71 مليون جنيه حصيلة مزايدة علنية فى حدائق العاشر من رمضان    "مدبولي": الرئيس السيسي وضع تحسين مستوى معيشة المواطنين في صدارة أولويات الدولة    «الدعم السريع» يحتجز 600 امرأة وأطفالهم في سجن كوريا بجنوب دارفور وسط ظروف إنسانية صعبة    الخارجية الأمريكية في تدوينة باللغة الروسية: لا تلعب مع ترامب    شاهد بالبث المباشر منتخب الجزائر اليوم.. مشاهدة مباراة الجزائر × الكونغو الديمقراطية بث مباشر دون "تشفير" | كأس الأمم الأفريقية    اخماد حريق اندلع داخل مطعم بابوقرقاص في المنيا    «إل جي» تكشف أنحف تلفزيون OLED لاسلكي في العالم خلال CES 2026    محمد أنور وكارولين عزمي ورحمة أحمد على قنوات "المتحدة" في رمضان    رامي إمام ضيف برنامج فضفضت أوي مع معتز التوني.. غدًا    خالد الجندى: أربعة أقسام للناس فى «إياك نعبد وإياك نستعين»    «نستله» تسحب كميات من حليب الأطفال لاحتمال احتوائها على مادة سامة    أمم إفريقيا – مدرب بنين: مصر تستحق الفوز.. وجودتنا الفردية أقل    تقرير: إنتر يقرر عدم ضم أي لاعب بعد فشل صفقة كانسيلو    قائمة ريال مدريد - غياب مبابي.. وعودة ترينت وهاوسن لخوض كأس السوبر الإسباني    علي ماهر يعلن تشكيل سيراميكا لمواجهة إنبي بكأس عاصمة مصر    احتفالاً بعيد الميلاد المجيد.. تضامن المنيا توزع طن لحوم على 500 أسرة    إجازة مدفوعة الأجر للقطاع الخاص بمناسبة عيد الميلاد المجيد    الداخلية تضبط 9 متهمين في قضية غسل أموال بقيمة مليار جنيه    الأرصاد تعلن توقعات الحرارة في مصر خلال الأسبوع المقبل    برلمانية: ملفات الصناعة والتجارة على رأس الأولويات لتحقيق التنمية    من كولومبيا… منشقون عن الأجهزة الأمنية الفنزويلية يبحثون العودة لتأسيس «قيادة جديدة»    تأجيل محاكمة عصام صاصا بتهمة سرقة لحن أغنية شيرين    محمد صلاح يتوهج في أمم أفريقيا.. وقلق داخل ليفربول    حاتم الدالي يكتب: أسلوب النقد السياسي.. بين حق الكلمة ومسؤولية الأدب    محافظ الغربية: استمرار متابعة تطوير شركة الغزل والنسيج بالمحلة الكبرى    طريقة عمل خبز البكاكين في خطوات بسيطة    عرفانًا بتضحياتهم، تنبيه مهم من القوات المسلحة لأسر الشهداء والمصابين فى الحروب السابقة    «وزع عليهم العيدية».. محافظ الأقصر يقدم التهاني والهدايا لأطفال الجمعيات بمناسبة عيد الميلاد    نتنياهو يواصل التعنّت وقطر تؤكد اتصالات مع الشركاء لفتح معبر رفح    إصابة شخص بطلق خرطوش خلال احتفالات الفوز بانتخابات النواب في المنيا    وزارة التعليم تعلن جداول امتحانات الطلبة المصريين فى الخارج للتيرم الأول    وزير الخارجية يؤكد دعم مصر الكامل لوحدة وسيادة الصومال    مدبولي: التوسع في توطين صناعة أجهزة الاتصالات ضمن استراتيجية شاملة لتوطين مختلف الصناعات    البورصة تربح 51 مليار جنيه في أول ارتفاع خلال 2026    أغنية ل«أحمد كامل» سببا في صداقة عمرو مصطفى ومصطفى ناصر    أحمد مكي يتخذ إجراء قانونيا ضد مديرة أعماله بعد رفضها تسليمه كشف حسابه    زكي عبد الحميد: قمة Creator Universe تخدم المستقبل الرقمي للإعلام العربي    متحف شرم الشيخ يفتتح العام الجديد بمعرض مؤقت يضم 33 قطعة أثرية    باستثمارات 20 مليون جنيه.. محافظ المنوفية