- العلاقة بين الإنسان والمكان جدلية.. وتركت بعض الصراعات دون نهاية لتعكس الواقع.. والسخرية وسيلة نجاة ونفثة مصدور تأتى رواية «ولا غالب» للكاتب الكويتى عبد الوهاب الحمادى محملة بدلالات تاريخية وفكرية، لكنها فى الوقت نفسه تفتح بابًا واسعًا للتأويل والأسئلة، رواية تتقاطع فيها الأزمنة، وتتعدد الأصوات، وتغيب فيها البطولة التقليدية لصالح شخصيات مهزومة، إنسانية.. فى هذا الحوار، يتحدث الحمادى ل«الشروق» عن مفهومه لهزيمة والانتصار، وعن اختياراته الفنية فى بناء الشخصيات واللغة والمكان. * فى البداية عنوان «ولا غالب» يحمل نبرة حماسية وقاطعة، لكن الرواية ممتلئة بالهزائم والانكسارات هل كان هذا التناقض مقصودًا؟ عنوان «ولا غالب» من العناوين الصعبة، وأنا أرى أن من الخطأ أن يبدأ الكاتب بشرح عمله، لأن العمل الجيد يجب أن يشرح نفسه بنفسه. ومع ذلك، عندما يثير العنوان تساؤلات لدى القارئ، فهذا أمر يسعدنى. فى أحد المعارض سألتنى أستاذة فلسطينية عن العنوان، وقالت إن ما أعجبها فيه أنه لا يشير إلى انتصار أحد؛ فالجميع خاسر بدرجات متفاوتة. هذا التفسير قريب جدًا مما أردته، لأن الرواية تقول إن لا أحد خرج منتصرًا بالكامل، وأن الهزيمة قد تكون جماعية، لكنها تتوزع بطرق مختلفة. * أبطال الرواية يبدون مهزومين وغير تقليديين، هل تعمدت كسر صورة البطل الكلاسيكى؟ نعم، أنا لا أؤمن بالبطل التقليدى الذى يمتلك كل الصفات المثالية. تأثرت كثيرًا بمدارس أدبية مختلفة، خصوصًا تجربة نجيب محفوظ، وكذلك بالمسرح اللبنانى وتحديدًا تجربة زياد الرحبانى، حيث لا يوجد أبطال بالمعنى الشائع، بل بشر عاديون، يخطئون ويهزمون ويتناقضون. فى «ولا غالب» حاولت أن تكون المسافة واحدة تقريبًا بينى وبين الشخصيات، وأن أقدمهم كبشر قبل أى شىء آخر. * هل تحمل هذه الشخصيات رمزية مباشرة؟ نعم ولا، بعض الشخصيات تحمل رمزية واضحة، مثل المتدين أو القومى أو المثقف أو الطبيب، لكنها ليست رمزية مغلقة، أنا أترك مساحة للقارئ كى يكتشف هذه الرموز بطريقته، أحيانًا أتعمد أشياء لا يراها القارئ، وأحيانًا يرى القارئ أشياء لم أتعمدها أنا، وهذا يسعدنى جدًا، لأن العمل الأدبى الحقيقى يعيش خارج سيطرة كاتبه. * المكان فى الرواية يبدو فاعلًا ومؤثرًا، إلى أى مدى ترى أن المكان شريك فى الأحداث؟ العلاقة بين الإنسان والمكان علاقة جدلية؛ نحن نشكل المكان والمكان يشكلنا. أحب أن يكون المكان بطلًا أو شخصية أساسية فى الرواية، لا مجرد خلفية للأحداث. المكان يجب أن يكون حيًا، وأن يشعر القارئ بأنه يستطيع مقارنته بمكان آخر، أو إسقاطه على واقعه الخاص. * لماذا اخترت أن تكون نهايات الصراعات مفتوحة وغير محسومة؟ لأن أغلب صراعاتنا فى الحياة غير محسومة. هى جروح مفتوحة أكثر منها نهايات مغلقة. فى البداية فكرت فى كتابة أكثر من نهاية، ليختار القارئ ما يناسبه، لكننى فى النهاية اخترت الأقسى، لأنها الأقرب إلى رؤيتى. النهايات فى «ولا غالب» ليست مريحة، لكنها صادقة، وتعكس واقع الأحلام المؤجلة أو التى لم تتحقق أصلًا. * اللغة فى الرواية بدت أحيانًا حادة، هل هذا جزء من البناء الفنى؟ بالتأكيد. اللغة أداة أساسية مثل المكان والزمن. حاولت أن أخلق مستويات لغوية مختلفة حسب الشخصيات والفترات الزمنية. هناك لغة تقريرية فى الرسائل، ولغة أكثر عاطفية فى العلاقات الإنسانية، ولغة تاريخية حين نعود بالزمن إلى عام 1491 على سبيل المثال. كنت أريد خلق تمايز يخدم السرد ويعكس اختلاف الأزمنة. * هل ترى «ولا غالب» صراعًا خارجيًا مع العالم أم صراعًا داخليًا مع النفس؟ أراها فى الأساس صراعًا داخليًا. أحد القراء وصفها بأنها «دون كيشوت العربية»، من حيث السخرية من التاريخ والأبطال المهزومين، الرواية تحاول أن تطرح سؤال الهوية والخيبة والبحث عن معنى، وسط تاريخ مثقل بالهزائم. * استخدمت تقنية السرد داخل السرد والرسائل بدل الراوى العليم، لماذا؟ فى المسودة الأولى كان هناك راوٍ عليم يسيطر على الرواية بالكامل، لكننى شعرت أنه سيكون ثقيلًا على القارئ. فقررت توزيع هذا الصوت على عدة شخصيات من خلال الرسائل. أنا أحب كسر الإيهام والخروج من الزمن أحيانًا، كما فى مسرح بريخت، وأحب اختبار وعى القارئ وإشراكه فى اللعبة السردية. * الحس الساخر حاضر بقوة رغم ثقل التاريخ والمأساة، هل السخرية عندك نقد أم نجاة؟ السخرية بالنسبة لى وسيلة نجاة قبل أن تكون أداة نقد. الحياة تسخر منا، فنرد عليها بالسخرية. وهى ليست للتسلية فقط، بل «نفثة مصدور»، وطريقة لتحمل الواقع القاسى، كما يفعل الشعب المصرى مثلًا بخفة دمه وقدرته الدائمة على تحويل الألم إلى ضحكة.