هي محاولة لضبط إيقاع حديث بعض الناس؛ إذ يتصوّر بعضهم أن ادعاء الخشية من الله، أو إبداء النصيحة، أو توجيه الانتقاد دون الالتزام بآداب النقد والتوجيه، هو أمر مباح لا تحكمه قيود ولا تضبطه أخلاق في استعمال هذا الحق . وسبحان الله، كأن بعض الناس يأخذون مما يعينهم على الخروج عن المعروف، بدعوى أنهم ينهون عن المنكر، فيغفلون عن الأمر بالمعروف، وهم لا يدركون أن الأمر بالمعروف هو في حد ذاته نهيٌ عن المنكر . وقد أرشدنا القرآن الكريم إلى المنهج القويم في الخطاب والنصح، حيث قال الله تعالى: " فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ۖ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ " ، فاللين والحكمة ليستا ضعفًا، بل هما أساس القبول والتأثير . وليس من منهج السلف التشهير بعيوب الولاة أو ذكرها على المنابر؛ لأن ذلك يفضي إلى الفوضى، وعدم السمع والطاعة في المعروف، ويؤدي إلى خوض يضر ولا ينفع . أما الطريقة المتبعة عند السلف، فكانت تقوم على : " النصيحة سرًّا بين الناصح والسلطان ، أو الكتابة إليه ، أو التواصل مع العلماء الذين يتصلون به ويوجهونه إلى الخير " ، وهو منهج يجمع بين أداء الواجب وحفظ الاستقرار . وقد روى الإمام أحمد في المسند (24/48): عَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَمْرو، قال: حَدَّثَنِي شُرَيْحُ بْنُ عُبَيْدٍ الْحَضْرَمِيُّ، قال: قال عِيَاضُ بْنُ غَنْمٍ لِهِشَامِ بْنِ حَكِيمٍ: " أَلَمْ تَسْمَعْ بِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: مَنْ أَرَادَ أَنْ يَنْصَحَ لِذِي سُلْطَانٍ فَلَا يُبْدِهِ عَلَانِيَةً، وَلَكِنْ يَأْخُذُ بِيَدِهِ فَيَخْلُوا بِهِ، فَإِنْ قَبِلَ مِنْهُ فَذَاكَ، وَإِلَّا كَانَ قَدْ أَدَّى الَّذِي عَلَيْهِ " . وليس كل انتقاد لولاة الأمور يُعد خروجًا عليهم، غير أن النقد له آدابه وضوابطه، وهو ما يشمل مجموعة من القواعد والمبادئ التي يجب على الناقد الالتزام بها، سواء في المجال السياسي أو العلمي أو الأدبي أو غيرها من المجالات . وتهدف هذه الآداب إلى أن يكون النقد بناءً وهادفًا، يساهم في الإصلاح والتطوير، لا في الهدم وإثارة الفتن . ولذلك وجب الالتزام بالأدب في القول ، إذ يقول المزني : سمعني الشافعي يومًا وأنا أقول: فلان كذاب، فقال: يا إبراهيم، اكسُ ألفاظك أحسنَها، ولا تقل : كذاب، ولكن قل: حديثه ليس بشيءٍ ، فالكلمة قد تُصلح وقد تُفسد، والميزان هو حسن الاختيار . حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه ، ومما لا يعنيه ما لا يعيه، ومن فطنة العاقل معرفة قدره، ومعرفة قدر من ينتقد، ووزن الأمور بميزان الحكمة لا الانفعال . وفي النهاية .. كلكم راعٍ، وكلكم مسؤول عن رعيته، فأحسنوا إلى رعيتكم، وأحسنوا إلى أنفسكم، بالتزامكم آداب الحديث والنقد، لفبها تُصان الكلمة، ويُحفظ المجتمع، ويُرجى الإصلاح . كاتب المقال : مفكر سياسي ونائب برلماني سابق