توقفت المفاوضات بين واشنطن وطهران التى جرت فى العاصمة الباكستانية إسلام أباد، بعدما أعلن، على نحوٍ مفاجىء، نائب الرئيس الأمريكى جيه دى فانس إنسحاب الوفد الأمريكى من المفاوضات.. ولأن ترامب يتحف العالم دائمًا بتصريحاته المتضاربة بدون أى إحساس بالتناقض مع نفسه، ولأن وكالات الأنباء تطير لنا قراراته العشوائية التى لا يدرك مدى خطورتها، فقد أصدر القرار الأمريكي بفرض حصار بحري على إيران. يأتى هذا الحصار في مضيق هرمز كأحد أخطر تطورات الصراع الدائر في المنطقة، ليس فقط لأنه يطال شريانًا حيويًا للتجارة العالمية بكل تأثيرات ذلك على الموقف بشكل عام، بل لأنه يعيد طرح أسئلة جوهرية حول شرعية استخدام القوة خارج مظلة القانون الدولي، وتداعيات ذلك على الاقتصاد العالمي والاستقرار الإقليمي. من الناحية القانونية، يثير الحصار إشكاليات عميقة. فوفقًا لاتفاقية قانون البحار، يتمتع مضيق هرمز بوضع خاص باعتباره ممرًا دوليًا يضمن "حق المرور العابر" لجميع السفن. وبالتالي، فإن أي محاولة لإغلاقه أو تقييد الملاحة فيه تُعد، في الأصل، انتهاكًا للقانون الدولي ما لم تكن مبررة بحالة دفاع شرعي واضح أو بقرار صادر عن مجلس الأمن الدولي. وتحت أى ظرفٍ من الظروف، لا يستند التحرك الأمريكي إلى تفويض أممي، ما يضعه في خانة الإجراءات الأحادية المثيرة للجدل، تمامًا كما أن السلوك الإيراني نفسه - سواء عبر تهديد الملاحة أو استهداف السفن أو فرض رسوم مرور - يُعد أيضًا انتهاكًا للقواعد ذاتها.. ومثلما أدانت معظم دول العالم إقدام النظام الإيرانى على إغلاق مضيق هرمز، ارتفعت أصوات كثيرة ترفض قرار ترامب بحصار المضيق. إزاء ما يحدث حولنا، يشعر المرء بسقوط متتالٍ لأسس ما استقر عليه العالم عبر تاريخ طويل من الاتفاق على معاهدات وقوانين ومواثيق، وضعت جميعها إطارًًا عامًا للتعامل بين الدول بما يحقق الاستقرار على كوكبنا، إذ نرى أنفسنا أمام وضع تتآكل فيه قواعد النظام الدولي من الطرفين، وهو ما يعكس أزمة أعمق في بنية الشرعية الدولية. والسؤال الذى يطرح نفسه: من هم أولئك المستشارون الذين يطرحون أفكارهم على الرئيس الأمريكى أم أنه يتصرف "من دماغه" فيما يبدو من معظم تصرفاته وقراراته وتصريحاته؟.. فقرار الحصار البحرى على إيران يزيد من صب الزيت على النار فتزداد اشتعالًا كما لو كان يقول للعالم كله: "علىًّ وعلى أعدائى".. ونضيف: بل على العالم كله. اقتصاديًا، فإن تداعيات الحصار كارثية وخطيرة، فمضيق هرمز يمر عبره نحو 20% من تجارة النفط والغاز العالمية، وأي اضطراب فيه ينعكس مباشرة على الأسعار.. وبالفعل، أدت التطورات الأخيرة إلى تجاوز أسعار النفط حاجز 100 دولار للبرميل، مع توقعات بمزيد من الارتفاع في حال استمرار تصاعد ترمومتر التوتر. لا يقتصر التأثير على النفط فقط، بل يمتد إلى الغاز الطبيعي المسال وإلى سلاسل الإمداد المرتبطة بالصناعات الثقيلة، وعلى رأسها الأسمدة، التي تعتمد بشكل كبير على الغاز. وبديهيًا، يؤدى ارتفاع تكاليف الطاقة تلقائيًا إلى ارتفاع أسعار الأسمدة، مما يزيد الضغوط على الأمن الغذائي العالمي، خاصةً في الدول النامية، وعلى رأسها الدول الأفريقية لا سيما فى منطقة الساحل الأفريقى. هذا التأثير الاقتصادى تظهر ملامحه سريعًا.. أما سياسيًا وعسكريًا، فالحصار يحمل في طياته مخاطر تصعيد مفتوح إذ نشعر كما لو أن نارًا موقدة تحت القِدر القابلة للانفجار بين طرفة عين وانتباهتها. وإذا كانت واشنطن تعمل على خنق الاقتصاد الإيراني عبر استهداف صادراته النفطية، التي تمثل ركيزة أساسية لدخله القومي، فللقرار الأمريكى تأثيراته المباشرة على دول العالم.. وفي المقابل، يمتلك النظام الإيرانى أدوات رد غير تقليدية، لعل أبرزها الألغام البحرية والزوارق السريعة والصواريخ الساحلية، مما يجعل أي مواجهة مباشرة في المضيق غير مضمونة النتائج. وكما ذكرنا، فإن غياب الدعم الدولي الواسع (بعد أن أبدى عدد من الدول الأوروبية التحفظ على الخطوة الترامبية) يعكس عزلة نسبية للتحرك الأمريكي، ويحد من قدرته على التحول إلى تحالف دولي واسع. وفى ظل ذلك كله، ينشغل العالم بالتفكير فى سيناريوهات الأيام المقبلة، والتى يمكن تصورها عبر ثلاثة مسارات رئيسية: الأول هو التصعيد، فيتحول الحصار إلى مواجهة عسكرية مباشرة، قد تشمل إغلاقًا كاملًا للمضيق، مما يدفع الاقتصاد العالمي نحو أزمة طاقة خانقة. الثاني هو الاستنزاف، من خلال استمرار الوضع الحالي دون حسم، مع بقاء الأسعار مرتفعة واستمرار الضغوط الاقتصادية على الجميع. أما المسار الثالث، فهو التهدئة، عبر العودة إلى طريق تفاوضي يضمن حرية الملاحة مقابل ترتيبات أمنية جديدة.. وقد تواترات، بالفعل، أنباء (لم تتأكد بعد) عن اتصالات سرية وسط هذا الضجيج قد تعيد أطراف الأزمة إلى طاولة المفاوضات من جديد. وحتى كتابة هذه السطور، ما تزال الصورة مشوشة وغير مكتملة، لكن الشىء الوحيد المؤكد هو أن هذا الحصار البحري الأمريكي على إيران يعكس مفارقة تستحق التوقف أمامها طويلًا: فالحصار يستهدف نظامًا ثيوقراطيًا يواجه انتقادات واسعة فى الداخل والخارج، لكن الحصار في الوقت نفسه يقوم على قرار أحادي يتجاوز قواعد الشرعية الدولية. وبين هذين الأمرين، يبقى العالم هو الخاسر الأكبر من لعبة الشد والجذب في أحد أهم الممرات البحرية في العالم، بينما العالم نفسه يقف عاجزًا لا يملك سوى إصدار البيانات التى تملأ الفضاء الالكترونى من دون أى تأثير حقيقى على تطورات الأحداث.