي كخليفة للملا عمر، وهو ما دحضته تصريحات لشخصيات طالبانية مشهورة مثل عبدالقيوم ذاكري القائد المعروف والذي قضى سنوات في سجن جوانتانامو وأكثر من مسؤول طالباني كبير، حين اعتبروا قرار التعيين من قبل مجموعة منصور فقط، ولا يلقى إجماعًا، ويلقى منصور دعمًا من معتصم أغا جان القوي بالحركة والمقيم الآن في دبي، وهناك مجموعة ذاكري ومجموعة يعقوب نجله البالغ من العمر 26 عامًا الذي لم يؤيد الاختيار، وثمة مجموعة الملا عبدالغني برادرز نائب الملا عمر والذي يُعتقد أنه في قبضة الأمن الباكستاني، ويبدو أن منصور فقد أرضيته الأخلاقية أمام قيادات طالبانية كونه أخفى موت الملا لعامين كاملين بل اتُهم من قبل البعض بأنه وراء قتله وأن موته لم يكن موتًا طبيعيًا، واللافت أن بيان الإمارة الإسلامية الأفغانية وهو اسم حركة طالبان لم يُشر إلى زمن الوفاة ومكانها..
بالعودة إلى طبيعة الوفاة فهناك عدة روايات، الرواية الأولى والأكثر رواجًا هي وفاته في 19-7 -2013 أي قبل عامين ونيف من الآن حين توفي في كراتشي ونقل جثمانه إلى داخل أفغانستان وتحديداً إلى ولاية زابل حيث دفن فيها، ويعزز ذلك ما ذكره مدير المخابرات المركزية الأمريكية السابق ليون بانيتا حين ذكر في يناير/2011 للرئيس الباكستاني آنئذ آصف علي زرداري أن لديهم معلومات عن مرض الملا وأنه يتم تطبيبه في مستشفى الأغا خاني بكراتشي، وهو ما نفاه الباكستانيون يومها، ويظهر أن الاستخبارات المركزية الأمريكية التقطت رسائل مكتوبة وهاتفية لقيادات طالبانية لاحقاً تؤكد الوفاة، أما المخابرات الأفغانية التي أعلنت الخبر فقد تحدثت أنه توفي قبل عامين في كراتشي، بينما المصادر الطالبانية الرسمية تقول الآن إن الوفاة حصلت أخيرا وفي داخل أفغانستان ولم يخرج منها..
وكانت جماعة الاستشهاديين بقيادة نجيب الله المقربة من القائد العسكري الطالباني الراحل داد الله أعلنت على صفحتها في الفيس بوك الشهر الماضي أن الملا عمر قد توفي، وتحدت ظهوره، تبع هذا مطالبة قيادات طالبانية بالكشف عن مصير الملا، مما أرغم أختر منصور الذي كان يقدم نفسه على أنه الوحيد الذي على صلة مع الملا على الكشف عن الوفاة..
الملا عمر شكل قوة جاذبة ومغناطيس توحيد لحركة طالبان أفغانستان حين قادها بالسر والعلن، ولسنوات ظل مجرد شبحه صُمغ الحركة، بيد أن رحيله لا بد أن يطلق تحديات حقيقية، فحسب الاتصالات اللاسلكية الملتقطة من مقاتلي طالبان في الداخل فإن المقاتلين في وضعية صعبة لا يعرفون من أين يتلقون أوامرهم، إذن فإن التحدي الأكبر أمام الحركة الآن هو بقاؤها بشكل موحد ومتماسك..
تماثيل بوذا.. هل ندم على تدميرها؟!
حين التقيت أحد المسؤولين الطالبانيين الكبار قبل عام تقريبًا، قال لي لقد أخطأنا كثيرًا في تدمير تماثيل بوذا؛ حيث ألّبت علينا العالم كله بلا ثمن وبلا ضرورة، والمعلوم أن تماثيل بوذا التي دمرت في زمنه كان القرار قد صدر بأمر منه، ونفذته كتيبة هندسة من تنظيم القاعدة لخبرتها الفنية، وقد أمر الملا يومها بنحر أكثر من مائة بقرة في كل أفغانستان للتكفير عن ذنبه بتأخير تدمير تماثيل بوذا كما نُقل عنه، وقد اختار البقر كرد على الهندوس الذين يعبدون البقر..
أتذكر اليوم كلام المسؤول الطالباني ولا أدري إن كان ما قاله لي يعبر عن مراجعة الملا أيضًا أم هي مراجعة طالبانية شاملة كما عبر لي يومها..
