إلغاء نتيجة انتخابات مجلس النواب في دائرتي إدفو ونصر النوبة بأسوان    أسعار الخضروات والفاكهة اليوم الاحد30 نوفمبر 2025    سعر جرام الذهب صباح اليوم الأحد، عيار 21 وصل لهذا المستوى    أيمن الجميل: الزراعة المصرية تعيش أزهى عصورها والأراضي الجديدة تضاعف المساحة    سعر الحديد والأسمنت اليوم الأحد 30 نوفمبر 2025    التعاون الدولى: تعظيم الاستفادة من التعاون بين بلدان الجنوب والتعاون الثلاثي لتوسيع نطاق الحلول التنموية وبناء شراكات عابرة للحدود    الدفاع الروسية تعلن إسقاط 33 مسيرة أوكرانية فوق الأراضي الروسية والبحر الأسود    وزير الخارجية يستعرض في مقابلة إعلامية تطور العلاقات بين مصر وباكستان    استقرار نسبي في حركة المرور بالقاهرة الكبرى مع كثافات متقطعة اليوم    مركز المناخ يعلن بدء الشتاء.. الليلة الماضية تسجل أدنى حرارة منذ الموسم الماضى    مصرع صياد وإصابة 7 آخرين في حادث تصادم على طريق دمياط- المطرية    مات دافر: القسم الثاني من الموسم الأخير ل STRANGER THINGS خاص بذكريات "فيكنا"    بأسعار رمزية.. "فنون تطبيقية" حلوان تنظم معرضا خيريا لدعم الطلاب والعاملين    أمام وست هام اليوم .. محمد صلاح يسعى لتعزيز إنجازه التاريخي فى الدوري الإنجليزي    "حقوق حلوان" تنظم دورة تدريبية حول قضايا محكمة الأسرة    سوريا.. اشتباكات في السويداء واقتحام منزل مدير أمن المحافظة    انكماش النشاط الصناعي في الصين للشهر الثامن على التوالي في نوفمبر    اسعار الخضروات اليوم الأحد 30نوفمبر 2025 فى اسواق المنيا    تامر عاشور ووائل جسار يشعلان الشارقة بحفل غنائي مرتقب وباقة من النجاحات الجديدة    حركة القطارات| 45 دقيقة تأخيرًا بين قليوب والزقازيق والمنصورة.. الأحد 30 نوفمبر 2025    وول ستريت جورنال: ترامب هدد مادورو باستخدام القوة إذا رفض التنحي    وزير الإعلام السوري يعلق على هجوم بيت جن ويتحدث عن خطأ إسرائيل في الحسابات    بعد حكم الإدارية العليا بإلغاء نتائج الانتخابات، 30 مرشحا يتنافسون على 3 مقاعد ببندر أسيوط    دعاء الفجر | اللهم افتح لنا أبواب رحمتك واغفر لنا ذنوبنا    كشف ملابسات مقطع فيديو لشخص أجنبي يتهم شخصًا بالنصب    «الصحة» تحسم الجدل: لا صحة لتلوث المياه المعدنية بالفضلات    سكرتير عام الجيزة: «الكيوت» بديل «التوكتوك» بسعر 200 ألف جنيه توفر أمانًا وربحية أكبر    وزير التعليم العالي يُكرِّم نائب رئيس جامعة المنصورة    الإصلاح والنهضة يُشيد بقبول طعون مرشحيه ويستعد لانتخابات الإعادة بالمنتزة وأسيوط وأبو تيج والبلينا    أيتن عامر تكشف معاناتها بعد الانفصال