يشهد توريد سيارات نقل جديدة لدعم منظومة النظافة    الإسكان تمد فترة طلبات تقديم الأوراق للحصول على شقة بالإسكان البديل 3 شهور    تحت رعاية مصطفى مدبولي.. «أخبار اليوم» تنظم معرض الجامعات المصرية في السعودية    وزير العمل والهيئة الإنجيلية يبحثان موقف الطائفة بشأن تنظيم الإجازات للمسيحيين    مساعد ترامب: جرينلاند تنتمى بشكل شرعى لأمريكا    سلعة يجب أن نفتخر بها    السطوحي: مسابقة الهوية البصرية بمهرجان المسرح فرصة لتوسيع نشاط الفن وجذب المصممين    المشدد 3 سنوات وغرامة 50 ألف جنيه لتاجر حشيش بشرم الشيخ    وكيل صحة أسيوط يوجه بتكثيف الجولات التفتيشية على المنشآت الطبية    في دراسة لهيئة الاستعلامات، مؤشرات أولية لنتائج انتخابات مجلس النواب    هام من وزارة الزراعة لمواجهة أزمة كلاب الشوارع| إجراء عاجل    4 أطعمة تحتوي على أحماض أوميجا 3 الدهنية    مواقيت الصلاه اليوم الثلاثاء 6يناير 2026 فى محافظة المنيا    المهمة الخاصة ورحلة الحياة ..بقلم/ حمزة الشوابكة.    أحمد شوبير: أفشة يمتلك 3 عروض ويرغب فى الرحيل عن الأهلى    عمرو زكي ينتقد أداء الفراعنة: بنين كان الأفضل تكتيكيًا أمام مصر    نجاح 6 تدخلات قلبية تداخلية دون جراحات قلب مفتوح في مستشفى النيل التخصصي بأسوان    الرئيس اللبناني: الجيش نفذ إجراءات الحكومة لبسط سلطتها على جنوب الليطاني    الهندسة المدنية تشعل سباق نقيب المهندسين بالإسماعيلية    عبدالملك: تاريخ الزمالك يجعله قادرا على تخطي الأزمات    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



احتضار الصحافة الثقافية في لبنان
نشر في نقطة ضوء يوم 28 - 12 - 2016

هل يمكن تصور لبنان بلا صحافة ثقافية؟ بلا ملاحق ولا مجلات نقدية وربما بلا صفحات ترافق الحراك الأدبي والفني والثقافي عموماً؟ كان العام 2016 هو الأقسى على الصحافة اللبنانية السياسية. ولا حاجة لاستعادة المأزق الذي تتخبط فيه هذه الصحافة بعدما حل بها ما يشبه الفقر المدقع وهو ما يسميه بعضهم انقطاع المال السياسي أو الدعم الذي عادة ما كان يأتي من خارج الصحافة وخارج الحدود. صحيفة عريقة تقفل أبوابها مع انصرام اليوم الأخير من هذا العام، أخرى قلصت عدد صفحاتها ما أمكنها لتواصل الصدور عقب الأزمة المالية المستشرية التي تعانيها والتي أوجبت عليها التأخر أشهراً طويلة في تسديد الرواتب. وأخرى أيضاً تبدو كأنها تحتضر وأخرى تخلصت من حفنة من موظفيها وأخرى...
بضع صحف «صمدت» حتى الآن هي «أشباه» صحف، مهنياً وخبرياً وصدقية، وقراؤها لا يُعدون قراء وهي تصدر في أدنى كلفة وبلا رواتب تقريباً. لا مجال هنا لرثاء الصحافة اللبنانية أو فتح «مناحة» تُندب فيها هذه الصحافة التي كانت رائدة عربياً منذ الخمسينات ونجحت في صنع الحدث السياسي الذي يفترض بها أن تكون تابعة له، وكانت سباقة في مرافقة تحولات العصر حتى أضحت شاهدة عليه. غالباً ما يتم الكلام عن الصحف اليومية في سياق الحديث عن الصحافة اللبنانية، مما يدل على أن المجلات الأسبوعية لم تبق حاضرة كما من قبل ولا أثر لها يذكر، إعلامياً وسياسياً، وهي أصلاً تعاني ما تعانيه الصحف نفسها من مشكلات. وغالباً لا يعول عليها ثقافياً، فالصفحات الثقافية لديها تقتصر على ما لا يعول عليه.
