يعد العلاج بالموسيقى من الأمور النادرة في الدول العربية، إلا أن العديد من المستشفيات في الدول الأوروبية بدأت تتجه إلى الاعتماد على الموسيقى كجزء من خطتها في معالجة الأمراض العضوية والنفسية، ومساعدة المختلين عقليا على التواصل مع المجتمع مجددا. وركزت الأبحاث الجديدة على أهمية الموسيقى في حياة الناس ودورها في التنفيس عن انفعالاتهم وترجمة أحاسيسهم وتهدئة أحزانهم، بالإضافة إلى ما تحتوي عليه من إشارات ورسائل تقرب المجتمعات من بعضها البعض وتنشر السلام والأمان. وأكدت دراسة حديثة أن الموسيقى تخفف من الآلام بنسبة 21 بالمئة والكآبة بنسبة 25 بالمئة، خاصة عند الأشخاص الذين يمرون بظروف نفسية ومشاكل اجتماعية صعبة. ونوه الطبيب الفرنسي ستيفان جيتس، الذي دعا إلى إنشاء مصحات للعلاج بالموسيقى بقدرة الألحان والأغاني على تخفيف الآلام الناتجة عن التوتر والقلق والضغط النفسي. وأشار إلى أن الإيقاع الموسيقي الذي يختار المريض الاستماع إليه أثناء جلسة العلاج له أيضا تأثير فعال على الآلام الناتجة عن أمراض الروماتيزم وأمراض القلب وآلام الولادة. ويوجد حاليا في فرنسا حوالي 20 مركزا مختصا في العلاج بالموسيقى بعد أن ثبتت فعالية هذا العلاج. ويجد كل من يرتاد هذه المراكز ممن يواجهون الاضطرابات النفسية، الآلات والألحان عوضا عن الأدوية والمعدات الطبية. وأكد جيل بوكارا، رئيس قسم تنشيط المرضى بالمستشفى الأميركي بباريس، أن العلاج بالموسيقى عرف منذ القدم، فقد استخدم الهنود الذين عاشوا في الولاياتالمتحدة الأميركية آلة المزمار الخشبي لعلاج أمراض الروماتيزم والتهابات المفاصل، وفي العصور الوسطى استخدم الإيطاليون الرقصة الشعبية المعروفة باسم “تارانتيه” لعلاج لدغة العناكب السامة، وفي نهاية القرن التاسع عشر استخدم أطباء الأسنان في أوروبا الموسيقى لتخفيف القلق والآلام، كما استخدمت الموسيقى في نهاية الخمسينات في علاج مرضى التوحد. وفي عام 1998 قام عمدة جورجيا بتوزيع ألبومات الموسيقى الكلاسيكية على مستشفيات التوليد من أجل تخفيف آلام الولادة. وينصح خبراء في علم النفس الناس بالاستماع إلى الموسيقى قبل القيام بأي عمل يطغى عليه الشعور بالتوتر، لأن ذلك من شأنه أن يساعدهم على النجاح في أداء عملهم. وأظهرت دراسة حديثة أنّ الاستماع إلى موسيقى معينة لا يؤدي فقط إلى الشعور بالقوة، بل يمنح البشر طاقة أكبر، تساعدهم على الاستجابة النفسية والبدنية في محيط العمل والإطار الاجتماعي. وقال طالب الدكتوراه في كلية كيلوغ لإدارة الأعمال، في جامعة نورث ويسترن دينيس هسو، بناء على نتائج بحث أجراه بالتعاون مع فريق من الأكاديميين، إن الأفراد “عندما يستمعون إلى موسيقى ذات إيقاع قوي، يبادرون إلى آداء المهام بشكل أكبر، ويشعرون بقدرتهم على السيطرة على الأمور في المواقف الاجتماعية”. وأبدى اهتمامه بهذا الموضوع، بعدما لاحظ استخدام الرياضيين في غرف تبديل الملابس لعنصر الموسيقى بمثابة وسيلة تحفيزية لشحن طاقتهم، قبل المشاركة في البطولات الرياضية الكبرى.وأكد أن الموسيقى ذات الإيقاع القوي والجهوري “باس” تعتبر أحد العوامل المؤثرة في شحن الأشخاص بالطاقة، وتحفيزهم على الشعور بالقوة والإحساس بالسيطرة. ويرى أن الاستماع إلى الموسيقى يعتبر من بين الاستراتيجيات المهمة لإعداد الشخص وتحضيره نفسيا وعقليا لمواجهة تحديات العمل. وعلى عكس الاعتقاد السائد بأن الموسيقى الحزينة تزيد من الحزن، أكدت دراسة بريطانية أنها تحسن المزاج. وتوصلت مجموعة من علماء النفس إلى هذه النتيجة بعد دراسة أمزجة الناس الذين يختارون أغاني حزينة أثناء شعورهم بالاكتئاب. ويعتقد باحثون أميركيون من جامعة كاليفورنيا أن الاستماع إلى الأغاني والموسيقى الحزينة، هو أفضل السبل للتغلب على الأزمات التي يواجهها الإنسان في حياته، نظرا لتأثيرها المهدئ الذي يشبه تعاطف الأصدقاء. ومن خلال عمليات تصوير بالرنين المغناطيسي، توصل فريق من العلماء الكنديين إلى أن مركز المكافأة في المخ ينشط عندما يستمع الشخص إلى أغنية جديدة أول مرة، وكلما ازداد استمتاع الشخص بما يستمع إليه، اشتدت الروابط في المنطقة المعروفة باسم “النواة المتكئة” في المخ. وعبر أحد المتعالجين في عيادة لطب الأسنان عن سعادته عند ذهابه إلى طبيبه لأنه يجمع بين الموسيقى واستخدام الغاز الضاحك لتخفيف آلام قلع الأسنان، وقال إنه طالما طالب الطبيب برفع صوت الموسيقى أثناء العلاج كي يشعر بمتعة مضاعفة. وقال فالوري سالمبور، الباحث بمعهد روتمان للأبحاث في تورنتو، “ندرك أن النواة المتكئة مرتبطة بالمكافأة”. وأضاف سالمبور “لكن الموسيقى غامضة، فهي ليست كأن تكون جائعا جدا وعلى وشك تناول بعض الطعام ويتملكك السرور لأنك ستأكل هذا الطعام. وليس كما هو الحال مع المال أو الجنس. فهذه هي اللحظة التي يمكنك عندها عادة رصد نشاط في النواة المتكئة”. وأضاف “لكن الشيق في الموسيقى هو أنك تترقب وتشعر بالسرور إزاء شيء غامض بالكامل، وهو الصوت التالي الذي ستستمع إليه”. وأوضح “يعتبر هذا جزءا من الاتجاه الجديد الذي يمضي فيه علم الأعصاب، وهو محاولة فهم ما يفكر فيه الناس، واستنتاج أفكارهم ومحفزاتهم، وفي النهاية استنتاج سلوكهم من خلال نشاط المخ”. ولا تؤثر الموسيقى على الناس عند سماعهم لها فقط، بل تساعد المشاركة في الغناء ضمن مجموعات على تعزيز الجهاز المناعي، وتؤدي إلى خفض نسبة هرمون الإجهاد وتعديل المزاج، إضافة إلى تنظيم دقات القلب، مما يجعل تأثيرها على الصحة مشابها لتأثير اليوغا. وأظهرت الأبحاث أيضا أن التأثير الأكبر للموسيقى يظهر بعد تعلمها، وهذا التأثير يمكن أن يستمر مدى الحياة.