في «صاحبة السعادة»    500 عريس وعروس.. حفل زفاف جماعي تاريخي في المخا اليمنية    لياو يقود ميلان للفوز على لاتسيو في الدوري الإيطالي    لضمان جودة الخدمات الصحية.. خطة لتلافي القصور في مراكز الرعاية بوسط سيناء    متحدث الصحة: لا يوجد في مصر حمى نزفية ولا أي فيروس مجهول    ثأر فيليبي لويس.. فلامنجو يهزم بالميراس وينفرد بعرش كوبا ليبرتادوريس في البرازيل    تعرف على الدوائر الملغاة فى أسيوط    الزمالك: عبد الرؤوف صاحب شخصية قوية.. ومعاقبة لاعب أخطأ دون إعلان التفاصيل    شاهد تحديا من نوع خاص بين على لطفى ومحمد بسام فى منتخب مصر    رويترز: المسؤولون الأمريكيون فوجئوا بإعلان ترامب إغلاق المجال الجوى الفنزويلى    منافس بيراميدز المحتمل.. فلامنجو بطلا لكأس ليبرتادوريس    الناقد أحمد سعد الدين ينتقد تجسيد منى زكي: كيف يظهرون كوكب الشرق بسيجارة؟    عرض مسلسل ميدتيرم بطولة ياسمينا العبد على on و watch it يوم 7 ديسمبر المقبل    الرئيس السيسى فى خطاب لأبومازن: الشعب الفلسطينى البطل لا يزال مرابطا على أرضه متمسكا بحقوقه ومتشحا برداء البطولة.. موقف مصر ثابت وداعم للقضية الفلسطينية.. وأدعو المجتمع الدولى إلى إعادة بناء ما دمرته حرب غزة    برنامج دولة التلاوة.. وماذا بعد؟    مرشح دائرة المنتزه صاحب واقعة فتح الصناديق" أحمد فتحي" يخوض انتخابات الإعادة بحكم من الإدارية العليا    إبطال انتخابات مجلس النواب في 5 دوائر بالمنيا    الصحة النفسية وإدمان مواقع التواصل الاجتماعي: خطر خفي يهدد توازن الإنسان    بعد تصريحات متحدث الصحة.. كيفية الحماية من الأمراض التنفسية؟    كونسيساو بعد اكتساح الشباب: الاتحاد عاد.. وقادرون على حصد لقب الكأس    انتشال جثمان قبطان بحري سقط من سفينة أثناء إبحارها من بورسعيد إلى دمياط    لأول مرة.. عمرو أديب يجرب السيارة "الكيوت" على الهواء: "الجن الجديد"    د.حماد عبدالله يكتب: عايز الناس " يحترموني " !!    ريال مدريد يحدد مارك جويهي بديلاً مثالياً بعد صرف النظر عن كوناتي    فوائد الحلبة، تعزز هرمون الذكورة وتنظيم سكر الدم وتزيد من إدرار الحليب    «بيت الزكاة والصدقات» يعلن الانتهاء من تسليم مساعدات الدُّفْعة الأولى من شاحنات الى غزة    الاتحاد والشباب يلتقيان اليوم في ربع نهائي كأس الملك.. كل التفاصيل والبث المباشر ⚡    إطلاق النسخة ال32 من المسابقة العالمية للقرآن الكريم| الاثنين المقبل    تعرف على مواقيت الصلاة اليوم السبت 29-11-2025 في محافظة قنا    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



هل انتهي عصر المجلات الثقافية؟!