في خضم المأزق الصحافي الراهن و «الفاضح» بدت الصحافة الثقافية هي الأكثر تضرراً، بل كانت هي الضحية الأولى والسهلة التي من الممكن تقزيمها أو تحجيمها وحتى التخلي عنها. وكانت الملاحق الثقافية هي أول ما ضحي به أو وجبت التضحية به. راحت الملاحق العريقة والحديثة تختفي واحداً تلو الآخر وهي كانت أضحت مع اندلاع الربيع العربي منابر مفتوحة أمام رياح الثورة وأعادت الى الصحافة اللبنانية وهجاً كانت فقدته بعد الحروب اللبنانية المتعاقبة. احتجب ملحق «النهار» الذي كان يشرف عليه في مرحلته الأخيرة الشاعر عقل العويط بعد مغادرة الروائي الياس خوري. وعُرض عليه من ثم أن يختزل صفحاته الثماني (داخل الجريدة) الى صفحتين فآثر إيقافه. ثم تلاه ملحق «تيارات» الذي أسسه في جريدة «المستقبل» الروائي حسن داود ثم تولى إصداره في السنين الأخيرة الشاعر يوسف بزي. ملحق «السفير» الذي كان يشرف عليه الشاعر عباس بيضون اختصر الى صفحتين وبعد الأزمة الخانقة التي واجهتها الصحيفة تولى إصدار صفحتيه الشاعر اسكندر حبش وهو سيتوقف نهائياً مع احتجاب الصحيفة في اليوم الأخير من هذه السنة.
وكانت «السفير» عمدت طوال أشهر الى «تقزيم» صفحتها الثقافية و «تحريفها» الى أن عاد ناشر الجريدة الصحافي العريق طلال سلمان الى إنقاذها. أما صحيفة «الأخبار» فأنشأت ملحقاً في قياس الجريدة نفسها وداخلها، سعى الى البحث عن هوية له خاصة، متحركة و «راهنية» لكنه بدا كأنه يستعد للاحتجاب فهو غاب قبل أسبوعين واكتفى مرة بنشر مقالة واحدة طويلة جداً استلها من العدد الأخير من مجلة «بدايات» التي يديرها الكاتب فواز طرابلسي وهي للمؤرخ طريف الخالدي. لكنه سيواصل على ما يبدو صدوره. واللافت أن الشاعر السوري الكردي حسين بن حمزة الذي كان يحرره في إشراف نائب رئيس تحرير الجريدة الكاتب بيار أبي صعب، غادر لبنان الى بلاد الاغتراب.
لم يبق من ملحق ثقافي في بيروت. إذا أراد شاعر أو قاص أو روائي أن ينشر نصاً إبداعياً فهو لن يجد ملحقاً ولا مجلة يفتحان له صفحاتهما. بيروت التي كانت ملاحق صحفها من أهم المنابر العربية المشرعة أمام الإبداع والنقد والكتابة الحرة أضحى أدباؤها اليوم شبه أيتام لا يجدون فسحة ممكنة يطلون منها أو يمارسون عبرها تجاربهم في التحديث والاختبار واقتحام المجهول. هذه إحدى مآسي الصحافة الثقافية في بيروت اليوم. حتى الصفحات اليومية باتت نادرة بعد احتجاب «السفير» ذات الماضي الثقافي العربي واختفاء صفحة «النهار» الجريدة اللبنانية الأعرق ثقافياً وجعل المادة الثقافية مادة عابرة تنشر في قسم «المحليات». أما صفحات الصحف الأخرى فهي تعاني حالاً من النضوب المالي، مما جعلها مقتصرة على الممكن والقليل. لكن الصحافة الثقافية لم تعدم وجود شعراء وروائيين يمارسون النقد الصحافي بجدية حتى ولو ضاق الحيز الصحافي: الشاعر بول شاوول مثلاً يواصل النقد والترجمة في صفحة «المستقبل» التي يديرها في أسوأ الظروف مادياً، والكاتب محمد حجيري الذي يدير القسم الثقافي في موقع «المدن» القطري الناشط لبنانياً، علاوة على أسماء عدة معروفة تمارس النقد والكتابة.
