بدأ شغف أحمد الملواني بالحكي منذ الطفولة، حتي قبل أن يتعلم القراءة، بعدها جاءت مرحلة الكتابة التي بدأت في المرحلة الابتدائية، لذا يقول »طوال حياتي كنت أكتب»، قرأ الملواني ليوسف عوف، ثم أحمد خالد توفيق ثم جارسيا ماركيز »الذي يجعل من الرواية شيئًا مسموعًا وملموسًا ومرئيًا حتي الغرائبية في أعماله ينقلها بشكل ملموس»، وأحب أيضًا ساراماجو، كذلك نجيب محفوظ الذي يعتبره مُلهما في فكرة التجديد والاستمرار في الكتابة، تأثر أيضًا بخيري شلبي ومصطفي نصر »تعلمت منهم تدفق السرد وكيف تُحكي الحدوتة». رغم ذلك لم يكن يحلم بأن يصبح كاتبًا، فحلمه كان الإخراج السينمائي، لكنه لم يجتز اختبار القبول بمعهد السينما، فبدأ الولع القديم بالكتابة يتحول إلي شيء جدي، وبدأت رحلة البحث عن قارئ من خلال المدونات، ثم من خلال النشر. حتي كانت اللحظة التي قابل فيها قارئه الأول، فكانت من اللحظات التي لا تنسي، يقول عنها: »في البدايات كانت عندي قناعة بأننا كمجتمع أدبي نقرأ لبعضنا البعض.. كلنا أدباء في بعض.. وتلك اللحظة التي قابلت فيها أول قارئ هي لحظة لن تنسي، فكان قد قرأ زيوس يجب أن يموت، وأعجبته كثيرًا، وعندما تقابلنا عن طريق الصدفة، كان فرحا لأنه تعرف علي، فأخذ يقول كلامًا جميلًا، عندها احمر وجهي ولم استطع أن أقول أي شئ.. تلك كانت لحظة شعرت من خلالها أن هناك أمل». مؤخرا صدر للملواني رواية "الفابريكة" وهي الرواية الرابعة له بعد زيوس يجب أن يموت الصادرة عام 2010، و»مفتتح للقيامة» 2014 .. و»وردية فراولة"» 2016 وهي الرواية الفائزة بجائزة أخبار الأدب. كذلك أصدر ثلاث مجموعات قصصية »أزمة حشيش" 2013 "سيف صدئ وحزام ناسف" 2013 و"الروحاني» 2015. في »الفابريكة» يتنقل الملواني من زمن لآخر، ومن فرنسا لمصر، بسرد يلهث خلف تفاصيل كثيرة، ومع سرعة الأحداث نشاهد قرية مضطهدة يمارس عليها خداع العقل بتأليف عمدة القرية لأسطورة يتناقلها الجيل تلو الجيل وتنتشر الشائعات في القرية، في البداية قد يبدو تصديق هذه الشائعات نوعاً من السخف، لكن سرعان ما نميل نحن هذه الأسطورة وربما التسليم بأن الأحداث تبدو حقيقية ومنطقية، نلمح ثورة وأولاد مقدسين، ودائرة تنغلق لتفح مجددا علي التفاصيل نفسها.. هنا يتحدث الملواني بتفصيل أكبر عن روايته وعن الكتابة بشكل عام. مساحة الفنتازيا كبيرة في الرواية، هل أردت من خلالها أن تقول للقارئ بأن ما قد تراه فانتازيا هنا قد يكون واقعاً فعلياً في مكان آخر؟ نعم بالطبع فهي وجهة نظر قديمة، فمستويات العلم بين مجتمع وآخر هي التي تُحدِث الفوارق، فالذي نراهُ الآن خيالًا علميًا قد يكون في نفس هذهِ اللحظة من هو حبيس لتجاربهِ العلمية ويختبر هذا الخيال ليصبح واقعًا ملموسًا بعد عشر سنوات فنجد ما كنا نظنهُ خيالًا علميًا في الماضي قد صار واقعًا حقيقيًا، لكن فكرة الفانتازيا في هذهِ الرواية كانت في الثلث الأخير فقط، الباقي واقعي، حتي ولو كانت هناك حكايات خرافية، فالقارئ لا يعرف إن كان هذا حقيقيًا أم أنهُ مُجرد خُرافة وأن هذه هي مجرد أساطير مثل أساطير أي قرية مصرية. تعمدت أن يكون هناك نوع من »المرجحة» بين الواقع والخيال، وعندما كنت أكتب هذه الرواية كنت أعلم بأن هناك قارئاً يتوقع أن تكون هذهِ كُلها مجرد أساطير خصوصًا وأن الرواية تبدأ بفكرة هدم الخُرافة أو كيف حدثت الخرافة خاصةً في قصة »مريم الملاك