نشر في أخبار الأدب يوم 16 - 04 - 2016

في العدد الأخير الذي صدر في 23 فبراير 1953 من مجلة الرسالة، كتب رئيس تحريرها وصاحب امتيازها الكاتب والأديب أحمد حسن الزيات مقدمة شبه طللية، جاء فيها: (في الوقت الذي كانت "الرسالة" تنتظر فيه أن يحتفل أصدقاؤها وقراؤها وأولياء الثقافة والصحافة في وادي النيل، وزعماء الأدب والعلة في أقطار الشرق، بانقضاء عشرين سنة من عمرها المبارك المثمر، وفي الوقت الذي أشرق فيه علي مصر صباح الخير بثورة الجيش المظفر، بعد ليل طال في الظلام، وعمّق في الهول، فأسفر وجه العيش، وافتر ثغر الأمل، وشعر كل مصري في العهد الجديد أن وجوده إلي سمو، وعمله إلي نمو، وأمره إلي استقرار، نعم في هذا الوقت الذي نشأ لتوجيه الإرشاد وزارة، ولتنمية الإنتاج مجلس، ولتعميم الإصلاح خطة، تسقط "الرسالة" في ميدان الجهاد صريعة بعد أن انكسر في يدها آخر سلاح، ونفد من مذودها آخر كسرة، فكأنها جندي قاتل اليهود في عهد فاروق، أو فدائي جاهد الإنجليز بالقناة في حكومة فاروق !ولكن فاروق دال ملكه وزال حكمه، فبأي سبب من الأسباب يؤتي المجاهد من جهة أمنه لا من جهة خوفه، ويقتل بيد شيعته لا بيد عدوه !).
ويستكمل في أسي مثير للدهشة :(تموت الرسالة اليوم في ضجة من أناشيد النصر في مصر، وأهازيج الحرية في السودان، فلا يفطن إلي نزعتها هاتف، ولا يصغي إلي أنينها منشد ! ومن قبل ذلك بشهر، ماتت أختها "الثقافة" وكان الناس يومئذ في لهو قاصف من مهرجان التحرير، فلم تبكها عين قارئ، ولم يرثها قلم كاتب !).
ولا أريد أن أسترسل في تفاصيل المقدمة التي تشبه النعي أو المرثية، تلك المرثية التي تشمل مجلتي "الرسالة"، و"الثقافة"، وكذلك الناس الذين لم ينتبهوا إلي انهيار المجلتين، وكأن تاريخ هاتين المجلتين ذهب إلي أدراج الرياح، في حمي الانشغال بأفراح النصر والانتصار والتخلص من عهد الملكية.
وفي حقيقة الأمر، كان الزيات يرثي عهدا كاملا من الثقافة والمثقفين والفكر والمفكرين والصحافة والصحافيين، ليحلّ عهد آخر يلتزم بوزارة ومجلس وهيئة، وكافة التنظيمات التي نتجت عن الحركة المباركة الجديدة، وهناك من استطاع أن يتعلق بأذيال السلطة الجديدة، ويسير علي نهجها، ويقدم ما تشتهيه تلك السلطة، وهناك من آثر الانزواء الأقرب إلي الاختفاء، وهناك الشباب الذي اعتبر نفسه متمما لتلك الثورة في الصحافة والثقافة والفكر والفن، فعرفنا منهم أحمد بهاء الدين وإحسان عبد القدوس وصلاح جاهين وعبد الحليم حافظ وأحمد عبد المعطي حجازي وغيرهم، حتي أبناء اليسار مثل محمود أمين العالم ولطفي الخولي وحسن فؤاد وصلاح حافظ وعبد الرحمن الخميسي ويوسف ادريس وغيرهم، لبّوا نداء الثورة، وقدموا أشكالا لا نظير لها من الدعم الفكري والفني والثقافي والأيديولوجي لسلطة يوليو الجديدة، وكانت مجلات "التحرير والرسالة الجديدة" علي وجه الخصوص، بديلا مناسبا عن مجلتي الرسالة والثقافة.