«المنوعات» مستقبل الثقافة
بدا تغييب الصفحات الثقافية فرصة لبروز صحافة المنوعات والتلفزيون والفنون «الشعبية» والتجارية. فالصفحات المنوعة بدت هي الوارث الشرعي لصفحات الثقافة في معظم الصحف، وهي في نظر أصحابها قادرة على جذب شريحة من القراء الباحثين عن متعة أخبار الفن و «النجوم» والممثلين والممثلات والمطربين والمطربات وملكات الجمال ناهيك بالفضائح والقصص المثيرة. ولم يكن يمزح زميل في الصحافة الثقافية عندما قال مرة: المنوعات مستقبل الثقافة في بلادنا. والخوف، كل الخوف فعلاً أن يتواصل اضمحلال الصحافة الثقافية في بلد لم يخمد فيه يوماً الحراك الثقافي بل هو الى مزيد من الاضطرام والتأجج. وبيروت هي المدينة العربية الأشد ازدهاراً في حقل الثقافة على رغم غياب الدعم الرسمي وصعود المبادرات الخاصة. والمشهد الثقافي البيروتي كان يعج خلال هذا العام مثل خلية نحل: مهرجانات مسرحية وسينمائية وفيديو – ارت، معارض تشكيلية لبنانية وعربية وعالمية، حركة نشر لافتة جداً، محترفات للكتابة الإبداعية، محترفات فنية، موجة من الإبداع الروائي والشعري، ندوات فكرية، تاريخية، سياسية...
أما المأزق فهو غياب هذا المشهد عن الصحافة الثقافية عموماً ما خلا بضعة مقالات أو تحقيقات هنا وهناك، أو تقصير الصحافة في تغطية هذه الأحداث وتقييمها وإبداء رأي نقدي فيها. لم تعد الصحافة الثقافية التي تعاني أصلاً ضموراً فكرياً ونقدياً، قادرة على متابعة الحياة الثقافية في لبنان كما كانت ترافقها سابقاً. لقد سبقت الحياة الثقافية هذه الصحافة نفسها وهي ستتخطاها أكثر فأكثر في الأيام المقبلة. وهذا حال من البؤس الثقافي لم تعرف بيروت ما يماثله أو يشبهه حتى في أوج الحرب الأهلية والانقسام الطائفي.
وفي مثل هذا الجو الداكن، سعى بعض المغامرين الى إصدار مجلات ورقية وفي مقدمها مجلة «بدايات» التي يرأس تحريرها الكاتب فواز طرابلسي، ووجدت المجلة الطليعية التي تنتمي الى اليسار الجديد نخبة من القراء والأصدقاء يتابعونها ويقرأونها. لكن الفقر المادي الذي تعانيه لم يسمح لها في تحقيق مشروعها الفكري والصحافي الجديد والمتبدي في خلق أفق تتحاور فيه السياسة مع الثقافة والفن والشعر والرواية والهندسة وسائر الفنون المابعد حداثية. وتصدر في بيروت مجلات مهمة مثل «عمران» و «سطور» و «أوان» و «الاستغراب» (مجلة فكرية تعنى بدراسة الغرب معرفياً ونقدياً، تصدر عن المركز الإسلامي للدراسات الاستراتيجية الإيراني المنشأ)، لكنها مجلات أكاديمية ومحكمة تصدر من بيروت أكثر مما تصدر في بيروت، وتتوجه الى نخبة النخبة ولا تنفتح على شريحة كبيرة من القراء. وهذا ما يجعلها منغلقة على محتواها وقرائها القلة. ومن بيروت يواصل مركز الوحدة العربية إصدار مجلة «المستقبل العربي» ومركز الدراسات الفلسطينية مجلة «الدراسات الفلسطينية» (يرأس تحريرها الروائي الياس خوري)، عطفاً على مجلات مثل «كتابات معاصرة» (يرأس تحريرها الشاعر الياس لحود) ومجلة «الطريق» الشيوعية (يرأس تحريرها الكاتب الياس شاكر) ومجلة «تحولات» (يرأس تحريرها الكاتب سركيس أبو زيد) ومجلة «اتجاه» (يرأس تحريها الكاتب علي حمية) وهما قريبتان من الفكر القومي السوري الاجتماعي... وعمد سماح ادريس الى إصدار نسخة ورقية لمجلة «الآداب» التي تحولت الكترونية قبل أعوام.
ليست عابرة أزمة الصحافة الثقافية في لبنان، وأزمتها مزدوجة: إنها أزمة كينونة وهوية وأزمة وجود هو مرتبط أصلاً بالصحافة السياسية نفسها.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.