ذات المائة ثدي» فأنا منذُ البداية قدمت الحكاية وكيف تحولت فيما بعد إلي أسطورة، لكن في الثلث الأخير من روايتي تحولت هذه الأساطير إلي حقيقة. الرواية تقول أن استخدام الدين هو الوسيلة الوحيدة للسيطرة علي شعب جاهل.. لا ليس الدين تحديدًا، فإذا أردنا أن نلعب علي مشاعر الناس فمن الطبيعي أن تُستغل هذهِ المشاعر، فالمشاعر الوطنية يمكن استغلالها، وأيضًا الدين يتم استغلاله، كذلك خطاب الحب يمكن استغلاله. فاللبنة الأساسية في هذه الرواية هي كيف للإنسان أن يقمع نفسهُ. إذًا لماذا لم يحسم سُكان القرية أي صراع، فهُم مفعولٌ بهم دائما؟ لأن هذا هو الواقع. فالفكرة الأساسية في »الفابريكة» كانت كما قلت لك هي القمع الذاتي، فالقمع الذاتي يُلغيك من الوجود، لو تطرقنا إلي فكرة أن هناك شعباً ثائراً فهو في هذه اللحظة فاعل حتي لو تمت هزيمته، لكن نحن هنا نتحدث عن القمع الذاتي الذي من خلاله يستبعد الشخص نفسه من الواقع، فهذا كان موجودًا علي مدار تاريخ الإنسانية وفكرة الاستعباد، ذكرها القرآن الكريم في قصة فرعون »فاستخف قومه فأطاعوه» فكرة الطاعة العمياء في حكاية موسي وفِرعون كان الشعب من خلالها مفعولاً به،حتي أن فرعون لم يتطرق لوجود شعب وأشخاص فكان كل كلامه أنا، ومصر والأنهار التي تجري من تحتي فهذهِ هي الفكرة التي أردت أن أوصلها، لكن دائمًا ما أقف أمام القمع الذي يستبعد الشخص نفسهُ من المعادلة، حتي ولو كان هناك أشخاصًا يتصارعون عليه، فهو أيضًا يصر علي ألا يكون له رأي وأن يكون مفعولًا بهِ دائمًا في كل شئ. قلت في حوار سابق أنك كنت قارئا نهما للأدب الساخر، في روايتك هذه ظهرت الدعابة من خلال شخصية العمدة التي قد تعطي انطباعاً للقارئ بأنك كاتب ساخر.. أم أن هذه كوميديا سوداء؟ الكوميديا في الرواية لم تكن مقصودة فمن الممكن أن نسميها بالكوميديا السوداء فعلا ولم تكن مقصودة بحد ذاتها ولم يكن مقصودًا أن يكون العمل كوميديا لكي يضحك القارئ. لكن أنا بالفعل بدأت القراءة الساخرة مبكرًا فكنت أحب أن أقرأ ليوسف عوف وأحمد رجب فهؤلاء قد شكلوا لي هذه الرؤية الساخرة في الكتابة وفي الحياة عمومًا خاصةً يوسف عوف الذي كان بارعًا في التقاط السُخرية من داخل الأزمة، فهذهِ الرؤية الساخرة من الطبيعي أن تظهر في هذه الرواية خاصة أن هناك نوعًا من العبث من خلال العلاقة الغريبة بين العمدة وأهل القرية ،لكن لم يكن مقصودًا من هذه الكوميديا إلا أن أصف أن هذه هي العلاقة الطبيعية بين أهل القرية والعمدة، فأحيانًا يتفوق الواقع علي العبث. غابت المشاعر الإنسانية من جانب الراوي، لماذا لم يتعاطف الراوي مع المُعاناة التي يعيشها أهل القرية؟ فكرة من هو الراوي ليست معلنة في »الفابريكة» لكن ليس شرطًا أن يكون من داخل الرواية، وحتي الراوي العليم الذي لا يمثل أي شخصية من شخصيات الرواية. عندما أكتب فأنا أتعامل مع الراوي علي أساس أنه موجود، شخص موجود بالفعل، وأرسمهُ في خيالي بالفعل لأن اللغة التي اكتب بها الرواية ليست لغتي ولكنها لغة الراوي فمثلًا عند كتابتي "مفتتح القيامة" كنت حينها أتخيل أن الراوي هو شيخ عجوز مُتهالك يمتلك الحكمة وفي »وردية فراولة» كنت أريد أن يكون الراوي عبارة عن شخص »ضائع» لأن الراوي هو شخص قد عايش الأحداث أو سمع عنها. فعند كتابة »الفابريكة» كنت أمام أمرين، الأمر الأول تخيلت أن من يروي شخص يحكيها بضمير الغائب ، من داخل الأحداث لكن لا يحكي عن نفسه، أما الأمر الثاني فكنت أتساءل: لماذا علي القارئ العادي أن يصدق أن ما يقوله الراوي العليم هو من المسلمات؟ فأنا تخيلت في هذه الرواية أن الراوي هو شخص من داخل الأحداث لكن ليس شرطًا أن يكون ما حكاه هو حقيقة. وفي النسخ الأولي من الرواية أعلنت من خلالها من هو الراوي لكن هذا الشئ لاقي مُعارضة ممن قرأوها، ولكن في النهاية انتصرت لفكرة أن يكون الراوي بهذا الشكل دون ان يكون معلوماً من هو. في »يوجينيا» التي صُنفت ضمن قصص الخيال العلمي، تحدثت عن تعقيم الأطفال في المجتمعات الفقيرة حتي يُمنعوا من التكاثر، وفي »الفابريكة» تحدثت أيضًا عن فئة مضطهدة أسميتهم بالأولاد المقدسون، فهل تتعمد اختيار المهمشين في أعمالك؟ نعم فأنا أري أن فكرة الثورة موجودة في أغلب أعمالي لكن دائمًا ما تكون مهزومة في النهاية، فعلي الجانب الشخصي أنا أؤمن بالثورة كفكرة لكن لا أؤمن بالثورات علي مدار التاريخ، فجميع الثورات إما أنها لم تكتمل وإما أنها لم تكبر، أي لم نجد من يلتف حولها مثل بدايات الثورة الفرنسية، وكثيرًا ما تجد أن الثورة في أعمالي الأدبية غالبًا ما تتوقف ولا تكتمل. لكن في »الفابريكة» كانت هناك ثورة حقيقية ،لكنها ثورة حمقاء ، فأنا أري أن الثورة ليست حلًا ولكنها بمثابة خطوة في سلسلة خطوات تشكل في النهاية حلًا للمشكلة، والثورة في حد ذاتها »غضب» والغضب يعني غياب العقل لذلك فأنا أري أن الثورة ليست حلًا للفقر ولا للبطالة، فأبطالي ينفذون الثورة والغضب لكنهم ينتهون بهزيمة في النهاية والسبب في ذلك ممكن أن يكون إيماني علي مستوي اللاوعي بأن الثورة هي شئ غير مكتمل الأركان بالقدر الكافي. الفكرة نفسها تنطبق علي أعمالك السابقة للثورة الفعلية؟ دعنا نقسم كتاباتي قبل ثورة يناير وبعد ثورة يناير سواء من خلال تجربتي أو تساؤلاتي عن الثورة فقبل الثورة كتبت »يوجينيا» و »زيوس يجب أن يموت» كلاهما كان بهما فكرة الثورة وكلاهما انتهيا بالهزيمة، فالفكرة هنا أنه حتي قبل قيام الثورة كانت أعمالي ترفض نجاح الثورة في النهاية. فالثورة كما قلت لك ليست حلًا ولكنها خطوة للتعبير عن الغضب، أنا لا أتذكر أن هناك ثورة علي مدار التاريخ أدت إلي حل، فإما أن اللعبة تُعاد مرة أخري أو أن الذين قاموا بالثورة عادةً ما ينقلبون عليها كما حدث مثلًا مع الثورة البلشفية التي جعلت البعض ممن أيدوها أن يندموا علي حكم القيصر فيما بعد بسبب حكم ستالين. نجاح الثورة يتوقف علي عوامل خارجية معينة خارج إطار الثورة، أنا لا أجد ثورة نقية ولا أجد أن الثورات رومانسية علي مدار التاريخ. فالثورة هي شحنة عاطفية لا ندري إلي أي مدي يمكن أن تقودنا، لذلك فهذه الأزمة من الثورات تجدها منعكسة علي أعمالي حتي قبل ثورة يناير. هل من الممكن أن يكون للرواية جزءًا آخر خاصة أن الصراع لم يُحسم لمصلحة أي طرف في النهاية؟ لا، صعب أن يكون لها جزء آخر، فالصراع لم يحسم في هذه الرواية لأنني أكتب عندما يكون عندي تساؤلات ولا أنتظر أن يكون هناك إجابات عن هذه الأسئلة، لذلك فأغلب رواياتي إما أن تنتهي بنهايات مفتوحة أو بنهايات دائرية، ولكن في »الفابريكة» التساؤلات لازالت معلقة فأنا لا أحب أن أجيب عن هذه التساؤلات لأني أري أن صراع الحاكم والمحكوم ليس لهُ إجابة علي مدي التاريخ فهي فكرة دائرية ليس لها إجابة، فالعمدة في نهاية الرواية لازال حيًا ومنصور أيضًا والدفتر ظل موجودًا، لذلك فأنا أحببت أن تكون النهاية مفتوحة. تكتب بلغة بسيطة يستطيع من خلالها القارئ أن يقرأ ما تكتبه بسهولة فكيف توظف اللغة في الكتابة؟ -أنا لا أحب فكرة القصدية في كتاباتي لأني أحب أن تحكي الحكاية نفسها، فأنا أؤمن بمقولة كونديرا عندما قال:»الرواية أكثر ذكاء من كاتبها» فاللغة في »الفابريكة» بسيطة، لكن هذه هي اللغة التي كان يجب أن تخرج عليها الرواية فلم أتعمد أن تكون الرواية بلغة سهلة، ولكنها عبرت عن نفسها بسهولة فمثلا في وردية فراولة نالتني بسببها العديد من الشتائم بسبب اللغة المستخدمة بها لكني أري أن هذه اللغة المستخدمة هي التي تعبر عن حال الرواية. ما هو الأهم بالنسبة لك الجوائز أم رأي النقاد أم القارئ؟ بالنسبة لي الثلاثة، فمثلًا أنا أنتظر من المسابقات العائد المادي لأنها ليست مجالًا لتقييم العمل الأدبي فغالبًا ما ترجع لذائقة المحكم فهي تقدير مادي خاصةً من ناحية الجوائز لأننا غالبًا لا نأخذ عائدًا ماديًا إلا من خلال هذه الجوائز. أما الناقد فأنتظر أن يحلل ما أكتبه لأنه يفتح لي آفاقًا كثيرة قد أغفل عنها ولكني لا أؤمن بنقد الأدباء خاصة إذا كان وراء ذلك أغراض سواء بالمدح أو بانتقاده للعمل الأدبي، فأنا أري أن الناقد عليه فقط أن يحلل النص الأدبي بموضوعية فهذا الذي يفيد الكاتب ويفيد النص الأدبي. أما القارئ فهو يعبر عن رأيه الشخصي في العمل الأدبي فقد يعجبه النص الأدبي وقد يبدي انزعاجه منه ولكن الذي يجعلني سعيدًا هو إشادة القراء بعملي الأدبي لأن هذا ما اعتبره التقدير الحقيقي، أما الرأي السلبي من القراء فإنه لا يؤثر لأنه لن يرجعني خطوة للخلف بعكس القارئ الذي يشيد بعملي فهو يدفعني للأمام. كيف تري مستقبل الأعمال الأدبية في مصر؟ أري أن مستقبل الكتابة في مصر مظلم وأتوقع أن تغلق الكثير من دور النشر، فنحن نمتلك الكثير من الكتاب وفي المقابل أصبح النشر سهلًا للجميع ومن يمتلك المال يمكن أن ينشر أي عمل أدبي، وأصبحت دور النشر تقبل أي عمل بمقابل مادي فأنا أري أنني من آخر جيل كان يواجه مشاكل حقيقية في نشر أعمالهِ، ولكن الأمر الآن تحول إلي »سبوبة» في مقابل ذلك أدي انتشار دور النشر إلي رواج حركة بيع الكتاب فأصبح لدينا العديد من المكتبات التي تبيع هذه الكتب كمكتبات »الشروق وديوان وألف» فأصبح لدينا ما يشبه الصناعة ولكن من الناحية الأدبية تحول ذلك إلي سخف فصرنا نتعامل مع سلعة بشكل رسمي ، فالمكتبة صارت تحدد للناشر ما الذي تريد أن تبيعه في مكتبها، وبناءً علي ذلك يحدد الناشر بدوره للكاتب الذي يريد أن يكتبه، كذلك الشعر والقصة صارت ترفضهما المكتبات وذلك لأسباب تجارية بحتة، وبعد أزمة الدولار أصبحت دور النشر تقلل من إصداراتها إلي النصف، مما يؤدي إلي ارتفاع سعر الكتاب وبالتالي قلة شراء الكتاب الأصلي، فنحن الآن في بداية واقع أسود علي مستوي النشر. هناك من يقول بأن شيخوخة الكاتب الحقيقية تأتي عندما تنضب أفكارهِ، فلا يستطيع أن يقدم شيئًا جديدًا، هل تتفق مع ذلك ويؤرقك هذا الشعور؟ لا، لا يؤرقني هذا الشعور فأنا أري أن الأدب في مصر لا يُنتظر منهُ عائد مادي، فلو شعرت بأني لا أريد أن اكتب فلن اكُتب. ماهي مشروعاتك في الفترة القادمة؟ انتهيت بالفعل من رواية ولكني لا أحب أن أنشر كثيرًا، لأني أريد لكل رواية أن تأخذ وقتها.