ولا يستطيع أي باحث أو قارئ لثقافة ماقبل ثورة 23 يوليو 1952، أن يدرك طبيعتها، دون أن يتعرّف بشكل كامل علي مجلتي الرسالة والثقافة في مصر، بل في العالم العربي كذلك، حيث إن المجلتين كانتا من أوسع المجلات الثقافية والعربية تأثيرا وانتشارا، فالرسالة كانت قد نشأت في عام 1933، مستفيدة من الزخم الفكري والسياسي والثقافي والأدبي الذي تفتّق بعد ثورة 1919، وكانت هناك نهضة صحافية قد أرست دعائمها، فكانت الصحف السياسية والفنية مثل البلاغ اليومي والأسبوعي، والسياسة اليومية، والأسبوعية، وروز اليوسف، والمسرح، والكواكب، والعصور، وكوكب الشرق، والجديد، وأبوللو والمجلة الجديدة، وكذلك المقتطف والهلال اللتين كانتا مستمرتين منذ مايزيد علي أربعة عقود في ذلك الزمان، وكانت أقلام طه حسين ومحمد حسين هيكل ومصطفي صادق الرافعي وعباس محمود العقاد وأحمد أمين وسيد قطب ومحمود محمد شاكرومحمد فريد وجدي ومصطفي وعلي عبد الرازق وسلامة موسي وزكي مبارك ومحمد التابعي وفكري أباظة وتوفيق الحكيم وفيليكس فارس وسامي الكيالي وغيرهم، تعمل في جد ونشاط وحيوية، وكانت المعارك الثقافية والفكرية والسياسية مفتوحة بشكل شبه مطلق علي كل القضايا السياسية والأدبية والفنية والدينية، إنه عصر صاخب بكل معني الكلمة، ولا مفر من دراسة هذه المجلات وتوجهاتها، لإدراك مفاتيحه الذهبية.
وبعدما كان يتولي تحرير تلك المجلات كتّاب ومثقفون ومبدعون مثل محمد حسين هيكل للسياسة الأسبوعية، وأحمد حسن الزيات للرسالة، والأديب والكاتب والمترجم عبد القادر حمزة للبلاغ، والدكتور أحمد أمين للثقافة، والشاعر والأديب عادل الغضبان لمجلة الكتاب، والشاعر أحمد زكي أبو شادي لأبوللو، سلامة موسي للمجلة الجديدة، واسماعيل مظهر لمجلة العصور، ثم المقتطف فيما بعد، وأنور كامل لمجلة التطور، أصبحت المجلات الثقافية يترأسها ضباط، فمجلة "التحرير" كان أول رئيس تحرير لها الصاغ أحمد حمروش، واستمر فيها ثلاثة أشهر، ثم قبض عليه، وتولاها من بعده مباشرة الصاغ ثروت عكاشة الضابط بسلاح المدرعات، ولا يعني ذلك أن المجلة كانت تقدم ثقافة وصحافة متوسطتي القيمة، بالعكس كانت تقدّم ثقافة راقية، لأن إدارة المجلة استعانت بكتّاب ومبدعين لهم باع في الثقافة والصحافة مثل حسن فؤاد وصلاح حافظ ومصطفي بهجت بدوي وغيرهم، ولكنها كانت تحت المراقبة، وتحت بصر وأذن السلطة، لذلك تم استبعاد أحمد حمروش والقبض عليه بعدما كتب الشاعر الغنائي مأمون الشناوي مقالا لم يرض عنه أولو الأمر في ذلك الوقت، وكذلك تم إقالة واستبعاد ثروت عكاشة نفسه بعد عام بالضبط، لأسباب تشبه الأسباب التي استبعد بها حمروش، كذلك تولي رئاسة تحرير مجلة "الرسالة الجديدة" الضابط يوسف السباعي، والذي استعان بفريق واسع من الكتّاب والمبدعين المدنيين، ونشر لأسماء كانت حاضرة في المشهد آنذاك، مثل طه حسين وتوفيق الحكيم ومحمود تيمور ومحمود أمين العالم ومحمد مندور ومحمد أبوطائلة ويحيي حقي وعباس خضر، ونشر رواية "بين القصرين" علي حلقات في المجلة، مصحوبة برسومات فائقة الجمال للفنان الحسين فوزي.
