أظن أننا نعيش حالة تسيطر فيها المخاوف علينا جميعا.. مخاوف بشأن الحاضر والمستقبل.. السؤال الذى تردده الأغلبية الصامتة الآن هو: إلى أين تمضى بنا الأحداث؟.. وهو سؤال يعبر عن هذه المخاوف.. أجهزة الإعلام تتسابق فى استضافة المتحدثين لتطرح عليهم نفس السؤال بصيغ مختلفة.. لكنها كلها تعبر عن المخاوف.. حتى المسئولون تختلط تصريحاتهم بمخاوفهم.. مخاوفهم من الحاضر ومخاوفهم على المستقبل. ويزيد من مساحة هذه المخاوف غياب الرؤية الواضحة.. ليس فقط بالنسبة للمستقبل.. وإنما أيضاً بالنسبة للحاضر.. وأقرب مثال لذلك ما نسمعه عن المرحلة الانتقالية وخطة تسليم السلطة لرئيس جديد منتخب.. فى البداية كان المتفق عليه أن تقوم لجنة بإجراء تعديل محدود فى الدستور لانتخاب رئيس جديد يعبر عن إرادة الشعب وليس رئيسا بالتفصيل.. وكان متفقا عليه أن تطرح هذه التعديلات فى استفتاء عام يعقبه إجراء الانتخابات التشريعية وبعدها يأتى دور الانتخابات الرئاسية.. هكذا حدد المجلس الأعلى للقوات المسلحة خريطة طريق الحاضر التى تم التوافق عليها لنعبر بها إلى المستقبل.. لكن هذا التوافق بدأ يتفكك الآن وينهار.. فهناك من يطالب ويدفع فى اتجاه أن نبدأ بالانتخابات الرئاسية ونؤجل الانتخابات التشريعية عاما حتى لا يأتى البرلمان الجديد بنفس الوجوه القديمة.. وهناك من يطالب ويدفع فى اتجاه تغيير الدستور كله وليس بضعة مواد منه.. حتى لا يحكم الرئيس الجديد بدستور يصنع فرعونا!.. لست معنيا بمن يسبق من.. انتخابات رئاسية أو تشريعية.. تعديل الدستور أم تغييره.. لكنه مجرد مثال على أننا نفتقد الرؤية الواضحة.. حتى خلال الأشهر القليلة القادمة!.. و أبدأ بالمخاوف التى تتعلق بالغياب الأمنى.. مسألة غياب الأمن واختفاء الشرطة أصبحت بالفعل تمثل هاجساً حقيقياً يحتل مساحة كبيرة من المخاوف العامة.. الحقيقة أيضاً أن هذا الغياب أصبح يمثل لغزاً!.. الشرطة بكامل أجهزتها وتشكيلاتها اختفت تماما من شوارع مصر كلها ليلة 28 فبراير.. وعلى الرغم من مرور شهر كامل على هذه الواقعة.. لا تزال الشرطة غائبة.. بين الحين والحين نسمع تصريحات تتحدث عن عودة جزئية لأجهزة الأمن ثم يتبين أنهم بضعة ضباط وجنود تابعين لإدارة المرور يقفون على استحياء فى بعض الشوارع والميادين.. وحتى هؤلاء عادوا للاختفاء!.. أجهزة الأمن المعنية بحماية المواطنين وممتلكاتهم غائبة تماما.. لا وجود لها حتى بصفة جزئية.. حالة الأمن تسير بقوة الدفع الذاتى حتى الآن من وجهة نظرى.. لكن البلطجية واللصوص بدأوا يكتشفون أنهم قادرون على ارتكاب جرائمهم فى أمان واطمئنان!.. وبدأنا نسمع عن حوادث كثيرة تؤكد ذلك.. آخرها استهداف مدارس الأطفال والأتوبيسات التى تنقلهم إلى مدارسهم.. فى وضح النهار!.. المواطن لم يعد يعرف إلى أين يتجه ولمن يشكو إذا تعرض لارتكاب جريمة ضده.. أصبح يعيش فى رعب حقيقى.. خاصة المواطن الذى يعيش فى الأحياء البعيدة عن قلب العاصمة.. باختصار لم يعد هناك لا أمن ولا أمان.. البعض يقول إنها مؤامرة على الثورة.. مؤامرة تقوم بها فلول النظام القديم.. والمسئولون يؤكدون أن أجهزة الشرطة منهارة بالفعل.. مادياً ومعنوياً.. فى كل الأحوال الشرطة غائبة.. فى كل الأحوال الأمن