الحرب أم السلام.. والعامل الباكستاني؟!
لعل الضحية الأولى لإعلان وفاة الملا محمد عمر في هذا الوقت بالذات هو المفاوضات التي ترعاها باكستان بين الحكومة الأفغانية وحركة طالبان، فيبدو أن الرئيس الأفغاني أشرف غني الذي نسج علاقات مع إسلام آباد، على غير رغبة شركائه في الحكم الموالين لإيران والهند، أُرغم أخيراً على الرضوخ لإعلان خبر الوفاة، الذي نسف الجولة الثانية من المفاوضات التي كانت متوقعة أمس الجمعة، وهو ما دفع الحكومة الباكستانية إلى تعليقها بطلب من حركة طالبان أفغانستان، فلا منصور الراغب بها قادر على المضي فيها لضعفه أمام قيادات طالبانية كبيرة ترفض زعامته، كما أنه لا يستطيع مواجهة الضغوط التي تمارسها هذه القيادات برفضها الحوار مع الحكومة الأفغانية كون ذلك ينسف مبادئ وثوابت الحركة برفض الحوار في ظل الوجود الأجنبي في أفغانستان.
العامل الإيراني مهم في المعادلة إذ إن إيران لديها نفوذ كبير في التركيبة الأفغانية كونها من نتاجها تماماً حين أشرفت على عقد مؤتمر بون 2001 الذي جاء بها إلى السلطة بغض النظر عن تغيير الرئيس من كارزاي إلى أشرف غني، فالدولة العميقة التي أنتجها مؤتمر بون هو امتداد للنفوذ الإيراني، والذي تم تعميقه وتجذيره خلال السنوات الماضية، ومن ثم فإن باكستان تحاول الدفع بحلفائها الطالبان البشتون إلى السلطة، وهو ما تقاومه إيران، وهنا تبرز خطورة ظهور تنظيم الدولة" داعش" في أفغانستان على باكستان؛ إذ إن داعش ستقتات على أرضية طالبان، وربما التصعيد العسكري سيخدم السياسة الإيرانية في شق صف طالبان وتمزيقها وإن كان البعض لا يستبعد أن تتجه مجموعات كبيرة من الحركة صوب الحزب الإسلامي بزعامة قلب الدين حكمتيار لسببين؛ الأول كاريزميته الجهادية وشخصيته المعروفة، بالإضافة إلى تشاطره وإياها عرقية بشتونية واحدة.
فشل أمني أميركي كبير
شكل الإعلان عن وفاة الملا محمد عمر مفاجأة وفشلاً أمنيًا كبيرًا للولايات المتحدة الأميركية وحلفائها في العالم برمته، فكل هذه الأجهزة المتطورة التي كانت ترقب العالم وتتجسس على رؤسائه، لم تؤكد على مدى عامين ونصف عام تقريبًا وفاة شخصية مثل الملا محمد عمر، ومن ثم فإن الإعلان هذا قد يكون صفعة باكستانية قوية للأميركيين ردًا على عدم مشاطرتهم إياهم عمليتهم في قتل زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن..
وقد نقلت الواشنطن بوست عن مليت بيرون مدير عمليات السي آي إيه في كل من أفغانستان وباكستان قوله: "إنه لأمر محير جداً أن تظل وفاته غامضة طوال هذه الفترة الطويلة الممتدة لأكثر من عامين بدون أي تأكيد، على الرغم من القدرات والإمكانيات الضخمة لأمريكا في المراقبة والتجسس".
الهزة الأمنية الأميركية قد يقابلها هزة إعلامية لمصداقية الحركة ومصداقية قيادتها أيضًا، فهل سيتعامل الإعلام بجدية مع تصريحات الناطق الرسمي الطالباني بعد اليوم وهو الذي كان حتى يوم إعلان المخابرات الأفغانية عن الوفاة يرفض ذلك ويعتبرها مؤامرات ودسائس، ليؤكد الإعلان بعد يوم واحد، يُضاف إليه تعرض زعيم الحركة الجديد أختر محمد منصور لهزة حقيقية في مصداقيته وهو الذي كان ينقل رسائل كاذبة منسوبة للملا محمد عمر لعامين ونيف على أنه حي، كان آخرها رسالة العيد الماضي التي دعم فيها مفاوضات إسلام آباد، وهو ما يعني أن مصداقيته على المحك الأمر الذي شكك به كثير من القيادات والزعماء الطالبانيين الآن..
هذا المقال لا يعبر الا عن رأي كاتبه


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.