إذن كان من الطبيعي أن تنتهي استمرارية مجلات الثقافة والرسالة والكتاب والمجلة الجديدة والكاتب المصري، وماشابهها من المشهد، لأن هناك خيوطا جديدة بدأت تمد ظلها الفكري والسياسي والاجتماعي علي المشهد ككل، ولا بد من الأصوات الجديدة تعبّر عن نفسها في منابر جديدة، وبالتالي لم تتوار المجلات القديمة فحسب، بل تواري أصحابها ورؤساء تحريرها وممثلوها الذين برزوا في لحظات تاريخية سابقة، لتحل ّ محلها نماذج أخري ملائمة لتلك المرحلة، حتي عندما عادت مجلتا الرسالة والثقافة للصدور مرة أخري في أوائل الستينيات لم تستمرا، حيث أنها كانت تشكّل صوتا ناشزا في اللحن الجديد، ولم تتناسب مطلقا مع النغمات الجديدة.
وإذا كانت مجلتا التحرير والرسالة الجديدة وبضع مجلات ثقافية أخري مستقلة، استطاعت أن تصبح بديلا محليا عن مجلتي الرسالة والثقافة القديمتين، فهناك في لبنان بدأت مجلة جديدة تخطو خطواتها الأولي، وفي ذات الوقت أي عام 1953، وهي مجلة "الآداب"، والتي استطاعت أن تقدّم البديل الثقافي العربي الأشمل لكل الأصوات القومية والطليعية الثقافية والفكرية والأدبية الجديدة، وجدير بالذكر أن التحضير لصدور هذه المجلة تمت مناقشته مع أحد أقطاب مجلة الرسالة القديمة، وكانت المناقشات تتم بين سهيل ادريس مؤسس المجلة، والناقد أنور المعداوي ناقد مجلة الرسالة الكبير، وجاءت مجلة لتحمل أشواق الكتّاب والمبدعين الشباب الجدد، فتألق في رحابها شعراء من طراز صلاح الدين عبد الصبور ومحمد الفيتوري وعبد الوهاب البياتي وخليل حاوي وبلند الحيدري وبدر شاكر السياب ونازك الملائكة وأحمد عبدالمعطي حجازي ومحمد ابراهيم أبوسنة وفاروق شوشة ونزار قباني وفدوي طوقان وسلمي خضراء الجيوسي وآخرين، كذلك استقطبت أقلام قصاصين مثل سليمان فيّاض وعبدالسلام العجيلي وغسان كنفاني ومحمد خضير وأبوالمعاطي أبو النجا وغيرهم، كما تألق علي صفحاتها نقاد شباب مثل رجاء ووحيد النقاش ومحيي الدين محمد وسامي خشبة وغالب هلسا وغيرهم، وقدّمت المجلة أعدادا خاصة في الشعر والقصة والرواية والمسرح والنقدالأدبي، وحرّكت المياه الساكنة الثقافية في كافة ربوع العالم العربي، وكان رئيس تحريرها الدكتور سهيل ادريس يتمتع برؤية ثاقبة لكافة القضايا الثقافية والفكرية والأدبية في كل أقطار الشرق العربي، لذلك حملت المجلة معارك حامية الوطيس لمفكرين ونقاد ومبدعين بطول وعرض العالم العرض، وكانت نموذجا مشرفا
وعظيما للصحافة الثقافية المسئولة، واتسعت المجلة لكي تنشئ وحدة نشر للكتب والدواوين الشعرية والمجموعات القصصية، ولكن المجلة بعد أكثر من نصف قرن، بدأت خطواتها تتعثر تحت الأزمات الاقتصادية الحادة، وأمام تراجع قارئ المجلات الورقية، فصمتت تماما عام 2006، لتصبح جدارية ثقافية تاريخية، لرصد وقراءة أكثر من خمسة عقود من الزمان.