غائب.. وبدلاً من أن نركز جهودنا فى استعادة الأمن وإجبار المسئولين لكى يركزوا جهودهم فى إعادة الشرطة للشارع.. سواء بالتصدى لمؤامرة فلول النظام القديم إن كان ذلك صحيحاً.. أو بإعادة تأهيل رجال الشرطة بأسرع وقت.. واستعاضة إمكانياتهم.. خاصة أنهم مازالوا يحصلون على رواتبهم دون أن يؤدوا مقابلها عملهم المكلفين به!.. بدلاً من ذلك نزيد الطين بلة!.. فى الفضائيات والصحف نسمع من يتكلم بلغة الثأر من جهاز الشرطة.. وفى الشارع يتربص الكثيرون بأفراد الشرطة ويحتكون بهم ويتعاملون معهم وكأنه قد صدر قرار جمهورى بإلغاء وزارة الداخلية نهائياً!.. الوزير محمود وجدى تعرض لحملة هجوم عنيفة لمجرد أنه دافع فى برنامج تليفزيونى عن جهاز الشرطة.. مع أننى واثق من أنه فعل ذلك لكى يعيد بث روح الثقة فى نفوس أفراد الشرطة.. الضباط قبل الجنود!.. إلى متى سنظل ندور فى هذه الدائرة المغلقة؟.. إلى متى سنظل نطالب بعودة أجهزة الأمن وفى نفس الوقت - بقصد أو بغير قصد - نعمل على أن تظل غائبة؟!.. *** و تمثل حالة عدم الاستقرار التى تعيشها مصر الآن واحدة من مخاوف المرحلة التى أتصور أنها ستلقى بظلالها على المستقبل أيضاً!.. أخشى دون أن أتهم بالمبالغة أن أقول إن حالة عدم الاستقرار يمكن أن تصبح معتادة.. لا ننسى أن هناك شعوبا اعتادت على هذه الحالة.. العراق مثلا.. الشعب العراقى أصبح يعيش ويحيا ويموت فى ظل حالة من عدم الاستقرار.. سنوات طويلة مرت على احتلال العراق لكن أحدا لا يستطيع أن يقول إن العراق يعيش فى حالة استقرار.. حتى لو كانت جزئية!.. لبنان كذلك.. الشعب هناك اعتاد على حالة عدم الاستقرار وأصبح متعايشاً معها.. الصراعات الطائفية تمزقه وتسبب حالة مخيفة ومرعبة من عدم الاستقرار والشعب اللبنانى لم يعد يجد حلا إلا التعايش معها!.. هل سنجد أنفسنا مضطرين للاستسلام لحالة عدم الاستقرار والتعايش معها؟!.. هل سنعتاد هذه الحالة؟!.. وإذا فعلنا هل سنتحمل نتائجها وتبعاتها؟.. الناس تتمنى أن تستقر الأمور.. الناس تتمنى أن تنتهى حالة عدم الاستقرار.. كلنا يسعى إلى هذا الهدف سواء الأغلبية الصامتة أو الأقلية التى تتحدث باسمها وباسم الأغلبية والتى يصل صوتها إلى الجميع.. لكننا لا نزال نتحرك - سواء بقصد أو بغير قصد - إلى حالة عدم الاستقرار!.. التظاهرات المليونية التى أصبحت تتم أسبوعياً تمثل ظاهرة تحتاج إلى وقفة تأمل.. ليس هناك خلاف على أنه من حق كل مواطن أن يتظاهر ويعلن احتجاجه.. ليس هناك خلاف على أن المظاهرات المليونية التى شهدها ميدان التحرير يومى 25 و28 يناير هى السبب المباشر لنجاح الثورة.. ليس هناك مواطن شريف لا يؤيد الثورة ويتمنى أن تتحقق أهدافها.. لكن فى المقابل فإن هذه التظاهرات أصبحت تمثل المبرر الشرعى لاستمرار التظاهرات الفئوية التى أدت بدورها إلى حالة عصيان مدنى شاملة.. لا أحد فى مصر يعمل.. كل الأجهزة والمؤسسات والوزارات وحتى المشاريع التابعة للقطاع الخاص.. كلها لا تعمل.. لا أتحدث هنا عن الجانب الاقتصادى فسيأتى دوره.. لكننى أتحدث عن مظاهرات التحرير المشروعة التى تستخدم كمبرر غير مشروع للتظاهرات الفئوية.. آراء كثيرة تتحدث عن التظاهرات الفئوية وعن أنها من صنع الثورة المضادة.. آراء كثيرة