حينما نقف أمام المرآة نحاول أن نحسن، ونجوّد من نظرتنا إلى ذواتنا، وهنا نستعير هذا المعني؛ لنؤكد أن شهر النفحات، والشمائل يساعد فى أن نستعيد طبيعتنا، وسرائرها النقية؛ كى تبعث فينا الهدوء، والسكينة، ونعود من خلالها إلى طريق زاخر بأعمال وممارسات الخير، وأقوال تكسبنا الطمأنينة، والرضا، وبهذا تصبح أيام رمضان مفعمة بالحب، والاحتواء، والتضافر من أجل استدامة جماعية على الطاعات، رغم المشقة التى قد تنال من راحة الأبدان؛ لكنها تغذى الوجدان، وتطيب معها السريرة، وتهدأ الأفئدة. نمر بتفاصيل حياة، ترهق نفوسنا؛ ومن ثم نحتاج إلى راحة، نتخلص من خلالها من آلام، أو ضجيج، أو انشغال مشروع، قد وصفه القرآن الكريم فى قول الله تعالى {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِى كَبَدٍ} سورة البلد: 4، وفى أيام رمضان المعدودات لا نكتفى بطاعات، نقوم بها؛ لكن هناك تعديل شمولى، ينعكس على الوجدان؛ فيرقق من سلوك الإنسان، وهذا بالطبع مرهون بالمكاشفة أمام مرآة، نحدد عبر شفافيتها الخطأ، ونصوّبه، ونحوّل كل ما استلهمناه من معان، تؤكد على التقوى إلى هوية ممارسة، تشير إلى ثمرة التشبع بجرعات إيمانية، حوّلت الضعف إلى قوة، بعد مراحل من التشخيص، والعلاج الروحانى. يأتى رمضان المغفرة، لا ليسلب منا المباحات؛ لكن ليجعلنا قادرين على إعادة هندسة ذواتنا؛ فتصير العزيمة، والإرادة أدوات فاعلة فى بلوغ غاية، نتطلع إليها من عام إلى آخر، وهنا تتأتى فرصة المراجعة الذاتية؛ كى نستطيع بنية صادقة أن نغير من بنية داخلية، تأثرت بمتغيرات يصعب حصرها؛ ومن ثم نعمل على تجديدها فى خضم بيئة التقوى المخلصة إلى جذور الكبر، والحسد، وضعف اليقين؛ لنخرج إلى واحة ممتلئة بمتصف قيم نبيلة، تتعطش لها وجدانياتنا على الدوام، وهذا ما أكدته آيات كتاب الله العزيز{إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} سورة الرعد: 11، وهو ما نعوّل عليه من خلال مرآة النفس، والوجدان؛ لنؤكد على قناعات، ونراجع نوازع، ونحسن النيات. مرآةُ النفسِ، والوجدان فى رمضان، لا تشير إلى ما ينبغى أن نقوم به، بل، تؤكد علينا ما يجب أن نتركه عبر لحظات ثمينة تمر بنا، وهذا ما يغير عقيدة الامتناع؛ بغية نيل الأجر إلى معتقد الترك، الذى يخلق فينا بذور التقوى، وحب الفضيلة، وصدق النوايا، والسريرة؛ فتصير القلوب دافئة بممارسة الطاعة، وتصبح أرواحنا فى بنيان من الراحة، والسكينة، ونكون قد وصلنا من الحرمان البيولوجى إلى سمو، يجعل أفئدتنا مطمئنة، لا تتقبل إلا كل طيب من قول، وفعل، وهنا لا نتحدث عن مواقيت بعينها؛ لكن الأمل معقود على تغيير، يدوم، ويبقى أثره طوال الدهر. صناعة الإرادة، وتشكيل العزيمة عبر بوابة رمضان، ومن خلال مرآةُ النفسِ، والوجدان تخرجنا من حيز المجاهدة، ونصبها إلى واحة، نتمكن فى جوانبها من تعديل سلوكيتنا؛ لتصبح بعيدة عن كل ما يضير بالنفس، ويؤثر على تحوّل القلوب، فما أجمل! من اللين بعد القسوة، ومن الرجاء مكان اليأس، ومن اليقظة دون الغفلة؛ فتصبح الرقة، والبصيرة، وحسن الظن بالله قابعة فى قلوبنا؛ فيكسوها التفاؤل، ويروقها الأمل، ويحيط بسياجها الهدوء، والاستقرار. صرف القلوب على الطاعة يقوم على مجاهدة، وصدق نوايا، ورمضان فرصة عظيمة؛ كى نحقق المراد، ونخرج من أيامه القلية إلى مأمن نكسب فيه نفوسنا، ونعزّز ما لدينا من قيم، ونستعيد ما فقدناه من ممارساتها، ونصلح ما كان معوّجا، عبر مرآة لا تكذب، ولا تخدع، ولا ترائي؛ فطوبى لمن نال السكينة بعد الكد، والنصب، ولمن حوّل صورة المشقة إلى طريق زاخر بعطايا الخير؛ فتتوالد فينا قناعات حب الخير؛ فتصبح النفوس راقية صافية؛ ليصدق فينا قول الله تعالى {إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} سورة الشعراء: 89، اللهم اجعل قلوبنا سليمة، وصدورنا مطمئنة بذكرك، وشكرك، وحسن عبادتك.