بالطبع فالأزمات الاقتصادية التي تمر بها المجلات الثقافية تكون سببا مباشرا لإغلاقها، أو حتي طباعة عدد محدود من نسخها، وهناك مجلة طليعية لبنانية أخري، صدرت في عام 1941، وكانت تمثّل الثقافة اليسارية عموما، ولكنها كذلك قدّمت الصوت الوطني الديمقراطي الثقافي عموما، واتسع قوسها علي مختلف التيارات الطليعية، وبعد ستين عاما من صدورها، بدأت تتعثر، وتقلل من مرّات صدورها، ففي الأربعينيات كانت تصدر مرتين في الشهر، وصارت في بدايات الألفية الجديدة تصدر مرة واحد كل شهرين، وفي عام 2006 أعلن رئيس تحريرها الكاتب الراحل الكبير محمد دكروب أن المجلة سوف تتوقف قليلا تحت ضربات الأزمة الاقتصادية، وربما تعود مرة أخري عندما تنفرج تلك الأزمة، وتعاطف كثيرون من الكتّاب والمثقفين مع أزمة المجلة، لكن الأمر لا يتعلق إلا ظاهريا بالمسألة الاقتصادية، ولكن في حقيقة الأمر ملابسات وظروف تاريخية أخري، خلقت قارئا جديدا، لا تناسبه تلك المجلات التي لعبت أدوارا عظيمة في يوم ما، ذلك القارئ الذي يبحث عن ضالته أولا في الفضاء الالكتروني، ثانيا فلابد من حدوث معجزة ما لتطوير الصحافة الثقافية القديمة، والتخلص من أبعاد صحافية أصبحت مملة، وربما سخيفة أيضا لتناسب القارئ النزق والعصري، ثالثا بالنسبة للمجلات الحكومية المدعومة لا بد من إنهاء طقس المجاملات البائس الذي أسّست له وزارة الثقافة المصرية بامتياز، وذلك منذ عقود عديدة، فتجد رؤساء تحرير لا يملكون أدني مواهب صحفية، ورغم ذلك فهم يصرّون علي البقاء.
وإذا كنا تعرضنا لأبرز المجلات الطليعية المستقلة وانهيارها مثل الرسالة والثقافة، وهناك تجارب أخري شبيهة مثل الغد وأدب وجاليري 68، وكافة المجلات غير الدورية التي صدرت في عقد السبعينيات، هناك تجربة حكومية ومدعومة من الدولة، بدأت في مطلع الستينيات، وهي مجلة "الكاتب"، والتي صدرت عن دار التحرير في ابريل 1961، وترأس تحريرها في البداية أحمد حمروش، وضم مجلس تحريرها الدكتور لويس عوض والدكتور محمد مندور، ثم انتقلت رئاسة التحرير في يناير 1964 للناقد أحمد عباس صالح، واتسع مجلس التحرير ليضاف إليه الكتّاب كامل زهيري ومحمد عودة ويوسف ادريس ونعمان عاشور، وكان شعارها "مجلة المثقفين العرب"، واتخذت المجلة طابعا يساريا واضحا، في ظل مجلات محايدة، وربما كانت يمينية جدا في ذلك الوقت، وعندما أتي الصحفي حلمي سلّام رئيسا لمجلس إدارة دار التحرير، كان ضجرا من المجلة، راح يبطش بالكتاب اليساريين العاملين فيها، فقام بنقل رئيس تحريرها أحمد عباس صالح إلي شركة لتجارة الخشب، وكذلك تم نقل الآخرين إلي شركات للقطاع العام ليست لها أي علاقة بالصحافة أو الثقافة، ولولا تدخل جمال عبد الناصر شخصيا، وأمر بصدور المجلة خارج الدار، ولكن علي نفقة مجلس تحريرها، وبالفعل صدر عدد أكتوبر 1964 علي نفقة هيئة تحريرها، بمعاونة بعض من المثقفين التقدميين في ذلك الوقت، وفي مطلع عام 1966 قرر د. عبد القادر حاتم نائب وزارة الثقافة ضم