تقول إن هذه التظاهرات الفئوية هدفها الحقيقى هو أن يلعن الناس الثورة الحقيقية.. ويؤكد أصحاب هذه الآراء أن هناك أصابع خفية تلعب من وراء الستار وتقوم بدور المحرض الأصيل.. الكلام يبدو أقرب إلى أن يكون صحيحا.. ليس هناك تفسير آخر.. الدليل أن المظاهرات الفئوية تجاوزت فى كثير من الأحيان حدود العقل والمنطق.. ومن ثم فإن التوصيف الحقيقى لها أن هناك مطالب مشروعة ومظالم يستخدمها المحرضون لتحقيق الفوضى والعصيان المدنى.. لكننا لا نستطيع أن نتجاهل رغم ذلك كله أن التظاهرات الفئوية يسهل تحريكها واستخدامها لأن مظاهرات التحرير لا تزال موجودة!.. وأن ميدان التحرير أصبح الغطاء الشرعى الذى يستخدمه المحرضون لتحريك التظاهرات الفئوية.. هذه هى الثورة المضادة التى يخاف منها الناس على أنفسهم وعلى الثورة الحقيقية التى يؤيدها الشرفاء - سواء الذين شاركوا فيها أو لم يشاركوا - لأنهم أصبحوا مقتنعين بأنها يمكن أن تصنع لنا جميعاً مستقبل أفضل.. لكنها فى كل الأحوال مخاوف يفرضها الواقع الذى نعيشه.. *** و أنتقل إلى نوع آخر من المخاوف.. مخاوف تتعلق بأمن مصر القومى.. أنتقل إلى الحديث عما يحدث على الحدود الغربية لمصر وما يحدث على حدودها الشرقية.. وما يمكن أن يحدث.. أتحدث عن إسرائيل - السعيدة طبعا بما يحدث فى مصر - أتحدث عن الخطر الذى يمكن أن تتعرض له سيناء وعن الأخطار التى يمكن أن تتعرض لها مصر وسيناء على وجه التحديد لو فكّرت إسرائيل فى أن تستغل الظروف.. أتحدث عما يمكن أن يحدث لو أن قطاع غزة انفجر ناحية حدودنا!.. أتحدث أيضاً عما يحدث فى الجنوب.. عن حلايب وشلاتين وما تردد من أن حكومة الشمال فى السودان تعتزم ضمهما إلى الأراضى السودانية!.. ثم أتحدث عن استهانة دول حوض النيل بمصر والاتفاقية المريبة التى انضمت لها بوروندى مؤخراً.. أتحدث عن خطر حقيقى كان من المفترض أن يتفرغ الجيش تماماً لمواجهته لكنه مشغول الآن بمسئولياته ومسئوليات جهاز الشرطة.. ألا يدعو ذلك إلى الخوف؟!.. *** و تطال المخاوف أيضاً الجانب الاقتصادى.. الناس فى الحقيقة مرعوبة من الآثار والتداعيات الاقتصادية بسبب الحالة التى تعيشها مصر.. سمعت مسئولاً يقول إن استمرار الأوضاع بهذا الشكل لمدة شهر أو شهرين آخرين سيؤدى إلى اختفاء السلع الغذائية من السوق!.. الناس ستكون معهم نقود لكنهم لن يجدوا سلعا يشترونها بهذه النقود!.. البعض يرد ويقول إن كل شىء له ثمن وأن الأوضاع الاقتصادية المتردية هى ثمن الحرية.. لا بأس.. نحن سعداء بهذا الثمن لكن كل المؤشرات تقول إننا سنستمر لفترة طويلة جداً ندفع هذا الثمن!.. البعض الآخر يقول إن الثورة المضادة تستخدم الاقتصاد «كفزاعة» وأن ما سيسترد من أموال منهوبة سيعوض ذلك كله.. لا بأس أيضاً لكن المشكلة ليست فى الأموال التى سيتم استردادها.. المشكلة فى إنتاجنا المتوقف المشلول الذى تصبح معه النقود.. بلا قيمة!.. *** إلى أين تمضى بنا الأحداث؟!.. سؤال يطرحه الجميع تعبيرا عن مخاوفهم.. مخاوفهم من الفوضى والثورة المضادة والتهديدات الخارجية والأوضاع الاقتصادية المتردية وغيرها.. وقد حان الوقت لكى نشارك جميعا فى إيجاد إجابة محددة له.. لأننا أسقطنا النظام لكننا لم نسقط مصر.. ولا يجب أن نفعل!..