المجلة إلي وزارة الثقافة، وكانت توزع اثني عشر ألف نسخة حسب رواية ابراهيم منصور في مجلة الآداب، ومنذ اليوم الأول بدأ الصدام بين الوزارة والمجلة، وطلب د. حاتم أن يطلّع علي أصول المقالات قبل نشرها، ولكن أسرة تحرير المجلة رفضت بالإجماع هذا الأمر، ولذلك قرر السيد حاتم رفع الدعم عن المجلة، وعاد مجلس التحرير مرة أخري لإصدار المجلة بالمجهود الخاص، ونشرت سلسلة تحقيقات عن الأوضاع المتردية في قطاع النشر، وتشكلت بعد هذه التحقيقات ست لجان لفحص ماجاء بالتحقيقات، وفي أعقاب ذلك تقدم د. حاتم بالاستقالة من منصبه، ولكنه بعد رحيل جمال عبد الناصر، وفي سبتمبر عام 1971 عاد ليصبح نائبا لمجلس الوزراء، ويصدر قرارا عجيبا وهو إغلاق المجلات التي كانت تصدرها وزارة الثقافة، وعلي رأسها مجلة الكاتب، وكأنه يثأر من المجلة ومجلس تحريرها، وكانت حجة د. حاتم بأن المجلات تخسر، ولكن إدارة مجلة الكاتب قدمت مايثبت أن المجلة لا تخسر، ورغم ذلك استمر الصدام قائما، بعد اضطرار وزارة الثقافة أن تستمر المجلة ولكن دون إعطاء أي مكافآت مالية لهيئة التحرير التي وافقت علي ذلك الشرط.
وفي مارس 1973 تم تعيين يوسف السباعي وزيرا للثقافة، وبدأت أشكال الترصد تزداد وتتفاقم، وراحت الرقابة التقليدية تعمل بضراوة، فتم الاعتراض علي فقرة وردت في مقال للكاتب الصحفي حسنين كروم حول المساعدات الإيرانية للأكراد المتمردين في العراق، وتم الاعتراض كذلك علي مقالين للأستاذين عباس صالح وصلاح عيسي، وبدأت في 11 ابريل عام 1974 طقوس الإزاحة والاستبعاد، وعقد اجتماع في الهيئة المصرية العامة للكتاب برئاسة الدكتور محمود الشنيطي رئيس مجلس الإدارة آنذاك، وأثار فيه الشاعر صالح جودت التناقض بين أن تصدر الهيئة مجلة، وفي الوقت نفسه تهاجمها، وتدرجت وسائل الضغط علي المجلة ومجلس تحريرها الذي طالب برفع سيف الرقابة المسلط علي المجلة، حتي تم إزاحة مجلس الإدارة، وتم تعيين الشاعر صلاح عبد الصبور رئيسا للتحرير، بدلا من عباس صالح، وبدأت حرب شعواء علي المجلة، وعلي أعضاء هيئة تحرير، وارتفعت في الأفق اتهامات بالشيوعية واليسارية أطلقها الكاتب الصحفي ابراهيم الورداني وعبدالعزيز الدسوقي ويوسف السباعي نفسه، ولكن قامات كبري آنذاك دافعت عن المجلة، وعلي رأسهم نجيب محفوظ الذي كتب مدافعا عن المجلة، ولائما يوسف السباعي، وكذلك يوسف ادريس ورضوي عاشور وابراهيم أصلان، وسعيد الكفراوي، لتتحول قضية إغلاق المجلة إلي قضية رأي عام .
وفي ديسمبر 1974 استضافت مجلة الطليعة اليسارية أعضاء هيئة التحرير، ليصدروا ملحقا صغيرا داخل مجلتهم، ولكن هذا لم يستمر، وبالتالي فالمجلة لم تستمر بطابعها القديم، الذي لم يصبح مناسبا للتوجهات السياسية الجديدة، والتي راحت لتعمم مبادئها في كافة الإصدارات الأخري، لتبدأ مرحلة جديدة من عصر المجلات الثقافية، ليصل بنا الحال الآن لتكرار المشهد القديم الذي يفرض نفسه بقوة.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.